سياسة حسب التساهيل وانتظار الفرج والستر من الله

حجم الخط
1

بعيداً عن أن يمثل ذلك استسلاماً لميلٍ متأصلٍ للتفلسف والتحذلق، أو معاذ الله التقعر، فإنني أعترف بأنني مذ وعيت الدنيا وأنا أجد التساؤلات تطرح نفسها عليّ، ولا أبالغ إذ أزعم أن ذلك قدر البشرية التي نزلت من الجنة فضولاً ورغبةً حارقةً للمعرفة، كما هو معروفٌ من الأثر، حقيقةً كان أم أسطورة وفق قناعات كلٍ منا.
غير أن التساؤلات والشكوك باتت أكثر إلحاحاً وإيلاماً، مؤرقةً تفسد ما تبقى من أي صفو مواكبةً مسيرة ومصائر الثورات العربية، خاصةً بعد أن غُدرت، وإزاء ما نراه من شراسة وتوحش الثورة المضادة، فإن أسئلةً بعينها لم تعد تبرحني، وأحسب تلك الأسئلة بعينها ما تنفك تحاصر دوائر متسعة من الناس في مصر تحديداً بوتيرةٍ أكثر إلحاحاً على إيقاع التردي المطرد المدهش في سرعته في الوضع الاقتصادي، متمثلاً في انهيار قيمة الجنيه والتضخم وغلاء الأسعار الجنوني، الذي بات ينهش ما تبقى من لحم الناس بعد عقود الإفقار.
هي دائماً الأسئلة نفسها بصيغٍ مختلفة: بغض النظر عن اختلافي مع السيسي وحكومته ومعارضتي لهما ولما يمثلونهما، هل لديهما أي تصورٍ عن كيفية الخروج من المأزق العالقة فيه مصر؟ هل يتوفر لديهما أي فهمٍ حقيقي لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه بمشاكله وتحدياته؟ هل يفهمان طبيعة السلطة وعلاقاتها وكيفية صنع واتخاذ القرارات في الدول الأخرى؟ ما الذي يدور في رأسيهما بالضبط.
على قدم هذه الأسئلة المزمنة، فإن نبرتها تعلو هذه الأيام جراء القرار الأمريكي بحجب ما يقارب المئتين وتسعين مليون دولار من المعونة المقررة لمصر، ما أثار شعوراً بالدهشة والعتب في أروقة السلطة، كما يتبين من أبواقها الإعلامية التي تكاد تشكو الهجر والخصام. والمشكلة في حقيقة الأمر تنبع من الإجابة على تلك التساؤلات المطروحة أعلاه والتي تأتي إجمالاً بالنفي القاطع المحبط الكئيب.
ففي شبه الدولة، كما وصفها السيسي، وهي في حقيقة الأمر حطام ومخلفات دولة قمعية بامتياز، في هذا الكيان السائر بالقصور الذاتي والبركة والميل الطبيعي لاستمرار الناس في ما هو مألوف، فإن المؤسسة العسكرية تصدرت لمهمة التصدي للثورة الشعبية عن طريق احتوائها، ومن ثم ترميم الدولة والانقضاض على الثورة، واجتثاث كل قواها المحفزة والتنكيل بها ملتزمةً بأطر الانحيازات الاجتماعية والاقتصادية نفسها. كمحتكرٍ لأدوات العنف وباعتبارها القوة الأكثر تنظيماً نجحت المؤسسة الأمنية – العسكرية في ذلك، بيد أن ذلك لم ولن يغير من دورها الأساسي، ولا من السمات العامة التي يشترك فيها قادتها وأفرادها، إذ بعيداً عما يميزها من تراتبٍ هرمي صارم لا يعرف النقاش وينتهج الأوامر من أعلى لأدنى، فإن رؤيةً عامة للعالم وثقافةً سائدة مشتركة تصبغ كل تحركاتهم وقراراتهم. ولما كنت احتككت بضباطٍ عديدين وعبر مشاهدتي ومراقبتي، فليس لديّ أدنى شك في كون تلك العقلية ليست سوى نتاج مزيجٍ سام (ناهيك عن كونه مزعجا) من الانطباعات والأفكار (المبنية على الانطباعات بدورها) المتوارثة والمواعظ، كلمة من هنا وكلمة من هناك، تتجاور جميعها وقد تتداخل كملصقاتٍ مرقعةٍ متنافرة في كثير من الأحيان، ثقافة سمعية وسطحية في أفضل الأحوال، فهم يخافون الكتب ويعادون الثقافة المنظمة الممنهجة المؤَسَسة والمؤسِسة.
هم قد يرون ويدركون أن العالم يتغير، وأن قوىً صاعدة كالصين والهند وروسيا العائدة لها دور، لكنهم لا يلتفتون إلى تجارب تلك الدول الاقتصادية ولا يلجأون إليها إلا «لمكايدة» أمريكا، علها تعيد الود الذي كان في محاكاةٍ للعبة الحرب الباردة، لكن يبقى أنهم مسكونون بالغرب وأمريكا بالتحديد.
لا يعني ذلك أن الحكومة ليس فيها خبراء وأكاديميون يفهمون في تخصصاتهم، إلا أن طبيعة السلطة تجعلهم منفذين متلقين للأوامر والتوجيهات في الأغلب الأعم، لا مستشارين كما ينبغي أن يكونوا، وحرصاً من كثيرين منهم على البقاء لأطول وقتٍ في السلطة، مع القلة الناجية على تلك الجزيرة الصغيرة من الرخاء والنفوذ، وسط محيط الإملاق والضنك، فإنهم ينظرون في عين الرئيس ويُسمعونه ما يستشرفون ويحدسون بأنه يريد أن يسمعه، لكي ينسجم ويطرب من ذكائه وألمعيته اللذين شهد بهما فلاسفة العالم (الذين لم يسم أحداً منهم بالمناسبة). وقد تكونت رغباته و»ما يُفضل» من تلك الحزمة المهترئة الرثة من الانطباعات البائسة.
«أمريكا بتقول لك امضِ يبقى تمضي» كانت تلك نصيحة من مبارك لأحد القياديين الفلسطينيين بالموافقة على أي أمرٍ أمريكي، كما أخبرني بذلك صديقٌ مشترك، والحال أن تلك هي العقلية الحاكمة. وعليه، فقد قفز النظام إلى هوة تحرير سعر الصرف، من دون دراسة ولا اعتبار لتبعات ذلك الاجتماعية الكارثية، ومضى يقترض من كل طرفٍ متاح مقابل المزيد من التنازلات والتعهدات التي ستكبل وتكسح أجيالاً قادمة، كثيرٌ منها لم يولد بعد، وكل ذلك على الرغم من، بل وبالعند في كل الأصوات المحذرة والمعارضة. كما أنه انطلاقاً من الرغبة في التظاهر والشعور بأن لديه مشروعاً قومياً كالسد العالي، بنى تفريعةً لقناة السويس لم نستدل على جدوى لها حتى الآن، والأمثلة على التخبط والتهور الأهوج أكثر من أن يحصيها مقال.
والآن، مع حجب ذلك الجزء من المعونة يكتشف السيسي ومن حوله أنه في لعبة السياسة توجد مصالح حيوية أكثر ثباتاً من السياسات المتغيرة التي تخدمها، وأن ما يتصورها علاقةً مميزة مع ترامب، المحاصر والمفضوح، لن تتغلب على طبيعة تقاسم السلطة في أمريكا، وأن مصالح الدول لا تحكمها العلاقات الشخصية فقط، وأن شخصاً بعينه في دول الغرب لا يملك الكلمة الأولى والأخيرة، وربما هي فرصة مناسبة ليكتشف أيضاً أن الأمريكيين ليسوا متيمين به، ولا يرون فيه ما رآه «فلاسفة العالم!»،
ربما آن أن يعلم أن قبول ترامب به لا يعدو كونه تعبيراً عن قناعة لدى قطاعٍ واسعٍ من اليمين، يرى صدوراً من نظرته الاستعلائية لشعوبنا أن الرجال الأقوياء، الطغاة الجزارين، وحدهم من يصلحون لحكم رعاعٍ مثلنا، وعليه فهو الأفضل كونه الأقوى على الأرض، خاصةً حين تتفق المصلحة في مكافحة الإرهاب ومشروع إعادة ترتيب المنطقة، الذي تفضل مشكوراً من الأمريكيين والإسرائيليين بالتنازل عن جزيرتين مصريتين لإنجاحه. بيد أن كل ذلك لا يعني أن المصالح لن تتغير ولا أن الأمريكيين لن يفقدوا ثقتهم فيه إزاء تخبط سياساته أو حين يرونه يسقط، ليبقى ذلك الدرس الأخير والأهم: مصدر قوة واستقرار أي رئيسٍ أو نظام هو شعبه. بالتأكيد أن السيسي ونظامه لديهم هدفٌ واضح، البقاء، بقاؤهم الشخصي وبقاء الدولة، بانحيازاتها نفسها، إلا أنهم لا تصور لديهم لكيفية تحقيق ذلك.
ثمة تعبير انكليزي شائع (make it as you go ) وهو ما نستطيع ترجمته بالتقريب بأن يصرف المرء أموره ويدبر حاله كيفما تيسر مع كل خطوة في طريقه. هكذا الحال مع النظام، فمسؤولوه يعيشون كل يومٍ بيومه، مقدمين المشيئة ومتعلقين بأستار بركة الله وستره منتظرين الفرج من عنده. لعلهم يؤمنون «بيد السوق الخفية» فهم قدموا السبت ونفذوا بغباءٍ مطلق كل التعليمات فهم ينتظرون أن تنصلح الأحوال.
بهذه الطريقة سينتظرون طويلاً.
لكن يظل السؤال ملحاً حارقاً مغيظاً: حكم الضباط طيلة تلك العقود، لن أتكلم عن الديمقراطية وفتح المجال العام ناهيك عن المشاركة، لكن أما آن لهم أن يتعلموا ويفهموا؟
كاتب مصري

سياسة حسب التساهيل وانتظار الفرج والستر من الله

د.يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية