هذه هي الرواية الثالثة والعشرون للشاعر والروائي السوري سليم بركات، فضلاً عن سيرتين (الطفولة والصبا)، و20 مجموعة شعرية، ومقالات متفرقة جُمعت في كتابين. وجاء على الغلاف الأخير للرواية: «قصر المؤرخون مهمتهم على تدوين السطور الكبرى لسيرة زنوبيا، ملكة تدمر، بإيجاز وفَقْر موصوليْن بمبالغات في وصف شخصها شجاعةً، وجمالاً، وطموحاً. الجانب الذكوري، المعلن من شخصها، أُحيل إلى هامشِ محاكاتها للرجال سلوكاً، ولباساً. لكن هذه الرواية تذهب بعيداً في استعادة ذلك الهامش إلى المتن. خيال الروائي مؤرِّخاً، هنا، يصوِّب التفاصيل الناقصة، ويرمم السرد المبتور في سيرة زنوبيا امرأةً حكمت بمزاجٍ ضد الإمبراطورية الرومانية، وهُزمت».
هنا فقرات من الرواية، مجتزأة من سياقها، خصَّ بها المؤلف صحيفة «القدس العربي»:
1
رتَّب كهنة الإله الأعظم سُحُبَ خيالهم الزُّرقَ في السماء الأولى للأرواح. نظفوا أدراجها الصقيلة من خطوات البشر العاديين، مهلِّلين بوجوه مرفوعة إلى القباب فوق هيكل مَجْمَعِ الآلهة كلها: «الملك أوديناثوس قادم. إبنه هيرودوس الأول قادم. لتكُنِ الأقمشة ملونة على الأرائك، وليكن الخُدَّام بِيْضاً بياضَ أسنان أُمِّنا المضيئة يرحيبول، زوجة رب الأرباب. أرضٌ واسعة تليق بالملك. عربات بخيول مجنَّحة تليق بالملك وابنه. قصورٌ كُثُرٌ في أنحاء الأرض الثانيةـ أرضِ الشموس والأقمار متجاورةً، تليق بالملك. آنيةٌ ذهب تليق بالملك. «أعطِهِ التاجَ الآخرَ، تاجَ أبوَّتك الأبدية أيها الإله الأعظم. معك لن يجوع الملك؛ لن يَقْلق الملك؛ لن تنغِّصه الوساوس؛ لن يخاف، لأنه لم يَخَفْ أحداً وهو في مملكته»، قال الكهنة. ملأوا أقداحهم، من دنٍّ واسع، بالرمل مطهَّراً غسْلاً في خلِّ الدرَّاق الأخضر، ثم سكبوها، على مهل، قدحاً قدحاً، في جُرْنٍ أخضر، مزينِ الحواف برسوم النمل. جرنِ الأبدية: «أيها الجليل أوديناثوس الملك، إننا نسقي الأرواح مسرعةً إلى خدمتك. نسقي جياد عرباتك ذوات الأعراف اللهب والأذيال الزوابع. نسقي مَنْ تأخذ معك من البهائم الفريدة، الفاتنة، الساحرة، إلى حدائقك المحيطة بالممالك العشر. نسقي تماثيلك التي أنجز نَحْتَها تواًّ عمالُ الآلهة على بوابات الممالك العشر».
جموعٌ هائلة احتشدت في ساحة معبد بعل الأعظم، تلقي نظرةَ الوجود الفاني على جثماني الملك وابنه سُجِّيا، معاً، على سرير عال من جذوع شجر التين، وغُطِّيا بالكثير من أوراق الرياحين، وبنثار من صمغ شجر التنُّوب تنكيهاً للنار.
سُدَّ وَقْبا الملك، ووَقْبا عيني ابنه، كلٌّ بدينارين ذهبٍ يحدِّقان من نقوش معدنهما إلى حشد المهنِّئين، على أدراج السماء وحول درابزوناتها، بدخولهما مَجْمعَ الآلهة موزِّعةً حظوتَها، بميزانٍ عادل، على المحظوظين. ديناران فوق كل عينين هما تسديد الحياة للموت أجورَ عمَّاله المسخَّرين لنقل الأرواح على ظهور البهائم، أو في المراكب، أو سَكْباً في المواسير القصب، إلى مهاجعها النهائية حالمة بحياةٍ ثانية، أو ثالثة. أو تُقاد إلى تسخيرٍ آخر من أعمال العمران كهياكل العبادات، وشق الطرق، وبناء الحلبات للمصارعين، ونصب السدود، وفتح الأقنية للمياه في مُدن ما بعد الموت.
2
خرجت زنوبيا من ردهة الولائم. سارت بالفتاة في الأروقة إلى مخدعها. خلعت خوذة أبوللو عن رأسها. وضعتها فوق إحدى الوسائد العشر على سريرها. دفعت بيديها تايتانا من كتفيها دفْعاً لطيفاً فأجلستها على حافة السرير. حلَّت رباطَيْ قميصها الطويل من فوق عاتقيها. انْسَلَتَ الثوبُ الأبيض منزلقاً حتى بطن الفتاة لحماً مشرقاً بياضاً من لهفة الجلد، في البادية، إلى حجابٍ من الشمس لا يتحصَّلُه إلاَّ محظوظ أو محظوظة.
خلعت زنوبيا عباءتها. فكَّت العروة عن صدر قميصها فانهار القميصُ عن نصفها الأعلى عارياً. جلست سيدة القصر على حافة السرير، لصق تايتانا. طرحتْها دفعاً بصدرها فتمددت الفتاة.
«مدِّدي ذراعيك مستقيمتين على جنبيك»، قالت زنوبيا للفتاة المستسلمة طائعةً، فمدَّدت الفتاة ذراعيها كأنها مصلوبة.
استلقت زنوبيا على جنبها إلى جوار تايتانا، باتكاء على مرفقها الأيسر. لمست شفتيِّ الفتاة بسبابتها مداعبةً:
ـ أين طُعِن يسوع؟
«تحت الثدي الأيسر، يا مولاتي»، ردت تايتانا الكسولة الصوت.
«هنا؟»، سألتها زنوبيا، واضعةً راحة يدها أسفل ثدي تايتانا الأيسر.
«نعم، مولاتي»، ردت الفتاة الممتلئة، ذات الشعر الأسود مقصوصاً قصيراً حتى كتفيها.
«أين طُعِنتِ المجدلية؟»، سألتها زنوبيا من فمٍ لَفَحَ صدغ الفتاة بنفَسٍ دافئ، فردت:
ـ لا أعرف، يا مولاتي.
«أنا أعرف»، تمتمت زنوبيا بصوتٍ ذائب. انحسرت بجسدها إلى أسفل حتى بلغت سُرَّة تايتانا. وضعت فمها على السُّرة:
ـ هنا طُعِنتْ.
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمّان وبيروت 2017