هل حقا انتصر بشار الأسد؟ وعلى مَن؟

حجم الخط
2

السفير الأمريكي السابق في سورية روبرت فورد أعلن هذا الأسبوع أن الرئيس السوري بشار الأسد انتصر في الحرب التي تعربد منذ أكثر من ست سنوات في بلاده. كان فورد هناك في السنة التي اندلعت فيها الحرب في 2011. ويعتبر فورد أحد الخبراء الكبار في الشؤون السورية. وقال ذلك في صحيفة «The National» باللغة الانكليزية الصادرة في اتحاد الإمارات. وقال الدبلوماسي السابق: إن «الحرب آخذة في الضعف. الأسد انتصر وهو سيبقى. ويحتمل ألا يكون مطالبا أبدا بأخذ المسؤولية. إيران ستبقى في سورية. هذا هو الواقع الذي ينبغي أن نقبله، وليس هناك الكثير مما يمكن عمله في هذا الشأن».
يمكن الجدال مع الخبير الأمريكي في التحليل، لكن ليس في الحقائق. الحقيقة هي أنه نشبت ضد النظام السوري حرب إقليمية بقيادة تحالف من الدول. بعضها هي الأغنى في العالم (السعودية، قطر، اتحاد الإمارات) والأخرى عظيمة وقوية (تركيا مثلا). الأسد نجا بفضل أصدقائه، وعلى رأسهم روسيا، لكن أيضا بفضل الاستغلال السليم للأوراق، رباطة الجأش، القلب الغليظ وقدرة الصمود في وجه الضغوط الشديدة. هذا هو الرجل الذي وصفناه ذات مرة في إسرائيل بأنه «عجينة غير مخبوزة».
لقد درج القول عن سورية إن ثلثي أراضيها احتلها أعداء النظام، ولكنهم ينسون أن الثلث المتبقي هو الأهم. هناك يتركز معظم سكان سورية، وفيها المناطق الحيوية للأسد: دمشق، حمص، حلب، قاطع الشاطئ وجبل العلويين. الأسد لم يسجل انتصارا فاخرا ولا حتى برأي فورد. فقد قتل 600 ألف من مواطني بلاده، وهجّر أكثر من 6 ملايين، وشلت مدن كاملة. ولكن في حارتنا المتوحشة، البقاء هو النصر، وبشار انتصر لأن رأسه لا يزال على كتفيه، وليس على العمود الأعلى في دمشق.

لغة نصرالله

أيام طيبة جاءت: تنظيم الدولة الإسلامية داعش سجل هذا الأسبوع هزيمتين نكراوين في اليوم ذاته، والتقارير دُحرت إلى هوامش الأخبار.
مَن يتذكر أنه حتى وقت قصير مضى كان كل تصريح لزعماء داعش يحظى بعنوان صحافي فاخر، وكل بلدة احتلوها ـ بنبأ عاجل على رأس الأخبار.
في العراق نجح التحالف العراقي، بمساعدة طائرات قتالية أمريكية في احتلال بلدة تل عفر وتحريرها من قبضة التنظيم المتطرف. تل عفر هي معقل مهم في مثلث الحدود بين العراق، سورية والإقليم الكردي. وهي محطة في الطريق إلى شرق سورية، حيث لا يزال يعتمل معقل داعش في مدينة دير الزور. في لبنان أعلنت حركة حزب الله تطهير منطقة القلمون، سلسلة جبلية على الحدود مع سورية، من تنظيم داعش ومن تنظيمه الأم، القاعدة. في هاتين الحالتين كان النصر للمعسكر الشيعي، وإن لم يكن جيش العراق (شيعيا) بالمعنى الإيراني للكلمة، أي أنه لا يعمل مباشرة في خدمة مصالح طهران.
المنتصرون هم اثنان من الزعماء الأكثر إثارة للاهتمام في المنطقة. الأول هو الشهير حسن نصرالله، والثاني المعروف لنا بقدر أقل، رئيس وزراء العراق، حيدر العبادي. مهم بأنه يقف على رأس دولة مركزية تكافح في سبيل وجودها وتتخذ خطى أولية، تاريخية، في دروب الديمقراطية. العراق بقيادته هو رأس حربة الكفاح الأمريكي للتغيير في الشرق الأوسط. يبدي العبادي استقلالية شديدة حيال مساعي النفوذ الإيراني في بغداد، ويرفض أن يأتمر بإمرة إيران. وعلى هذا ينال الاتهامات والتشهيرات بأنه عميل أمريكي. وبخلاف الرأي السائد عندنا، فإن حكومة العبادي بعيدة عن أن تكون منفذة كلمة طهران.
في خطاب ألقاه يوم الاثنين أثنى نصرالله على النصر على «المخربين الكفار» (هكذا يصف داعش وأمثاله)، وأعرب عن ثقته بأن رئيس الوزراء نتنياهو ورجاله يبكون هذه الأيام في ضوء النتائج. ولهذا فقد سبق أقواله بهذه الكلمات: «يثبت داعش كل يوم بأنه نتاج الإدارة الأمريكية وأنه قدم خدمات عديدة للمحتل الإسرائيلي».
لقد درج الزعماء أحيانا على إبداء فكرة مثلها مثل صيغة تحت تأثير مادة مشوشة.
ومع ذلك، فإن خير المحللين الاستراتيجيين وخبراء العلوم السياسية سيتفقون مع نصرالله. المشكلة ليست في زعمه، بل في الشكل الذي صاغ فيها الأمور. فقرار براك أوباما إخراج جنوده من العراق في أواخر 2011 خلق فراغا، لاسيما في المناطق السنية التي سيطر عليها الأمريكيون. وملأ هذا الفراغ تنظيم طموح، منظم وذو روح قتالية جارفة. هكذا انطلق داعش واجتاح العراق.
ليست هذه هي المرة الاولى التي ينمي فيها الأمريكيون، من دون أن يقصدوا ذلك، نبتة عشوائية في العراق. ففي 2003 أطاحوا صدام حسين وفور ذلك حلوا الجيش والوزارات الحكومية، على أمل أن يبنوا بدلا منهما مؤسسة عسكرية وسياسية جديدة.
ضباط وجنود صدام، معظمهم سنة، وجدوا أنفسهم بلا زعيم، بلا مصدر رزق، ولكن مع علَم عسكري وأمني وإحساس قوي بالرغبة في الثأر. إذا قال أحد ما إن أمريكا ولدت القاعدة في العراق، فإن أقواله لن تكون بعيدة عن الواقع. فالتنظيم المتطرف قام في الفراغ الذي خلفه صدام.
وماذا بالنسبة لاتهام نصرالله بأن اسرائيل تمنح خدمات لداعش؟ هذه الكلمات هي الأخرى يمكن أن نقرأها بطرق مختلفة. لا يوجد أي مصدر إسرائيلي على اتصال وثيق مع الفصائل الجهادية هذه، ولكن في مقابلة مع صحيفة «هآرتس» اعترف قائد سلاح الجو المعتزل، امير ايشل، بأن إسرائيل نفذت في السنوات الأخيرة نحو مئة غارة هجومية في الأراضي السورية.
وفي هذه الغارات دمرت صواريخ بعث بها الإيرانيون إلى حزب الله عبر مطار دمشق. وبالمس بمخزون سلاح حزب الله لم يجدِ إسرائيل فقط بل خدم أيضا أعداء حزب الله وإن لم يكن هذا هدفها. هكذا، حسب نصرالله، منحت إسرائيل دعما عسكريا لداعش. لا آتي هنا لأدافع عن زعيم حزب الله أو لأمثل موقفه. هدفي هو أن أرى أن لغة الزعماء يمكن أن تقرأ بجملة من السبل. بعضهم، مثل نصرالله، يهذرون بلا انقطاع بشكل من شأنه أن يثير العجب. ولكن في أحيان قريبة يكون منطق في الطوفان.
حتى قبل 14 سنة، عشية إسقاط صادم حسين لم نعرف شيئا عما يجري في داخل بلاده. فقد كان العراق وكأنه محاط بسور حديدي. ومنذئذ فتح على مصراعيه. صحيح أنه لا توجد بعد علاقات رسمية معه، ولكن الكثير من الاسرائيليين يقيمون علاقات مع العراقيين، بشكل خاص، عن بعد، وشؤونه مكشوفة ومفتوحة أمام ناظر العالم.
سيأتي يوم تكون فيه السعودية، اتحاد الإمارات، البحرين ودول أخرى مفتوحة للإسرائيليين أيضا. إن لم يكن لأغراض الزيارة فعلى الأقل للاتصالات الجارية. يوم الجمعة الماضي دعي اللواء احتياط عاموس جلعاد إلى استديو أخبار الأسبوع يوم الجمعة في القناة الأولى. صحيح أنه سُئل عن إيران، لكنه قال الكلمات التالية أيضا: «لدينا أيضا أخبار طيبة، العلاقات الرائعة مع العالم العربي. لم تكن كهذه أبدا. ولا أقصد العلاقات الرسمية، بل تلك التي تحت السطح. وكمن يعمل في هذا لسنوات عديدة، فإنه أمر غير مسبوق».
ترفض إسرائيل الكشف عن أية دول تقيم معها اتصالات سرية، ولكن موازين القوى في الشرق الأوسط تسمح بالتقدير عمن يدور الحديث.
ففضلا عن الدول الثلاث التي ذكرت آنفا، معقول أن الحديث يدور أيضا عن الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق.
وإلى هذه يجب أن يضاف حسب فهمي ثلاث دول في شمال أفريقيا: المغرب، تونس، السودان. ذات يوم، حين تفتح الملفات، قد نعرف أكثر بكثير عن مضمون هذه الاتصالات. ويمكن أن نقدر بأنها تتضمن أيضا صفقات أمنية.
حين يتحدث مسؤول إسرائيلي عن علاقات رائعة وغير مسبوقة، يمكن فقط أن نتخيل كيف تبدو هذه الاتصالات عمليا. مبعوثون من دولة إسرائيل يدخلون ويخرجون من هذه العواصم، وممثليها يحلون ضيوفا في إسرائيل سرا، وخط اتصال مباشر فاعل من هناك وإلى هنا وبالعكس. لعل شمعون بيرس لم يخطىء. يوجد شرق أوسط جديد.

جاكي خوجي
معاريف 4/9/2017

هل حقا انتصر بشار الأسد؟ وعلى مَن؟

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية