السياسة فنّ المُمكن، فنّ إكذب إكذب حتّى يُصدّقوك، فنّ الخبث، فنّ الحكم بالخداع، فنّ القتل من أجل الحكم، فنّ كيفيّة تدوير المُؤخرات على الكراسيّ من دون السقوط، فنّ القهر والقمع وحقرة الرعيّة، فنّ زرع الخير والصّلاح وسقيه بماء الفساد، فنّ الحرام بالحلال، والحلال بالحرام، فنّ الرقص على الجُثث، فنّ الزكاة بأموال الرّبا، فنّ القتل بالموت وبدون موت، فنٌّ بدون إبداع.. وكلّ هذه الجمل تدخل في تعبير أنّها رجس من عمل الشيطان فلا يجب أن يقترب منها الإنسان! ممنوعة في بلادنا بالفطرة والغريزة، في البيت، في الحافلة، في المدرسة، في الجامعة، في المسجد، في الإدارة، في المستشفى، في المطار، في البازار، ومسموحة على الذين لديهم سلطة القرار وقمع الرئتين والأسرار ! والمُضحك أنّها مسموحة بقوّة القانون وشرعيّة الدستور ويُعاقب حاملها مع حامل الحشيش الأفيون ! وعندنا لمّا بلغت الأنظمة ردحاً من الزمن فتحت المجال واسعا للنّاس بالاستمتاع بما لذّ وطاب من أنواع الخمور وغيّرت أمّ الخبائث من الخمر إلى السياسة! وفقدت الشعوب عندنا أدنى الاهتمامات بالعمل السياسيّ، وتحوّلت إلى أمور أخرى وصار الهروب إلى الأمام بهموم الكرة مثلا واللهو وحتّى المخدّرات أفضل من الارتماء في جحيم السياسة أو الاقتراب من حلبة السياسيين، ورغم أنّ السياسة موجودة في كلّ مكان ومرتبطة بكلّ شيء في الحياة ولا يُمكن القضاء على ضرورة إنسانيّة حتميّة أوجدها الله لتسيير النّاس لبعضهم البعض! ولُغويّاً مأخوذة من الفعل ‘ سَاسَ ‘ أي مثلا الوالي الذي يَسوسُ رعيّته فيرعاها في الخير والصلاح ولكن عندنا حوّلناها إلى ‘ السّوس ‘ فهي مُسوّسة من السّوس والاقتراب منها معناه الاقتراب من الأمراض والأسقام حتّى البرء منها بعيد المنال! للأسف الشّديد المسؤول الأوّل والثّاني والثالث عن هذا الفعل المخلّ بجوهر حياة الإنسان هي كلّ الأنظمة الفاسدة وقليلة الحياء عبر التاريخ التي حكمت بالقمع والظلم والاستعمار ومسخ الأخلاق والخصال وإذلال الكائنات الحيّة ومحاولة محوها من الوجود، وهذا في حدّ ذاته مُجابهة لله سبحانه وهو الذي خلق كلّ شيء وأحيا كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم.. تلك الأنظمة تقف بالمرصاد لكلّ طموحات الإنسان وأحلامه، وتستعمل السلاسل والقيود من أجل تركيعه لسلطتها وجبروتها وتوقيف عجلة التاريخ ودوران الشمس حول الأرض! وخرق النجوم بالنابالم واحتلال القمر بطائرات الفانتوم.. الغاية عندها تُبرّر الوسيلة وغايتها الانتخابيّة هي البقاء على جسد الإنسان وعظامه ورفاته من بعد موته! لا يردعها الزمن ولا دوران الأحداث ولا تقلُّبُ وجهها على صفحات كتب التاريخ وهيهات أن تُخيفها الأمم المتحدّة! الاقتراب منها نارٌ وحريق والابتعاد عنها كلُّ شيء فيه بديع! عندما تصل إلى السلطة وتتربّع على الأرائك تضع أولى إستراتيجيتها كيفيّة القضاء على الدورة الطبيعية للمجتمع وإحياء الدورة الدمويّة! وللأسف فإنّ الحيض دائما يخرج من فتحة الشعب البسيط والمنهك والمتعب ولكنّه لن يفقد أبداً البكارة أمام الطغاة والجبابرة والفراعين المتناسلين كديناصورات خُرافيّة حول أبنائه الصّغار! فإن طبّقوا السياسة بالأرض المحروقة فإنّ الإنسان عندنا سيحملُ دلوا به ماء صاف حتّى يُطفئ النيران المُشتعلة ويزرعُ في الأرض المُسودّة بالفحم بطاطا وطماطم لمُستقبله ومستقبل الوطن ! إسلام كعبش [email protected]