تونس ـ «القدس العربي»: تعاني الطبقة الوسطى في تونس في السنوات الأخيرة من عسر مادي لافت خلال نهاية موسم الصيف، حيث تكثر النفقات مقابل مداخيل محدودة لا تتجاوز في غالب الأحيان الراتب الحكومي. ففي هذه الفترة من العام، وفي السنوات الأخيرة، تتزامن نهاية العطلة الصيفية مع العودة المدرسية ومع عيد الأضحى المبارك ويدخل التونسيون في ضغط نفسي وشد عصبي في محاولة لإيجاد السيولة اللازمة للإنفاق على ما تتطلبه هذه المواعيد الثلاثة.
فتونس بلد جميل يتوفر على بنية تحتية سياحية راقية يعشق شعبه الاستجمام في فصل الصيف في المنتجعات التي تعج بها البلاد شمالا وجنوبا، ويتطلب الأمر توفير مبلغ من المال لقاء قضاء أيام في الفنادق أو استئجار بيت في مدينة سياحية، كما أن ذبح الأضاحي في العيد أمر لا يتهاون معه التونسيون، فهو إلى جانب بعده الديني الروحي مناسبة للم شمل العائلات، الأمر الذي يحرص عليه المواطنون كثيرا. وعرف أيضا عن التونسيين أيضا انفاقهم للغالي والنفيس في سبيل تعليم أبنائهم تعليما راقيا ولائقا ما جعلهم سنويا يولون للعودة المدرسية أهمية بالغة.
البحث عن المعادلة
تقول آمنة الشابي الناشطة الحقوقية والمدنية التونسية لـ«القدس العربي» أن نهاية الموسم الصيفي باتت مؤرقة لمضاجع أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة على وجه الخصوص. فحسب محدثتنا فإن على التونسيين ان يجدوا المعادلة للاستمتاع بالعطلة الصيفية من جهة وشراء أضاحي العيد وتوفير لوازم الأبناء من المال للعودة المدرسية من جهة أخرى، وهو أمر يبدو عسيرا في ظل الوضع الاقتصادي الاستثنائي الذي تمر به البلاد والذي انعكس سلبا على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى التي كانت وإلى وقت غير بعيد عماد الاقتصاد.
ولا تبدو الخيارات حسب الشابي متعددة، فالتونسي مطالب إما بالحد من مصاريف النفقات الثلاث، من خلال قضاء أيام معدودة في الأماكن السياحية عوضا عن الراحة المطولة، وشراء خروف عيد يتماشى مع الميزانية القليلة المرصودة، وإما التخلي تماما عن فكرة «التصييف» أو عن شراء أضحية العيد. لأن الإنفاق على العودة المدرسية للأبناء هو الأساس ولا يمكن انقاص المبلغ المرصود له أو المساس به.
وتختم بالقول: «أعتقد أن في مقبل السنوات حين يبتعد موعد الأضحى من حيث الزمن عن موعد العودة المدرسية والعطلة الصيفية، باعتبار الاختلاف بين الأشهر الشمسية والقمرية، ستجد الطبقتان الوسطى والفقيرة بعض التوازن في نفقاتها خلال هذه الفترة من العام. كما أن أملنا كبير في تحسن القدرة الشرائية للتونسيين في السنوات المقبلة رغم أن الوضع الحالي لا يبشر بخير ولا يعطي الأمل بحصول تحسن في مؤشرات التنمية والمتضرر هي الطبقة الوسطى التي تعتمد على انفاقها وقدرتها الشرائية اقتصاديات كل بلدان العالم بما في ذلك تونس».
مناسبات
ويعتبر صبري المحمودي أستاذ التعليم الثانوي في حديثه لـ«القدس العربي» أن ما يرهق التونسيين في الأساس، وبقطع النظر عن الوضع الاقتصادي المزري للبلاد، هو كثرة الأعياد والعادات والمناسبات. فهم يحتفلون، بأعيادهم المحلية وبأعياد الشعوب الأخرى، بالإضافة إلى وجود عادات وتقاليد موسمية دأب عليها الناس منذ أقدم العصور وهي مـقــدسة لـــدى البعـــض فيــما بدأت تختفي وتندثر لدى البعض الآخر.
فكل هذه الأعياد والعادات ترهق كاهل المواطنين وتدخلهم على مدار العام في دوامة من الضغط، يقول محدثنا، ويضيف: «فالتزامن بين الأعياد والمناسبات والعادات لا يشمل هذه الفترة من العام فقط، فبعد أشهر مثلا سيجد التونسيون أنفسهم مجبرين على توفير المال للاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهو عيد إسلامي ثم برأس السنة الميلادية وهو في الأساس عيد مسيحي، وقبل ذلك هناك رأس السنة الهجرية التي لها طقوسها الاحتفالية الغذائية لدى التونسيين، وهناك أيضا عيد الحب في شهر شباط/فبراير الذي أصبح التونسيون يحتفلون به في السنوات الأخيرة، وقد يتزامن مع وصول فواتير الماء والكهرباء، وتأتي بعده مباشرة عطلة الربيع المدرسية حيث يذهب التونسيون أيضا للراحة والاستجمام بعد توفير المال اللازم».
ويختم بالقول: «لا بد صراحة من التقليل من الأعياد والعطل والانصراف إلى العمل والكسب للخروج من هذه الدوامة. فالتونسيون على ما يبدو لديهم رقم قياسي في عدد الأعياد والمناسبات المحتفى بها على مدار العام وعليهم الانتباه إلى هذا الأمر خاصة مع بروز مناسبات جديدة بدأ البعض يحتفل بها هنا وهناك، والخشية من ان يتم تعميمها فتزيد من إرهاق المواطن الذي يكاد يقف في طوابير طويلة على مدار العام لشراء مستلزمات هذه الأعياد من حلويات ومشروبات وهدايا ومؤونة لطبخ ما لذ وطاب بحسب العيد والعادة والعرف مع ما يتطلبه ذلك من نفقات وإرهاق جسدي».
أمر طبيعي
في المقابل تقول ابتسام الورغي وهي موظفة في القطاع العام لـ«القدس العربي» أن الضغط الذي يعيشه التونسي في هذه الفترة من العام بمناسبة تزامن المناسبات هو أمر طبيعي تعيشه كل شعوب الأرض. فكثرة الأعياد والمناسبات في مجتمع ما هو دليل على انه حي ومقبل على الحياة، تتجدد عاداته وتقاليده وأعياده باستمرار.
فاحتفال التونسيين المسلمين بأعيادهم وبأعياد المسيحيين، حسب الورغي، هو دليل على تسامح الشعب وانفتاحه على الآخر وإيمانه بأن الرسالات السماوية وغير السماوية واحدة ما دامت تدفع إلى حب الناس وعمل الخير، وأن الإنسان كائن كوني بقطع النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو لغته. كما أن رغبة العائلات التونسية في الاستجمام وخصوصا في العطلة الصيفية دليل على الأهمية التي يولونها لتجديد طاقاتهم وطاقات أبنائهم للعودة إلى العمل والمدارس والجـــامعات في أحسن الظـروف النفســـية بعيدا عن التعب والإرهاق.
وتضيف: «بقي أن على التونسي أن يرشد نفقاته ويفكر في هذه الفترة من العام قبل حلولها، فبالقليل من التنظيم سيتمكن رغم الأزمة الاقتصادية من الاحتفال بأعياده وقضاء عطلته الصيفية والاستعداد المادي والنفسي الجيد لعودة أبنائه إلى مدارسهم وجامعاتهم. فالتنظيم والتخطيط الجيد سيمكنه أيضا من تجنب إلقاء عجزه على عاتق الدولة والخروج للاحتجاج كعادته في شهر كانون الثاني/يناير على الحكومة وتحميلها مسؤولية ما آلت إليه أوضاعه».