منع دخول المسلمين الولايات المتحدة، انسحاب من اتفاق المناخ، تململ بشأن التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان وأخيرا وليس آخرا، إدانة أعمال عنصرية ثم اتباعها بتصريحات غامضة للغاية… سلسلة خطوات متعاقبة أعطت لمحة يعتقد أنها صادقة عن شخصية دونالد ترامب المركبة.
قد يرى البعض أن الشخصية المركبة تستعصي على التأويل، فحيث يروم التوضيح تبسيط المركّب، يعود المركب ليظهر ثم لعله يختفي هنيهات ليعود إلى الظهور من جديد، وهكذا، تترصد تمثلات الشخصيات المركبة التي تتقن المراوحة بين أداء الأدوار الطبيعية وتقمص أقلها مسايرة للمنطق.
والسؤال هنا: هل شخصية ترامب المركبة أشد التركيب شخصية منطقية؟
بعبارة أخرى، هل يقوم عنصر الغرابة، وفي تقدير البعض الجنون، دليلا مقنعا لتفسير تركيبة شخصية ترامب بما تحمله من مناح تثير الاستغراب فعلا؟
لو فتح أكثر هذا الباب الذي بقي مواربا، لربما وقفنا عند سمة جوهرية من شخصية ترامب تغاضينا عن تذكرها كثيرا، وهي سمة رجل الأعمال. لقد فاتنا أن بمقدور رجل الحكم أن يحكم بمقاييس غير السياسة، وهو ما يقوم به ترامب تحديدا. فهو رجل أعمال ويحكم كما يحكم رجال الأعمال. وهنا يتعذر لفعل «حكم» نفسه أداء الغرض اللغوي المنتظر، بحيث يكون من الأجدر والأصح أن نستعمل في حقه عبارة «الرئيس يسيّر» بدل عبارة «الرئيس يحكم». والتسيير هنا يكتسب معنى يجعلنا نغوص عميقا في فروعه، إذ للتسيير دلالة تحيل إلى الإشراف والتأطير لا يستغرقها مفهوم الحكم التقليدي. فأول ما يتبادر إلى ذهن المرء حين نتحدث عن الحكم يكون مرتبطا بسن القوانين والبت في الموازنة واتخاذ المواقف الرسمية في وسائل الإعلام، ربما هنا نقطة مفصلية تساعد على التفريق بين مفهومي الحكم والتسيير، أفليس ترامب يستهدف بتصريحاته مرمى مختلفا عن المواقف الرسمية؟ لعل تويتر يمدنا هنا بمفتاح ثمين لفهم كيف طغى منطق التسيير لديه على كل منطق. فتويتر نفسها أصبحت تتقمص دورا غير متوقع لتنتقل من أداة تواصل بسيطة إلى سلطة خامسة.. تعطي القيادي فرصة غير مسبوقة، لتحويل الجزء من شخصيته الذي كان من المفروض أن يظل مخفيا إلى منبر علني، لم تعد شخصية القيادي تنتمي إلى منطقة الحياد، منذ فترة طويلة يمكن أن تؤرخ من بدء الثورة الإعلامية إلى تكريس الإعلام كسلطة رابعة. لكن ظهور تويتر اتاح لكل قيادي أن يتبوأ موقع المواطن العادي متى شاء، لتصبح موجودة بين يديه حيلة لم يسبق لها مثيل، وكأنها وسيلة ضمت إلى ركائز دفتر تحولات الحكم الأساسية! جاءت التحولات الجذرية في التواصل لتقلب المشهد رأسا على عقب، فأثرت على شخصية القيادي، بحيث لم يعد بإمكان هذا الأخير أن ينأى بنفسه عن ركوب موجة اتخاذ المواقف العاتية التي شكلتها وسائل الاتصال. انظروا مثلاً كيف اضطر إيمانويل ماكرون إلى تغيير استراتيجيته في التواصل، فقرر التراجع عن أسلوب التقليل من التصريحات الذي اعتمده في بداية ولايته لنترقب، حسبما كشفته وسائل إعلام فرنسية هذه الأيام، انطلاقة إعلامية جديدة من رئاسة الجمهورية الفرنسية في الموسم السياسي الجديد، الذي سيبدأ قريبا. لكن هذا السياق لا يمحو، طبعا، مناحي الاستغراب في شخصية دونالد ترامب، وربما لا يختلف اثنان في أن عنوانا من هذا الطراز يصلح لرسالة دكتوراه حتى! لكن سياقا مماثلا لذاك الذي وصفناه، خاصة إذا ابقى فكرة «تويتر كسلطة خامسة» ماثلة في الذهن، يمكنه أن يفسر كيف لم تعد قيادة دولة شبيهة بمثيلتها في الفترات السابقة. فلن ينجو أي قيادي من الآن فصاعدا من «الوقوف إلى صف» المواطن.
والوجه المخجل من المعادلة، الذي سيتوجب على كل قيادي من الآن فصاعدا التفكير فيه، وكيف يتعامل معه بأقل ضرر هو التالي: أن تجعل نفسك تحتل موقع من لا يملك صناعة القرار فتتحدث مثله، تعرب عن وجهة نظر معينة ثم تتراجع فتدافع عن التوجه المعاكس من المعضلة الجديدة، معضلة زماننا، ان تفعل كل هذا وكأنك لا تصنع القرار، بينما أنت من يصنع القرار.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون