«داعش» حسابات الختام ودورة الإرهاب الجديدة

يتكرر السؤال وبالحاح هذه الأيام ماذا بعد «داعش»؟ ما هي ملامح التنظيم الإرهابي الذي سيولد من رماد الوحش؟ إذا بالرغم من الانهيارات الواضحة التي مني بها التنظيم الإرهابي مؤخرا في جبهات القتال في العراق وسوريا، إلا ان مراقبين غربيين ومحليين ينظرون إلى الأمر بقلق باد، هذا القلق الذي ولد من خبرات سابقة. فالتنظيمات المتشددة تتوالد وتنشطر مثل الحيوانات احادية الخلية التي تنشطر لتلد كائنا جديدا، وهكذا كان الأمر، فمن مدارس تحفيظ القرآن في باكستان وافغانستان «طالبان» وبدعم الأنظمة الغربية ولد تنظيم «القاعدة» ليزج به في مواجهة الغزو السوفييتي لأفغانستان، ومن هذه البداية تعملق الوحش وفتح ساحات جهاد طالت كل دول العالم حتى من شارك في بناء وولادة الوحش، ومع أفول نجم طالبان والقاعدة، ومع كل الحشود التي حشدتها الولايات المتحدة في تحالف دولي لتثأر لكرامتها التي بعثرتها عمليات 11سبتمبر، أحرقت الوحش فخرج من رماده أكثر فتكا اسمه «تنظيم الدولة الإسلامية» الذي ولد في معتقل بوكا الأمريكي جنوب العراق الذي تخرجت منه كل قيادات التنظيم الجديد وبضمنهم الخليفة البغدادي نفسه، وحتى التنظيمات الموالية لتنظيم القاعدة القديم ما عادت تطرح نفسها كجزء منه أو تبايعه كما كان يحصل سابقا، بل أصبحت تتنقل في تسمياتها من النصرة إلى فتح الشام أو غيرها من الألوية التي تمثل طيفا واسعا من التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي يوم الخميس 13 آب/اغسطس الماضي تحرير آخر جيب من جيوب محافظة نينوى التي يتركز فيه مقاتلو «داعش» في ناحية العياضية التابعة لقضاء تلعفر، فبعد تسعة أشهر من القتال الدامي تم استرجاع الموصل ـ مركز المحافظة ـ من التنظيم الإرهابي في تموز/يوليو الماضي ثم ابتدأ الهجوم على أكبر قضاء في محافظة نينوى بقي تحت سيطرة «داعش» وهو قضاء تلعفر الذي تجمع فيه مقاتلو التنظيم الإرهابي، والذي أعلن تحريره في الأسبوع الأخير من آب/اغسطس، ثم وفي تداع سريع انهارت مقاومة مقاتلي «داعش» في غضون أيام وانسحبوا من تلعفر إلى ناحية العياضية التي تم انجاز تحريرها بعد ذلك. ولم يتبق من جيوب في كافة التراب العراقي يسيطر عليها ما يعرف بـ «تنظيم الدولة الإسلامية» سوى مناطق متناثرة في الحويجة القريبة من كركوك وبعض مقتربات محافظة صلاح الدين من ناحية مرتفعات حمرين وغرب محافظة الأنبار وبعض مدنها مثل القائم وعنة، بالتالي فالتنظيم متواجد في مناطق متقطعة الأوصال لا يمتلك مقومات ادامة زخم معارك كبرى كما كان الحال في 2014. واعتبر بعض المراقبين ان تحرير مدينة الموصل كان بمثابة اعلان نهاية التنظيم الذي أعلن الموصل عاصمة لخلافته المزعومة. في المقابل تشهد الساحة السورية ضغطا متزايدا على مناطق تواجد التنظيم الرئيسية في البادية الشرقية في محافظتي الرقة ودير الزور، حيث تشن قوات سوريا الديمقراطية الكردية هجوما على ريف الرقة الشمالي كما يشن الجيش السوري هجوما واسع النطاق من غرب وجنوب محافظة دير الزور الحدودية مع العراق. أما في لبنان فقد شهدت منطقة جرود عرسال الحدودية مع سوريا معارك طاحنة خاضها الجيش اللبناني من جهة الداخل اللبناني بالتزامن مع هجوم قوات حزب الله من الجانب السوري في منطقة القلمون، مما أدى إلى تطهير منطقة الحدود السورية اللبنانية من سيطرة قوات تنظيم «داعش» بعد سيطرة دامت سنوات.

أزمة اتفاق حزب الله
مع «داعش»

وأثار الاتفاق الذي عقده حزب الله مع تنظيم «داعش» والذي تضمن نقل أكثر من 300 مقاتل وعوائلهم من منطقة القلمون غرب سوريا على الحدود اللبنانية إلى منطقة البوكمال شرق سوريا على الحدود العراقية الكثير من اللغط والشد والجذب، وقد واجهت الحكومة اللبنانية الأمر بارتياح واضح، إذ مثل الاتفاق بالنسبة لها تخلصا من خطر الإرهاب الذي كان يسيطر على منطقة الجرود الحدودية، بينما تكفل الجيش السوري بعملية تأمين الحافلات لاخلاء مقاتلي التنظيم وعوائلهم وتأمين نقلهم من أقصى غرب سوريا إلى أقصى شرقها، وأعلنت الحكومة العراقية من جانبها انزعاجها من الأمر، وجاء ذلك على لسان رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي صرح إن نقل أعداد كبيرة من مقاتلي «داعش» إلى المناطق الحدودية مع العراق أمر غير مقبول، وأضاف في المؤتمر الصحافي الأسبوعي أن القوات العراقية تسعى للقضاء على «داعش» وليس احتوائه.
بينما جاءت تصريحات نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي متماهية مع وجهة النظر الإيرانية الداعمة لتحركات حزب الله، حيث صرح المالكي قائلا؛ إن «نقل عدد من مقاتلي داعش الإرهابي إلى دير الزور السورية جزء من استراتيجية المعركة الجارية ضد قوى الإرهاب»، لافتا إلى أن «لكل معركة ظروفها وأدواتها الساعية لتحقيق النصر».
واستنكر «الحملة الممنهجة التي يقودها الجهل والحقد والانسياق خلف الرأي العام الموجه عدائيا ضد الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله»، مؤكدا أن «القرار الذي اتخذه حزب الله صائب، وأحسن السيد نصر الله، ومخترق العقل من يشكك بصدق وجهادية حزب الله وسماحة السيد نصر الله». وأضاف المالكي في بيان صحافي نشره مكتبه أن «الحديث عن دير الزور والبو كمال شأن سوري وليس عراقيا، لذلك مثل هذا الإجراء تفرضه طبيعة المعارك، وما يراه المقاتل على الأرض غير الذي يراه المراقب من غير ذوي الخبرة بالقتال». والأخطر في تصريحات المالكي هو غمزه إقليم كردستان وما تم في معركة تلعفر والعياضية الأخيرة حيث أشار إلى؛ أن «السؤال الأهم من سمح للمئات من داعش الانسحاب من تلعفر وبطوابير بعد أن سلموا أسلحتهم إلى قوات البيشمركه حتى علم الجميع أن تلعفر لم تحرر بقتال إنما باتفاق، وهنا أيضا نحترم إرادة القائد الميداني وطريقة معالجة المواقف ميدانيا لأنه يرى ما لا يراه المراقب».
وكان موقف التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة رافضا لنقل مقاتلي «داعش» من منطقة إلى أخرى، حيث شنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة غارة جوية استهدفت طريقا تسلكه قافلة حافلات تضم مقاتلين تابعين لتنظيم «داعش» وعائلاتهم قادمة من لبنان ومتجهة إلى شرق سوريا بعد اتفاق هدنة، وقال الكولونيل ريان ديلون، المتحدث باسم التحالف: «أحدثنا فجوة في الطريق ودمرنا جسرا صغيرا لمنع القافلة من التقدم شرقا»، في إشارة إلى الغارة الجوية دون الإسهاب بمزيد من التفاصيل عن الموقع. وقال ديلون: «نعرف ونتفهم وجود مدنيين بينهم». وأضاف: «لو توافرت لدينا القدرة على ضربهم بدون إلحاق ضرر بالمدنيين، لفعلنا»، مضيفا أن التحالف يراقب حركة القافلة لحظة بلحظة.
وقال، ردا على سؤال إذا كان وجود مدنيين دفع قوات التحالف إلى قصف الطريق بدلا من القافلة نفسها، إن التحالف «يتمسك» بالقوانين المتبعة.
وبعد هذه التداعيات ما زال الجميع بانتظار معارك الحسم في بادية غرب العراق وشرق سوريا، فهل ستولد حلقة الإرهاب الجديدة بالتزامن مع ذلك أم ستشهد الساحة بعض المفاجآت؟ هذا ما سنعرفه في المقبل من أيام القتال.

«داعش» حسابات الختام ودورة الإرهاب الجديدة

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية