يحمل الفصل الأول من رواية محمد بنميلود العنوان الذي وضعه لينين لكتابه الذي سيصبح الأكثر شهرة بين كتبه الكثيرة: «ما العمل؟». كان ذلك السؤال شاغل مراد، الشخصية الرئيسية في الرواية، قبل دخوله السجن. هو الآن، في السطور الأولى من فصل الرواية الأول،، يبدأ بسرد حياته في ذلك «الحي الخطير» الذي هو أقرب إلى جيب مكاني مهمل منفصل عن المدينة، بل ومنقطع عن كل ما يصله بأي جوار. هناك تتصارع العصابات على القليل المتاح من السرقة والتهريب، وما يمكن السيطرة عليه من موجودات الحي. وإلى جانب العصابات هناك العقيد، ممثل الدولة ورجُلها، الذي يعمل مع تابعه المقدّم، وجاسوسه القايد على أن يكونوا، هم الثلاثة، القوة المناط بها قيادة فوضى الحي وسرقة المقيمين فيه. مراد، القابع في حبسه الانفرادي، يروي كيف أنه سعى في يفاعته إلى الخروج من فساد الحي عبر قراءة كل ما احتوته صندوقة الكتب التي كانت لخاله الذي حوكم وأعدم. لكن ما لبث مراد هذا أن اكتشف، بوعي سياسي كان ممكنا توافره لمن خاضوا تجارب سياسة، أن الشيوعيين، أو شيوعيي خاله، «كان ينقصهم ذلك الحسم الذي تمتلكه العصابات». وهم، في انتظار أن يقوموا بالفعل الأول، جعلوا «يحتمون ببعضهم بعضا معوّلين على الكثرة (…) وقد كان المحرّك الأساسي لذلك.. الجبن الخالص».
ثم أن مراد، ومعه صديقاه عبد الرحمن ورشيد، سعى إلى أن أن يخرج من وضاعة حيّه بسعيه إلى تحرير نفسه، تاركا للشعب أن ينهض بالنضال من أجل الشعب. وهذا الميل، كما في الرواية، معزّز بحوادث مبارزات وبطولات جرت في الحي بين العصابات واستقرت في الذاكرة، وألهمت المخيلة البطولية في ما بعد. هذا ما لم تكن لتتيح إذكاءه سيرةُ الخال الذي لم يخض معركة ولا رفع سكينا في وجه أحد. ها هو مراد إذن يتخلّى عما كان قرأه من كتب الشيوعيين، ليس فقط في ما يتعلّق بوجهة حياته، بل بكل التفاصيل التي تصنع شخصيته اللاحقة. أي أن ما ميّزه في يفاعته لم يظلّ حاضرا في ما تلا من حياته. هكذا كأنّ الروائي أخذ بطله من خيار إلى خيار آخر، غير منتبه إلى أن ذلك الانتقال يمكن أن يؤدّي، أو ينبغي أن يؤدّي، إلى تأرجح في شخصيته يحول دون أن يكون متخلّصا مما سبق له أن كانه.
والرواية، على كل حال، تميل إلى أن تقطع سياقها وتنتقل، من دون مقدمات، إلى سياقات أخرى تبدو فرعية في البداية. حدث ذلك حين كانت تعد باستكمال ما كان بين بين الأصدقاء الثلاثة، مراد ورشيد وعبد الرحمن وخطيبة أحدهم، هناك على سطح المبنى، لتنتقل من هناك إلى الفصل الأكبر في الرواية حيث، على مدار 60 صفحة من الرواية التي لا يزيد عدد صفحاتها عن المئة والتسعين، ناسية أن عليها العودة إلى حيث تركت أبطالها متهيّئين للقيام بشيء ما. هنا، في هذا الفصل، نقرأ ما يشبه البروفيلات والسير للشخصيات الأكثر بروزا في ذلك الحي، كما للأمكنة التي لا تقل غرابة عن تلك الشخصيات. في أحيان يظن قارئ الرواية أن وقوف الرواية عند «العربي» الذي يعمل في إيقاد نار الفـــرن، والذي لا يلتقي أحدا من الناس، رغم المسافة القليلة بين مقدّمة الفرن وقفاه (حيث تُطعَم النار، ويقبـــع العربي)، كما الذي نعرف لاحقا أنه سفاح الحيّ ومغتصب قتلاه بعد تقطيعهم.
كنا نظن أن هذه الشخصية، بسبب الإفاضة في وصف غرابتها، تكاد تنفر عن سياق الرواية، حيث لا تجمعها علاقة بأحد من بشرها الكثيرين. لكن لا يلبث الكاتب أن يعيد وصل ما بدا منفلتا، مُدخِلا العربي هذا في شبكة القرابات المتعددة بين أهل الحيّ، وإن على نسق القرابة الغريب، هو أيضا.
فهناك في «الحي الخطير»، وعلى الرغم من نفوذ العائلات، لا أحد يثق بنسبه ولا يوقن من أي الأمكنة أتى. كلهم أبناء جيل ما بعد تجمُّع الناس في الحي، وافدين من أمكنة شتى ليعيشوا خارج سياق العالم وقوانينه. «كان عدد لا بأس به من الصبية لا يعرفون حتى أمهاتهم الحقيقيات، وليس فقط آباءهم الحقيقيين، فقد كانت تربيهن القحبات بعد موت الأمهات صديقاتهنّ أثناء ولادتهم أو بعدها». مراد واحد من هؤلاء، وكذلك صديقه عبد الرحمن. في أحد لقاءاتهما الأخيرة يتعاركان بعد أن بدا مراد غير مسلّم بأن أمه هي كذلك، شأن أم رفيقه. لكن، في مراجعة لمراد بينه وبين نفسه يعود فيقول، هو الذي سبق له من قبل أن ترك قناعة وحلّ في أخرى، أن لا يهم كثيرا إن كانت أمه قحبة وإن كان أبوه ليس أباه.
هي رواية المكان الغريب الذي يعيش فيه البشر الأكثر غرابة. لكن كل شيء موصوف بدقّة وتفصيلية تجعله ناضحا بحيوية مكان حي، موجود فعلا. ما يضفي أهمية على هذه الرواية هو قدرة كاتبها على بناء مكان حقيقي، طالما أننا نظن أن المخيّلة وحدها لن تسعف كاتبا على أن يعدد ما تحتويه تلك البيوت الشبيهة بالأكواخ، التي يقيم فيها البشر جنبا إلى جنب مع حيواناتهم ولوازم حياتهم الأخرى. إنه وصف حي وحقيقي للحيّ الخطير، وتستكمل حقيقيته مرارةُ مراد في مراجعته لما انقضى من حياته وحياة أهله، وكذلك لإبقائه ذلك الحيّ محصورا ضمن نطاقه الخاص، غير ساع إلى أن يقول لنا أنه نموذج لما في أمكنة عربية كثيرة.
٭ رواية محمد بنميلود «الحيّ الخطير» صدرت عن دار الساقي في 190 صفحة، 2017.
٭ روائي لبناني
حسن داوود