دُرج بشكل عام كتابة الاستنتاج في نهاية المقال، وشد القارئ حتى نهايته لكننا سنبدأ اليوم من النهاية: جثمانا هدار غولدن وأورون شاؤول لن يعودا قريبا إلى إسرائيل أغلب الظن، وكذا أيضا ابرا منغيستو وهشام شعبان السيد، اللذين بين الأحياء بقدر ما هو معروف، لن يتحررا قريبا من غزة. وسيتعين على أهالي المصابين أن ينتظروا زمنا طويلا آخر، ولعلهم حتى يكفوا عن الانتظار أبدا.
نحن، الإسرائيليين، مذنبون في ذلك. منذ قيام الدولة خلقنا أسطورة تقول إن الأشلاء تساوي جثمانا، وبالتأكيد ليس لنا نية لأن نبقي جثمان جندي إسرائيلي لدى قوات العدو. نحن طورنا الأسطورة التي تقول إن جنرالًا في الجيش الإسرائيلي بسط في الليل سلاسل على خطوط المصريين كي ينقذ من دبابة جثمان صهره، ونحن فرحنا باستبدال نصف دزينة جنود من الجيش الإسرائيلي أحياء بـ 1.150 مخربا حي في صفقة جبريل، ونحن جعلنا عائلة شاليط أيقونة وطنية وساهمنا بصفقة مع 1.027 مخربا أحياء عاد العشرات منهم إلى أعمال الإرهاب. نحن، نحن، نحن.
وبين هذا وذاك كانت أيضا صفقات صغيرة. تحرير المخطوفين من الطائرة في الجزائر، تحرير مخطوفي لبنان، تحرير الحارس شموئيل روزنفاسر من المطلة، وغيرها، مثلا، تحرير الطيار الإسرائيلي يونتان أتكس وثلاثة أسرى آخرين مقابل 5.800 أسير مصري في معركة سيناء. إننا نحن الذين قررنا الثمن أيضا. أردنا أن نثبت للعالم كله بأن جنديا إسرائيليا واحدا يساوي المئات وحتى الآلاف من أسرى العدو. وهكذا أيضا حددنا ثمنا لتبادل الأسرى والمخطوفين. أرينا العالم ماذا نحن نساوي. والآن متأخر جدا التراجع. العرب أيضا اعتادوا على الأعداد الكبيرة، وحتى اليهود في إسرائيل وفي الخارج فهموا بأن ثمن هذه الصفقات سيكون جسيما على الاحتمال دوما.
السؤال هو ما هو الأهم ـ الصورة الإسرائيلية أم الحقيقة في ميدان المعركة؟ الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل صوّتا منذ زمن بعيد في مصلحة الصورة الإسرائيلية، وعليه فلا معنى لبدء الجدال من جديد. في أثناء المفاوضات لتبادل الأسرى سمعنا غير مرة المصريين، السوريين، الأردنيين والفلسطينيين يقولون: مئة أسير أقل، مئة أسير أكثر، ماذا يهمكم؟ فعلى أي حال أنتم تريدون إعادة الجميع.
والآن تحاول إسرائيل إعادة العجلة إلى الوراء. توصيات لجنة شمغار، وتصريحات النواب والوزراء وقادة الجيش جاءت لتشق الطريق إلى ذلك. صفقة شاليط هي الأخرى ساهمت بدورها. ضغط الرأي العام في إسرائيل، الذي حول جلدته من خلال حملة منظمة وإعلامية ناجحة، وضع الحكومة ورئيسها على ركبهم. شاليط أعيد، المخربون عادوا إلى جحورهم، ويخيل أن كل شيء حل في مكانه بسلام، لولا عائلتا غولدن وشاؤول اللتين قررتا اقتحام الوعي العام.
غير أنه في مقابل الدعوات للامتناع عن صفقات من هذا النوع في المستقبل، ينبغي أيضا إطلاق صوت آخر يقول: نحن طورنا هذه الأسطورة ـ وحسن أن هكذا. أنا أعتقد أنه كان صحيحا تبادل الأسرى في حينه ولا ثمنا لدم جندي إسرائيلي. مهما يكن، الثمن المطلوب جدير دفعه لسبب بسيط: الجنود الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي حسب القانون ولا يسألون إذا كانوا يريدون أم لا يريدون المشاركة في المعركة التي يسقطون فيها ضحايا أو أسرى. الواجب الأدنى على الدولة أن تعيد جثامينهم إلى العائلات المتألمة. وحتى الثمن العالي من المخربين لا ينبغي أن يردع أصحاب القرار كي يثبتوا ما لا يحتاج إلى إثبات: الجيش الإسرائيلي يفعل كل شيء، وسيفعل كل شيء حتى بثمن فظيع كي يعيد الأولاد إلى الديار بسلام. الجندي الذي يخرج إلى العمل ويعرف عن ذلك مسبقا سيكون دوما جنديا أفضل ـ ونحن نحتاج جنودا أفضل.
يديعوت5/9/2017
ايتان هابر