أُنحّي صراخي، من جانبٍ آخرَ، 20 جنيهاً الطيرانُ العراقيّ، صَدّاً وردّاً، وجيبي مثقوبٌ، كيفَ أعبرُ، 1297 كلم، وبراعمُ المالِ لا تُنبِت. أستدينُ. ناحيةَ مخبزِ ‘صمّونٍ’، يومان وأمشي: ‘حرٌّ على حرٍّ’، ومثلي يتعبُ! في مطعمٍ، لا أُطِيقُ الطعامَ. وسَطوٌ من البدوِ، قُربَ مصنعِ ‘الحديدِ والصُلبِ’، كنتُ أريدُ أن أعملَ. وَرشةٌ. بائعُ خُردةٍ. كثيرٌ، ولا أذكُر. وقَرّ بي الحالُ في معرضِ موبيليا، عملٌ مرموق.
كانَ وزني ضِعفَهُ الآنَ، ابنُ 19، ناشِفٌ ومُعضَّل، بهالةِ شَعرٍ كثيفٍ، كباروكةِ فرعونيّ قديمٍ، حولَ وجهي، مفتوناً بجيفارا وقتَها، أولَ الجامعةِ، وتلكَ قِصّةٌ أخرى. في صورةٍ، تحتَ جداريّةِ فائق حسن، أتحدّى، يداي على السورِ، شِبهُ معلَّقٍ وحذائي كاوتش، من خلفِ ظهري رصيفٌ وشبّان يلعبون الكُرة، وخَضَارٌ. ولم أكن قد قرأتُ قصيدةَ ‘سَعدي’، نشرها 74: ‘إلهُ الجنودِ، إلى شُرفاتِ المدينةِ!’، ولم يكن قد تولّى العُتلُّ.
يرحمُ اللهُ أبي ‘عضوكَ/ كأصابعِ يدِكَ، ثم ينزلُ’. يرحمُ اللهُ السيّابَ، فوقَ فراشِ المرض ‘عراقُ، عراقُ، ليسَ سوى عراق’. وأرتشفُ الشاي اللذيذَ، في ‘استكانةٍ’، بمقهىً شعبيّ بائسٍ، وأغوصُ في أمّ كلثومٍ: ‘دليلي احتارَ’، بحُرقةِ العاجزِ عن فريسة. نهاراً، أشتهي ‘الشِرْبِت’، وحوليَ ‘بُعدكَ وخوفي عليكَ’. ومرةً، من فرطِ شوقِ العباءةِ، خلفي، زَغرودةٌ، خَشخَشَت، فبكَيتُ، بعدَما ‘حيّرت قلبي معاك’.
أعطف إلى شارعِ السَعدون، ثم إلى ساحةِ الكَرْخ، جنبَ البريدِ، أُراسلُ أمّي، لا تقرأُ. لا ننامُ في الليلِ، زعيقٌ ورطوبة، هَمٌّ وانتظارُ عمل، لكَ سريرٌ فوقَ السَطحِ، تحملُ مرتبتكَ وتصعدُ. كأنكَ تحتَ أمريكا العلويّةِ، واقعيةٌ سِحريّةٌ غائبة. طعامٌ سَخِيٌّ، وغيرُ شَهِيٍّ. فلم نعتَد اللّحمَ صُبحاً. ضَربةٌ، كالموثَقِ، تفتح فمي، غِطريسٌ فوقَ الزبالةِ، يعوي: أنا! وتعومُ النجومُ، في بطنهِ قِربةٌ، أَصعَقهُ، ثم أبول.
نشَرتُ قصيدةً، وانزويتُ. ‘عفيفي مطر’، قُربَ مبنى الإذاعةِ، شارعُ عبدِ الناصرِ، ظَهرٌ مَحنيٌّ، ويركَبهُ جَمَل، مديرُ ‘إذاعةِ مصرَ الحرّةِ’، منفياً من الساداتِ، يومياً يبثّ رسالةً، ويعاديهِ حتى العراقيون، كمَن يمضغُ الدمَ في حلقهِ، أُنصفهُ، كأني صَرّافٌ وحكّ زاويتَي فمِه: لم تغدُر القلعةَ، لم تُحرِق الكتابَ أمامَ طفلٍ، أو عَبثْتَ بقُفلٍ صَدِئ، ولم تغتَصِب حوصلة؛ يا أبي. في رسالةٍ، ضمنَ أوراقي، من سنينَ، يقولُ:
(الحبيبِ محمد
تحياتي وأشواقي للجميع، وأصواتِهم. وبعدُ
فلستُ أدري كيفَ أشُقّ المسافةَ، أو أستعيدُ دورةَ الأيامِ والليالي، وأمحو ما تراكمَ من عددِ السنين، وأستلحق بقلبي وحواسّي كلّ ما نبتَ أو نما أو ظهرَ للوجودِ من بعدِ عدم. تلكَ هواجسُ دمعٍ محتَبسٍ وجلجلةُ تعبيرٍ مكتومٍ. أوحَشَتني فوضاكَ وحيرتكَ، وأوحَشَني طعمُ المِلحِ في المطعمِ الذي سَهِرنا فيهِ ورائحةُ البشَر.
تعرفُ أنني كمَن يسيرُ على حبْلٍ ممدودٍ بين سماءَين، أودّ لو جَمّعتَ لي مجموعةً كبيرةً من قصائدِ الشبابِ غيرِ المنشورةِ لأقدّمَها في ملفٍّ يرصدُ آخرَ ظهوراتِ العبارةِ في وطننا المقدَّسِ.
ما زالَ الصدقُ كَنزَ الموهبةِ وأصعبَ المكابداتِ وأشقّ ما نأخذ بهِ النفسَ ونطالبُ بهِ الآخرين.
لا تصدّقْ ما يُقالُ أو يُكتَبُ عني، فلعلّي أملِكُ من صَرامةِ الخُلُق ما يعصِمُني عن الدنيّةِ، أستطيعُ أن أغفرَ كلّ شيءٍ إلا سقطةَ ‘نجيب سرور’، وأستطيعُ أن أتقبّلَ كلّ شيءٍ إلا تزويرَ التاريخِ بلا حياءٍ…
أتابعُ كلّ شيءٍ وأنتظر،
محبتي العميقةَ وتحياتي لكُم جميعاً.
محمد عفيفي مطر)
في النهايةِ، تحويشةٌ، في الجَوربِ، خبّأتُ 100 دولار، وعندَ الطائرة، لم أنتبه، ضاعَت حقيبة، وضاعَت هديّةُ أمي، وقصائد هناك. ماتَت ضِحكةٌ، وأخذتُ متاعي البسيطَ كأني المهرّجُ، يحتاجُ أن يفهمَ. وبعدَ صياحٍ ضئيل، كأرملةٍ أنامُ، في الطائرة: فَارَ نحلٌ، وَحَدّ النشيجِ، بُخارٌ نطّ من جسدي، ومالَ، كالإبريقِ، على خدوشِ الأمل، فأفتح سمائي كأنّ التَوَت قَدمٌ، وضُرِبتُ، فهزّتني الشمسُ باللّذات.
شاعر من مصر