جفاف مصادر تمويل تنظيم «الدولة الإسلامية»

حجم الخط
0

نشر محافظ البنك المركزي في العراق قبل نحو أسبوعين إجمالي سلب الأموال الذي نفذه تنظيم الدولة ضد بنوك في العراق. وحسب ما نشر، فقد نجح تنظيم الدولة في أن يضع يده على أكثر من 850 مليون دولار منذ حزيران/ يونيو 2014، في المرحلة الأولى من السيطرة على المدن الكبرى في العراق. 121 فرع بنك، بما فيها فرع البنك المركزي، انتقلت في حينه إلى أيدي تنظيم الدولة الذي وجد فيها صناديق محملة بالأموال النقدية، مولت نشاطه في بداية حملات الاحتلال التي خاضها.
في المرحلة الثانية، بعد أن ثبّت نفسه في المدن والقرى في العراق وسورية وسيطر على معظم آبار النفط في سورية، ازدادت ميزانية تنظيم الدولة إلى أكثر من 1.5 مليار دولار. وغذا صندوقه بالضرائب، الرسوم، الغرامات، التبرعات التي لم تكف عن التدفق وبيع العقارات والآثاريات التي سلبها من المتاحف والمواقع الآثارية.
بعد تحرير الموصل على أيدي الجيش العراقي وقوات التحالف في الشهر الماضي، علق تنظيم الدولة في أزمة مالية عميقة ـ حين انقطع مصدر حيوي لدخله في العراق، مع فقدان الضرائب والرسوم التي كان يجبيها في المدينة الثانية في حجمها في العراق. كما ان تقليص مناطق سيطرته في أرجاء العراق وسورية والمس بآبار النفط التابعة له في سورية قلص دخله السنوي بأكثر من 70 من مئة. أمّا استمرار تمويل نشاطه فيخضع الآن لعلامة استفهام.
حسب تقارير وتحليلات لمؤسسات بحثية في الغرب بما فيها مركز بحوث الراديكالية في كينجز كولتج في لندن، يبدو أن النشاط البرلماني للعثور على التحويلات المالية ومنعها من الوصول إلى التنظيم عبر المنظومة البنكية الدولية لم يكن عاملا مهما في المس بدخل التنظيم. فقد بنى تنظيم الدولة لنفسه شبكة متفرعة من التحويلات المالية التي تجاوزت البنوك ومؤسسات التمويل ـ فهو يستخدم تحويلات بتكوين، توجه إلى طريقة الحوالة الشخصية أو تسلم الأموال النقدية شخصيا للتغلب على العوائق الرسمية. هكذا مثلا، كان نشطاؤه يودعون المال لدى صراف في تركيا ويسمح للصراف في مدينة أخرى بأن ينقل الأموال لمندوب التنظيم مقابل عمولة مناسبة. وما كانت الحوالة لتسجل في أي مكان، وكان متعذرا تقريبا متابعتها.
مؤخرا نشرت «وول ستريت جورنال» بأن التنظيم في الولايات المتحدة عمل عبر موقع «ايبي» كي يحصل على المال لقاء بضائع وهمية، وفي حالات أخرى تلقى أموال «بيتكوين» نقلت بطريقة مشفرة. ولكن مبالغ هذه التحويلات هبط بشكل كبير، وهو يقدر الآن بعشرات آلاف الدولارات فقط ـ وليس بالملايين مثلما كان في سنوات الاحتلال الأولى للتنظيم. وحسب مصادر عربية أجريت المقابلات الصحافية معها من دون ذكر الاسم، فان طريقة التحويل اليدوية أصبحت دارجة في التنظيم وقد شق مسارات تحويل معقدة اتخذ فيه المال طريقه أحيانا من بغداد في العراق إلى مدينة دهوك في الإقليم الكردي، ومنها إلى تركيا ومن هناك عاد إلى الإقليم الكردي، حيث حولت الأموال إلى مندوبي تنظيم الدولة في المدن التي لا يزال يسيطر فيها.
هذه ليست الطريق الالتفافية الوحيدة. فقبل سنتين تبين للمخابرات الفرنسية بان التنظيم أمر نشطاءه في أوروبا بان يمولوا العمليات بأنفسهم، مثل تلك التي نفذت في تشرين الثاني 2015 في باريس. وكان التقدير ذكر في حينه بأن تكلفة العملية لم تبلغ أكثر من 20 الف يورو. هذه مبالغ صغيرة نسبيا كان يمكن لنشطاء تنظيم الدولة أن يتلقوها حتى بالاقتراض من البنوك أو جمعها من المؤيدين والأصدقاء.
أمّا الانتقال إلى طريقة عمليات الدعس، كتلك التي وقعت في برشلونة الأسبوع الماضي فإنها توفر على التنظيم نفقات كبيرة لتمويل النشطاء، إضافة إلى التوفير في تمويل النقليات اللازمة بتنفيذ عملية إطلاق نار تتضمن شراء سلاح ومواد متفجرة.
إن تمويل عمليات كهذه بمبالغ صغيرة يثير الخوف بأن تنظيم الدولة سيبني لنفسه مافيا في أرجاء العالم تحرص على ضخ المبالغ من خلال أعمال السطو، الابتزاز بالتهديد أو السرقات الصغيرة التي تثير بشكل عام القليل من الاهتمام من جانب محافل إنفاذ القانون. إذا كان هذا هو الاتجاه الجديد الذي سيتوجه إليه تنظيم الدولة، فالصراع ضده سيكون مركبا ومضنيا أكثر بكثير. والسبب هو أن متابعة الجريمة المنظمة أو غير المنظمة ستتطلب الكثير من القوى البشرية واستراتيجية استخبارية وعملياتية جديدة، لن تتمكن من الاعتماد على الهجمات الشاملة وعلى قواعد تنظيم الدولة. والأمر سيلقي بعبء آخر على عمل جمع المعلومات من أجهزة الشرطة وهيئات الاستخبارات المحلية في أرجاء العالم،
لاسيما في دول أوروبا.
ستكون هذه على ما يبدو انعطافة في الصراع ضد الإرهاب، لأنه مقابل الحرب التي خاضها الغرب ضد القاعدة، وكانت أساساتها تصفية الزعماء وتجفيف مصادر التمويل، فغن المعركة الآن من شأنها أن تعاني من نقص في الأهداف الاقتصادية التي سيؤثر المس بها بشكل جوهري في قدرات منظمات الإرهاب لمواصلة العمل. والمشكلة الأخرى هي أنه مقابل العصر السابق، الذي كان بوسع الغرب فيه أن يفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي استضافت منظمات الإرهاب ـ كالسودان، ليبيا او أفغانستان ـ هذه الوسيلة ستكون عديمة الجدوى إذا ما نقل التنظيم نشاطه إلى دول أوروبا واتخذ نشاطات فردية.
حسب معطيات وزارة المالية الأمريكية، فإن الحرب ضد تنظيم الدولة كلفت صندوق الدولة حتى الآن أكثر من 25 مليار دولار. في هذا المبلغ الهائل تندرج المساعدة المدنية، تدريب المقاتلين المحليين وتمويل سلاحهم. يبدو أن لا صعوبة للإدارة لمواصلة تخصيص مثل هذه المبالغ في السنوات المقبلة أيضا، ولكن هذا الاستثمار الهائل بالذات يشير إلى أنه لا يوجد دليل قاطع على وجود علاقة مباشرة بين إجمالي المال المستثمر في الحرب ضد الإرهاب ـ ومدى النجاح.

هآرتس/ذي ماركر 24/8/2017

جفاف مصادر تمويل تنظيم «الدولة الإسلامية»

تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية