سبق للروائية والصحافية العراقية إنعام كجه جي أن أصدرت ثلاث روايات: «سواقي القلوب»، «الحفيدة الأميركية» و«طشاري» ووصل العملان إلى القوائم الطويلة والقصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية. لها، أيضاً، عمل حول النحات والتشكيلي العراقي الرائد جواد سليم، بعنوان «لورنا: سنواتها مع جواد سليم»؛ وأنطولوجيا عن الأدب النسوي العراقي، بالفرنسية.
ثلاث شخصيات، امرأتان ورجل، لكل منها صوتها وقصتها الخاصة، تلتقي في رواية يجتمع فيها الحبّ مع الموسيقى، والشعر مع الجاسوسية. هنا فقرات من الرواية الجديدة:
«يرث قسم من البشر عن آبائهم الثروات. ينال آخرون أمراضاً وراثية. وكان من نصيب ابن الشيخ أنه ورث نفوذاً على العباد. سطوة لم يعرف كيف يتصرّف فيها فراح يُبدّدها في فنون الشرّ. منحته الحاشية مركز «أستاذ» بدون أن يطلبه. مُنافقون يتكاثرون ذباباً في كلّ زمان ومكان. يبصق واحدهم لُبان المراوغة في فم زميله. يعلكه الثاني. يمتصه. يمطّه وينفخه فقاعة كبيرة في وجه الأول. تنبت شجرة الخديعة في متنزه الزوراء. أكبر حدائق المدينة. يعكف خبراء النباتات النادرة على ترقيد جذورها وتكثيرها. تمتد الأغصان والفروع وتغطي حدائق المنازل في بغداد. تبلغ حقول القمح في الشمال وغابات النخيل في الجنوب. تلوّث قصب الأهوار. تظهر في البلد قبيلة جديدة. بنو نفاق.
في فراشه لم يكن يشعر بحرارة ولا ببرد. أجهزة التبريد والتدفئة في قصوره مبرمجة لتتبع تقلبات الجو وتتابع الفصول. وفي الأسرّة العديدة التي تؤثث غرف نومه، هناك مُنظّم إلكترونيّ يعمل بحسب الشرشف الذي يتغطى به. ترتفع حرارة الغطاء عن درجة معينة فتنخفض درجة التدفئة تلقائيًا. وإذا فسا الأستاذ تهرش الأجهزة المتطورة رؤوسها لكي تتابع حرارة فسائه وتتصرّف لتخفيفها وتطييب رائحتها. أرسل مهندسين في دورات إلى ألمانيا واليابان لكي يأتوا له بأحدث الاختراعات. استبقى عائلاتهم رهائن حتى عودتهم. من يهرب منهم أو يطلب اللجوء تُباد أُسرته.
نفخ الدكتور يوسف صدره يوم تلقى أول مكالمة من هشام. كان قد التحق حديثاً بهيئة التدريس في كلية الهندسة. يسمع عن زملاء له متكلسّين في الوظيفة، يخافون من ظلالهم، وآخرين يتحدثون بالصوت العالي، مزهوّين لأنهم من زمرة الأستاذ الطالب في السنة الثالثة. لم يكن يدري ما الذي ينتظره. لم يتوقّع أنه سيأكل الخراء بعد فترة قريبة. ثم عرف أن هناك من يبتلعه مُرغماً، وهناك من يُقبل عليه بشهيّة. الصنف الثاني هم أولئك الذين يطلبون العلى ولو على خازوق.
ذكّرته وديان إنهما مدعوّان للعشاء في بيت عمّها فطلب إليها أن تعتذر. موعده مع الأستاذ أهم مائة مرّة من أكل الدولمة مع عمّ خطيبته. ورغم حرارة تمّوز، ارتدى بدلة وربطة عنق. أكدّ له المرافق هشام أنه سيطلبه مجدداً ليبلغه بمكان اللقاء. جلس مستعداً عينه على الساعة. انتظر من الرابعة بعد الظهر حتى أوشك الليل أن ينتصف. تكرمشت سترته وابتلّ قميصه بالعرق. كاد يستسلم للنعاس حين رنّ الهاتف في الحادية عشرة وخمسين دقيقة. صوت هشام يطلب منه أن يتوجّه إلى القصر الصغير ويترك سيارته عند البوابة. ستأتي سيارة أخرى لنقله إلى الداخل. رشّ الكولونيا على وجهه وغادر البيت على عجل. لم تتمكن شقيقته من اللحاق به لتسأله إلى أين يذهب في آخر الليل.
تلك كانت السهرة الأولى من حلقة جهنمية ستطبق على عنقه بالتدريج.
دار الجديد، بيروت، 2017