أي دولة ناجحة في هذا العالم تقوم على أمرين اثنين، الأول الاقتصاد، والثاني الأمن، تماماً كما قامت من قبل فكرة الدولة الإسلامية الأولى، التي يجهل الإسلاميون الجدد كيف تشكلت، ولا يزالون يرددون جملة واحدة وهي إقامة شرع الله، ويختصرون إقامة الشرع بإقامة الحدود، بمعنى قانون العقوبات بالفهم العصري، ولكنهم لم يسألوا أنفسهم، هل قانون العقوبات هو الدولة؟
ما يجهله الإسلاميون الجدد أن الاقتصاد والأمن، هما شرط قرآني وضعه الخالق عز وجل، في قوله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ». في هذا النص القرآني العظيم نشاهد أن الله تعالى حقق لأهل مكة أمرين، قبل أن يطلب منهم أن يعبدوه، وهما الغذاء والأمن، وهذه بالضبط هي المعادلة المفقودة في الدول الإسلامية على اختلافها، تماماً كما هي معدومة تماماً لدى الحركات الإسلامية التي على نقيض ذلك، تبدأ حياتها بين الناس على حساب الأمان ولقمة الخبز، وبالمقابل تجد معادلة الاقتصاد والأمن موجودة بقوة لدى العالم المتقدم، حيث تسقط حكومات وتنهض حكومات في الدول الغربية، من خلال معادلتي الأمن والاقتصاد، وهو سر نهضة المجتمع الناجح والحي، وأما المجتمعات الميتة، أو التي في طريقها نحو الموت، فهي المجتمعات التي ترفع الشعارات القومية والعرقية وغيرها، ما يقود هذه المجتمعات إلى عزلة، ما ينتهي بها إلى الهاوية، حتى لو كانت قد بلغت درجة من التقدم العلمي، وهكذا نحن نرى مصير كوريا الشمالية، هو ذاته مصير ألمانيا النازية، وهو مصير كل القوميين والانعزاليين.
الحركة الإسلامية المعاصرة بعمومها، كانت مع الأسف مجرد حركة انعزالية، قامت على شعارات كبيرة فضفاضة، وجعلت الناس تعيش هواجس التدخلات الخارجية وفكرة الاستعمار الخارجي، من أجل حشدهم حولها، فيما كان المستعمر الحقيقي هو هذه الحركات الإسلامية ذاتها، التي أغرقت الناس بالخطب والشعارات، ولم تحافظ على معادلة الاقتصاد والأمن، ولكي تبرر عدم قدرتها على تحقيق ذلك، فهي تلجأ إلى الخطاب الفوضوي، وإيهام الناس بأن مشكلتهم خارج البلد. اليوم، الدولة الفاشلة هي التي تفشل في ادارة سوق العمل لمواطنيها، وتفشل في تأمين الحماية الداخلية لهم، لأنها لا تملك قوانين عادلة، كما أن الدولة الفاشلة، تغرق شعبها في قراءة كتب التاريخ، واستحضار أمجاد الماضي، من أجل التغطية على هزائم الحاضر، فالتاريخ بالنسبة لنا هو جزء من الماضي، لكنه ليس جزءاً من المستقبل، وهو ما يجعل الإسلاميين الجدد يعيشون في الماضي، ولا يملكون مفاتيح المستقبل. الإسلاميون الجدد هم قوميون حتى النخاع في تفكيرهم الباطني، لأنهم جعلوا من كلمة الإسلام ذاتها (قومية)، في الوقت الذي سقطت فيه القومية في الدول الغربية، وهكذا نجد أن الدول الأوروبية ومنذ نهاية الحرب العالمية بدأت باستقبال اللاجئين، لتعيد تأهيلهم ودمجهم مع مواطنيها وتعمل على تقديمهم لسوق العمل، وهو سر وجود أمريكا اليوم كأكبر قوة عظمى، وسبب نجاح كل الدول العظمى، وعلى نقيض ذلك لا تستفيد الدول الافريقية بتاتاً من اللاجئين وتراهم مجرد عبء عليها، وهو حال دول أوروبا الشرقية نفسه، وكذلك الأمر في تركيا أيضاً، فالذين يعملون على رفع الشعور القومي، ولا يريدون دمج اللاجئين في سوق العمل، هم عملياً يعملون على تدمير مستقبل بلدهم.
الدولة المتعددة الأعراق والأجناس، التي تعمل وفق معادلة الاقتصاد والأمن هي دولة المستقبل، أما الدولة الغارقة في القومية فهي غارقة ولا مستقبل لها، وكذلك الإسلامي الذي يغلق الدنيا على نفسه، لن يكون ولن يصبح حصن الأمة.
بعد جمهورية البغدادي التي ستنتشر في الصحراء على قوافل الجمال، لا نحتاج جمهوريات إسلامية إضافية، ولا نحتاج مزيداً من الكوارث، فكل ما تحتاجه شعوبنا هو دولة الإنسانية، هذه الكلمة المفقودة في قواميسنا جميعاً.
كاتب فلسطيني
أيمن خالد