أيام كنّا صغارا في المدرسة كان أحد المعلمين يردد على مسامعنا حادثة طريفة على سبيل التفكّه، قال لنا إن المغرب حين اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية في القرن الثامن عشر،أرسل السلطان العلوي إلى الأمريكيين أسدا أطلسيا مهيبا هدية وتهنئة لهم على نيلهم الاستقلال…لكن الدولة التي أصبحت فيما بعد أغنى بلدان العالم ما لبثت أن أعادته إلى المغرب معتذرة بعجز ميزانيتها عن تغطية تكلفة مؤنته والعناية به.
يعود تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية إلى الأيام الأولى لاستقلال الولايات المتحدة عام 1776 ميلادية، عندما كانت التجارة الأوروبية تعاني وهنا شديدا، وكانت حاجة الدولة الوليدة إلى أسواق جديدة ماسا وحيويا. وإنه لمن المثير جدا أن هذه العلاقات بين البلدين عرفت هذه البداية المبكرة، رغم اختلاف الثقافة وتباعد الجغرافيا، ورغم أن وسيلة الاتصال الوحيدة بينهما كانت محيطا لا يُخاض ولا يُعْبَر في تلك الحقبة إلا ببالغ العناء.
فمن جهة نجد المملكة المغربية، وكانت في تلك الحقبة تعرف في الساحة الدولية بلقب«الإمبراطورية المغربية الشريفة» وعليه تُصَكُّ عُملتها، بلدا عريقا في التاريخ تمشَّى في دروبه المجد والفتح قرونا محمولا على الأعناق، وتكونت نواة الدولة ومفهوم الأمة في نسيجه منذ القرن السابع الميلادي، لكنه في القرن الثامن عشر كان قد بدأ يعاني من تحرش الأمم المسيحية على العدوة الأخرى من المتوسط، خاصة مع تطور صناعة السلاح وظهور البارود والبنادق في أوروبا. ومن جهة أخرى كانت الولايات المتحدة وقد داعبتها أوائل نسمات الاستقلال وغمرتها روعة الحرية وسحرها السماوي، لا زالت خاضعة لسيطرة الإمبراطورية البريطانية وتناضل نضالها في سبيل بناء كامل لهويتها المستقلة بمعزل عن تأثير الثقافة الأنجلوساكسونية. فما الذي دفع بالدبلوماسية المغربية للسلطان العلوي محمد الثالث إلى الاهتمام بتطويرالعلاقات وتحفيز الصداقة بين المغرب وأمريكا في وقت مبكّر من نشأتها وعهد لم يكن لكلمة أمريكا فيه من معنى القوة والبأس إلا بقدر ما بقي للهنود الحمر من معنى الأرض؟ ألأن البلدين كانا يتقاسمان التحديات السياسية نفسها ويعانيان الوضع ذاته من تهديد الدول الأوروبية لاستقلالهما وأمنهما القومي؟ أم أن السلطان محمد الثالث بدهائه السياسي وفطنته الحادة كان يرى في الولايات المتحدة دولة واعدة، وراهن عليها لتكون في مستقبل الأيام حليفا استرتيجيا يستقوي بوده وصداقته ومحاماته لدفع غوائل الدول الأوروبية وصد أطماعها؟.
وكيفما دار الأمر فإن الأيام أثبتت أن بصيرة السلطان العلوي كانت مصيبة في هذه الدولة الفتية في أعمار الدول، والتي كان لها أن تغير كثيرا من مجريات التاريخ، وتلعب أدوارا جوهرية في رسم ملامح العالم الذي نعيش فيه اليوم. وبالنسبة للكاتبة «لويلاّ هول» في كتابها )الولايات المتحدة والمغرب 1776-1956) فقد أشارت إلى أن مرد ذلك هو أن المغرب كان يرى في الولايات المتحدة الأمة الوحيدة التي تهتم بشؤونها الخاصة فقط بعيدا عن المنطق الكولونيالي، وتهتدي في سياستها الخارجية على ضوء قيم العدل والليبرالية.
تبدأ القصة بُعَيْدَ مطالبة «بِنْ فرانكلِنْ» في باريس الأوروبيين بالاعتراف بالولايات المتحدة الأمريكة دولة مستقلة ذات سيادة، فقام السلطان محمد الثالث وبقرار سيادي متجاوزا به كبريات الدول الأوروبية فأعلن اعترافه بالولايات المتحدة، وأصدر مرسومه الشهير في العشرين من فبراير/شباط سنة 1778 للميلاد، مشعرا فيه جميع القناصل والتجار المسيحيين في طنجة وسلا والصويرة «موغادور» آنذاك، أنه صار مرخصا لجميع السفن التي ترفع العلم الأمريكي أن تدخل الموانئ المغربية، ولها الحق في الاستراحة والتزود بالغذاء والعتاد، والتمتع بكل الامتيازات المخولة لرعايا الدول الأخرى التي تربطها بحكومة السلطان علاقة صداقة وسلم.
لقد كانت خطوة تاريخية تَخْلب وتستهوي كل وطني، صدع بها القوى الكبرى في كبريائها، وكأنه ألقى في جوفهم بكرة من اللهب ما فتئت تغلي وتَتَضَرَّم، في وقت كان المسلمون والمسيحيون يعيشون على وقع أزمات سياسية ودينية. وكان عزمه وإصراره على تطوير وتقوية علاقاته مع دولة كانت تعدها أوروبا المسيحية دولة ثورية حديثة النشأة هو بمثابة التحدي الذي لا يستسيغه عادة كبرياء المتغلب من المغلوب أو شبه المغلوب. ولعلنا إذا شبهنا الشعور والمزاج العام للمغاربة في ذلك العهد فلن يختلف كثيرا عن شعورهم ودهشتهم لو أنهم اليوم ناموا واستيقظوا على خبر زيارة وزير الخارجية المغربي «ناصر بوريطة» إلى كوريا الشمالية وعقده اتفاقيات تجارية لدعم التعاون بين البلدين.
لكن الغريب في الأمر هو البرود والجفاء الذي قابلت به الولايات المتحدة قرار السلطان محمد الثالث، بيد أن هذا الأخير كان مصرا على كسب قوة صاعدة كالولايات المتحدة إلى صفه خصوصا وأنه يدرك أن الضفة الأخرى من المتوسط تموج بجيوش وأحلاف لا تلوي له على خير ولا مأمن من غدرها، وعلى الحدود الشرقية تترصده جحافل الإمبراطورية العثمانية، فأرسل سنة 1779مبعوثا فرنسيا، هو تاجر بحري اسمه « ستافان دوديبير»، عهد إليه أن يبلغ الأمريكيين استغراب السلطان من كونه لم يتوصل منهم بأي شكر أو احتفاء تقتضيه الأخلاق الإنسانية والأعراف الدبلوماسية على موقف المغرب من استقلال البلاد، وكونه القوة الأولى على الجهة الأخرى من الأطلسي التي اعترفت بدولتهم، كما عهد إليه بدعوة الأمريكيين إلى العمل معا من أجل تمتين روابط الصداقة وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين الدولتين. أخيرا وفِي 1780 قام الكونغرس الأمريكي بإشعار السلطان عن نيتهم تعيين مبعوث للتفاوض حول الاتفاقيات والتعاون التجاري، تبين فيما بعد أنها مجرد وعـود لملأ الفـراغ.
نفد صبر السلطان محمد الثالث وأدرك أن القوم إن لم يأتوا باللين والملاطفة أتوا بالقوة والملاحقة، وأن الاحترام إنما يُنْتزع انتزاعا ولا يُمنحُ تفَضُّلا، وأن عليهم أن يدركوا جيدا أن مسارعته إلى الاعتراف باستقلالهم لم يكن جميلا بلا مقابل أو حركة استعراضية عشواء، ولكنها خطوة مدروسة تندرج في إطار المصالح المتبادلة التي هي مدار السياسة الدولية، فما كان منه إلا أن صادر في الأول من أكتوبر/تشرين الأول عام 1783 السفينة الأمريكية «بيتسي» واتخذها رهينة في طنجة، ما أجبر الكونغرس الأمريكي في السنة الموالية إلى إرسال وفد يرأسه «جفرسون» إلى المغرب للتفاوض حول إبرام الاتفاقيات التجارية والوقوف على سريانها الفعلي، والتعبير للسلطان عن العرفان والتقدير لموقفه من القضية الأمريكية، والاعتذار عما بدر من جهتهم من تقصير أدى إلى سوء فهم وسوء تقدير، وأن مرد ذلك إلى الفترة الانتقالية التي كانت تمر بها الولايات المتحدة.
كاتب مغربي
طه لمخير