ما الذي تبقى من الجيش السوري؟

حجم الخط
0

من الصعب التفكير بموعد رمزي ومشحون أكثر لهذا الهجوم على المنشأة السرية، الذي تعزوه التقارير من هناك لإسرائيل ـ في ذروة المناورة العسكرية الكبيرة في الشمال، بعد لحظة من قيام الأسد بما لا يصدق وإعادة احتلاله أجزاء مما كان سورية، وبعد عشر سنوات ويوم من الهجوم الذي دمر مفاعله النووي في دير الزور.
في حينه، قبل عشر سنوات، كانت سورية دولة مع جيش يعتبر التهديد الأكبر لإسرائيل. وكان قائد سلاح الجو عميكام نوركين في حينه رئيس شعبة العمليات في السلاح. وكان رئيس قيادة سلاح الجو تومر بار قائد سرب راعم ـ اف 15 آي. قبل ساعات من الهجوم المنسوب كان عرس سكرتيرة رئيس الاركان في حينه غابي اشكنازي.
كان التخوف في حينه من رد سوري جسيم وحقيقي. ولكن الأسد تجلد وتلقى الضربة التي وضعت حدًا، حتى الآن على الأقل، لتطلعاته النووية. أما اليوم فلم يتبقَ الكثير من جيشه، ولكن بدلا من ذلك يوجد لنا جيران جدد في ما كانت ذات مرة سورية: روس، إيرانيون ولبنانيون.
ما يجعل الهجوم المنسوب لإسرائيل مهما هو حقيقة أنه حسب التقارير السورية لم يكن هذا هجوما على إرسالية سلاح بل تدميرا لمنشأة تعود لنظام الأسد. إذا كانت إسرائيل بالفعل تقف خلف هذا الهجوم فإنها رسمت بالقوة خطا أحمر جديدا، بموجبه لن تسمح بإنتاج الصواريخ الدقيقة المخصصة لحزب الله على الأراضي السورية.
واضح أن الوجود الروسي في سورية يقلص حرية العمل الإسرائيلية هناك. ولكن يوجد له جانب إيجابي أيضا: موسكو هي جهة لاجمة ومثبتة للاستقرار، غير معنية بمبادرات تؤدي إلى مواجهة مع إسرائيل. ونفوذ الكرملين على الأسد مطلق ـ فهو لن يفعل شيئا من دون إقرار من النظام الروسي. حزب الله وإيران لن يطلبا الإذن المسبق من موسكو على أعمال يخططان لها ولكنهما سيحذران من مغبة المس بمصلحة فلاديمير بوتين.
في إطار إعداد مسلسل «يبث الأسبوع المقبل في القناة 10» قضيت شهرا في موسكو في محاولة لفهم المصلحة الروسية في منطقتنا. في نظرهم، إيران هي شريك مهم ومصدر للاستقرار في المنطقة. هم يفهمون القلق الإسرائيلي ولكنهم لا يتماثلون معه. وبرغم ذلك، لديهم احترام شديد لإسرائيل وصفر مصلحة في الاحتكاك معها. بالتأكيد ليس الآن، إذ سجلوا إنجازا مهما جدا في سورية.
عندما نشبت الحرب في سورية، كان هناك من شرح لنا بأن أيام الأسد معدودة. بعد ذلك قالوا لنا إن سورية هي عجة لا يمكن أن يعاد تركيب البيض منها. وها هي، البيضة السورية آخذة في الاستقرار أمام ناظرينا. فاستنادا إلى حراب بضعة آلاف جنود روس وبضع عشرات الطائرات، نجح الأسد في أن يستعيد السيطرة في أجزاء واسعة مما كان ذات مرة سورية.
لا يزال هناك جدال في من هو الذي أوجد القول الدقيق في أنه «يمكن عمل كل شيء بالحراب باستثناء الجلوس عليها». فقد جلس الأسد على الحراب الروسية، الإيرانية واللبنانية، وفي هذه الأثناء يبدو أن هذا مريح له. بوتين وقاسم سليماني فعلا ما لا يصدق وضمنا حكم الأسد في ظل طردهما الهدوء في معظم مناطق القتال. سورية لن تعود لما كانت عليه والأسد سيواصل الاحتكاك بالثوار حتى آخر أيامه ولكن إنجاز روسيا ـ إيران ـ حزب الله مثير للانطباع ومقلق.

الآخرة الآن

فيلق لبنان في الجيش الإسرائيلي تدرب هذا الأسبوع على حرب لبنان الثالثة ـ تسللات برية من حزب الله، نار صاروخية ثقيلة على الجبهة الإسرائيلية الداخلية ومناورة متعددة الفرق في داخل لبنان.
19 سنة منذ أُجريت مناورة الفيلق الأخيرة ينشأ مرة أخرى السؤال عن ضرورة القيادة الفرقية العليا. في جيش يكون فيه رئيس الأركان هو قائد الجيش البري وتحته توجد قيادات لوائية، هل ثمة حاجة لوجود قيادة بين القيادة اللوائية والفرق المناورة؟ برغم أن احتمال الحرب مع حزب الله يبدو متدنيا، يأخذ الجيش الإسرائيلي على محمل الجد التهديد الشمالي وخير إن هكذا. هذه مهمته. وهو يفهم بأن هذه الحرب ستدار تحت نار صاروخية كثيفة ودقيقة، تشوش سياقات تجنيد الاحتياط وتزعج الجبهة الداخلية. ولكن فكرة الجيش الإسرائيلي كجيش هجومي، مهمته أن ينقل بسرعة الحرب إلى أرض العدو، لا تأخذ بالحسبان أيضا بأن حزب الله هو الآخر تبنى المبدأ البن غوريوني وهو يعتزم أن ينقل الحرب إلى أراضينا. كان هذا بارزا جدا في «الجرف الصامد». فالجيش الإسرائيلي يجد صعوبة في أن يستوعب بأن الحروب الجديدة تدار أيضا في أراضينا.
فعلى مدى أسابيع من القتال كانت تنتشر القيادات والقوات بجوار حدود القطاع. وفقط بعد أن وقع لدينا 12 قتيلا في أراضينا نتيجة للتسلل عبر الأنفاق و 11 آخرون بنار راجمات الهاون على القوات في الجبهة الداخلية، فهموا في الجيش الإسرائيلي بأن من المجدي لهم أن يبعدوا عن هناك القيادات والقوات القريبة من الحدود.
ضاعفوا هذا بمئة، وهذا ما ينتظرنا في حرب لبنان الثالثة. حزب الله يعرف اليوم كيف يحتل بلدة إسرائيلية في دقائق ويحتفظ فيها على مدى أيام. وهو قادر على أن يدخل خلايا مضادة للضلوع وقناصة عميقا في داخل الأراضي الإسرائيلية. وهو يمكن أن ينزل من البحر. وكل هذا سيفعله تحت نار شديدة يمطرها على خطوط التماس والجبهة الداخلية.
مشكوك أن تكون وحدات الجيش الإسرائيلي قادرة عقليا على مهمة يطلب اليهم فيها تحرير بلدة إسرائيلية احتلها حزب الله ولا يزال فيها وجود لمواطنين إسرائيليين. معظم قادة الجيش الإسرائيلي غير جاهزين عقليا لإمكان أن يقع في صفوفهم عشرات القتلى في كمين مضاد للدبابات فور خروجهم من مقر القيادة في الجليل.
ومع أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية محصنة إلا أنها ستواجه آلاف الصواريخ التي يستطيع حزب الله إمطارها عليها. وسيكون من الصعب أكثر مواجهة البث الحي والمباشر والطويل عن بلدة احتلت وجنود كثيرين يقتلون في داخل الأراضي الإسرائيلية. ويمكن للشرخ العقلي أن يكون شديدا. وهكذا فإني أوصي قادة الجيش الإسرائيلي كلهم أن يقرؤوا كتاب «بطل» لاريك تشارنياك الذي يصف كيف ستبدو هذه الحرب. ومع أن الكتاب يميل إلى الرؤية الأخرى إلا أنه منخرط في الواقع. تتحدث الخطط العملياتية للجيش الإسرائيلي عن دفاع قوي لمواجهة حزب الله، في ظل إخلاء البلدات. ومن الدفاع ستنطلق الفرق للمناورة الهجومية في لبنان. ولكن الإحساس هو أن بعض قادة الجيش لا يؤمنون حقا بهذه المناورة. فهم ملزمون بفكرة الهجوم. ولكن عندما يستمع المرء إلى نبرتهم فإنهم يبدون كمن سيسرهم انتهاء المواجهة التالية مع حزب الله من دون الدخول إلى لبنان. وهم يعرفون بأن القيادة السياسية، الحالية على الأقل، ستفضل الامتناع عن الثمن الباهظ الذي ستجبيه مناورة برية طويلة.
في الجيش الإسرائيلي فهموا منذ الآن أن لا احتمال في أن تكون المواجهة التالية في الشمال محدودة بجبهة لبنان فقط. ومع ذلك فإن المناورة التدريبية هي لفيلق لبنان. ينبغي أن نودع فكرة أن سورية ولبنان هما جبهتان منفصلتان. في كل مواجهة مستقبلية ستتصرفان جبهة واحدة.
وإلى ذلك، فإن استقرار الأسد هو تطور مقلق. ليس واضحا بعد كم كان الكرملين منصتا لاستجداءات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإبعاد إيران عنا. ولكن الأسد، روسيا، حزب الله والإيرانيين سيواصلون مرافقتنا جيرانا في الأرض السورية في المستقبل المنظور. هناك احتمال طفيف في أن تتحقق السيناريوهات المفصلة هنا، ولكننا ملزمون بأن نعترف بقدراتهم. وإذا كان الجيش الإسرائيلي يبحث بالفعل عن حسم حيال حزب الله ـ فإن هذا لن يتحقق فقط في هجوم كاسح، بل أيضا في دفاع ناجع.

معاريف ـ 8/9/2017

ما الذي تبقى من الجيش السوري؟
خسر الأسد الكثير من قواته العسكرية وحل مكانها روس وايرانيون ولبنانيون
الون بن دافيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية