مستقبل كركوك في استفتاء كردستان العراق

حجم الخط
1

أعلنت مجموعة أحزاب سياسية عراقية ذات أصول كردية اتفاقها على الدعوة لإعلان استفتاء على انفصال إقليم كردستان عن العراق، وتم تحديد يوم 25 أيلول/سبتمبر الجاري لإجرائه. ومنذ ذلك التاريخ والمواقف الدولية تتوالى بإعلان رفضها لاستقلال الإقليم، وفي مقدمتها الحكومة العراقية المركزية برئاسة حيدر العبادي، إذ أعلن رئيس الوزراء العراقي أن استمرار قرار الإقليم بإجراء الاستفتاء سوف يدخل العراق في نفق مظلم، ولكن رد رئيس الإقليم مسعود بارزاني جاء بالسلب، وقال إن الاستفتاء سوف يجري في موعده، وهذا يعني أن مشروع الاستفتاء هو خطة دولية وليس قرارا كرديا محليا فقط.
وبالرغم من الاستفتاء يصوت على مبدأ الانفصال ولا يقرره، فإن المواقف الإقليمية والدولية تعلن رفضها له، وكأنها تدرك أنها خطوة إجرائية شكلية ستؤدي إلى الانفصال حتما، وبالتالي إلى تقسيم العراق أولاً، وتهديد استقرار دول المنطقة كلها، والدولة الوحيدة التي تعلن تأييدها للاستفتاء وتدعمه هي إسرائيل، وهي التي تستهدف العراق بالتقسيم، بل وتعمل على جعل الدولة الكردية المقبلة في شمال العراق قاعدة عسكرية واستخباراتية لجيشها، ومصدر تهديد للدول العربية وإيران وتركيا، بينما تناور أمريكا مرحليا، فتقول: إنها لا تدعم توجه الإقليم الكردي للانفصال أو الاستقلال وأنها تؤيد سيادة العراق ووحدة أراضيه.
واعتبرت الحكومة التركية قرار الدعوة للاستفتاء قرارا خاطئا وخطيرا، ودعت إلى وحدة الأراضي العراقية، بالرغم من علاقاتها الجيدة مع إقليم كردستان العراق ورئيسه مسعود بارزاني، وكذلك الموقف الإيراني فهو ضد الاستفتاء، وهو ما دعا رئيس أركان الجيش الإيراني اللواء محمد باقري لزيارة أنقرة ولقاء الرئيس أردوغان ورئيس الأركان التركي خلوصي أكار، قبل موعد الاستفتاء بشهر تقريبا، وكل التحليلات تشير إلى أن خطورة الاستفتاء في إقليم كردستان هي التي فرضت هذه الزيارة العسكرية الأولى من نوعها منذ تأسيس الجمهورية الإيرانية عام 1979 وهو ما عبر عنه رئيس الأركان الإيراني بنفسه قائلاً: «إن بلاده اتفقت مع تركيا على إقامة تعاون عسكري في موضوع تأمين الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية فيما يخص مكافحة الإرهاب، وأن البلدين متفقان في وجهات النظر حول رفض استفتاء الانفصال عن العراق الذي تعتزم إدارة الإقليم الكردي بشمال العراق إجراؤه في أيلول/سبتمبر الجاري».
إن رفض الحكومة العراقية المركزية مبدأ الاستفتاء من أصله واعتباره غير دستوري، كما أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي بقوله: «إن الحكومة المركزية لا تعتقد بوجود إطار دستوري أو رسمي لاستفتاء الاستقلال» هو رفض لنتائجه مسبقا، ولكن ذلك لن يمنع الإقليم من مواصلة المطالبة بالانفصال، ومن المرجح أن السياسة الأمريكية تؤيد الاستفتاء، وهي بانتظار نتائجه لكي تحمي به موقفها الداعم للانفصال في المستقبل، لأن الخطة الأمريكية هي دفع الأطراف المحلية لمزيد من الاختلافات السياسية والصراعات العرقية والقومية والطائفية، فهي الوسيلة الوحيد التي تجعل جميع الأطراف تحتاج الدعم الأمريكي، ولذلك فإن المراهنة التركية والإيرانية والعربية والعراقية تحديدا على جهود أمريكا لثني الإقليم عن مواصلة اجراء الاستفتاء أولاً، ومنع استثمار نتائجه الانفصالية ثانياً، لن تحقق النجاح المطلوب، ولن يدفع عنها المخاطر المحدقة بها حتما في المستقبل القريب قبل البعيد، فالحكومة التركية والإيرانية مثل العراقية تخشى نتائج الاستفتاء على مستقبل بلدانها، وبالأخص من التوتر القومي والعرقي على أراضيها، كما تخشى الحضور العسكري الإسرائيلي على حدودها مباشرة، ولذلك سوف تبحث هذه الدول المعارضة للاستفتاء ونتائجه عن سبل قانونية وسياسية وعسكرية لمنع ذلك.
كان من اللافت للنظر قبل أشهر عديدة من صدور قرار مجلس حكم محافظة كركوك برفع علم إقليم كردستان على المباني الحكومية في المدينة، وهذا يعني أن الاستفتاء سيشمل محافظة كركوك التي لا يشملها تقسيم الأقاليم في العراق، فالقرار صدر في نيسان/ابريل الماضي، أي قبل خمسة أشهر تقريبا من إجراء الاستفتاء، وهذا بحد ذاته فتح مسألة خلاف أساسية بين الإقليم والحكومة العراقية وتركيا أيضا، بالرغم من أن خطوة رفع علم إقليم كردستان في كركوك جاءت بعد توافق بين جلال طالباني ومسعود بارزاني أقوى قطبين كرديين في العراق، وهذه يدل على أن الحركة تعني – أول ما تعني- السعي لتوسيع إقليم كردستان ليشمل محافظة كركوك، وأما أسبابها فليست توسعا في الجغرافيا فقط، وإنما لما في كركوك من مخزون نفطي كبير، فالمسألة مسألة نفط يحتاج إقليم كردستان إلى عائداته المالية لإدارة الإقليم أو الدولة الكردية المقبلة بعد تقسيم العراق.
من هنا فإن الاعتراضات القانونية للانفصال ستكون من أعضاء مجلس الحكم في كركوك من العرب ومن التركمان، فهم لن يقبلوا ضم كركوك للإقليم بعد الاستفتاء؛ لأنها ليست مدينة خالصة للأكراد إطلاقاً، ففيها أغلبية عربية وتركمانية ترفض هذا الإجراء وتوابعه السياسية والاقتصادية، وخطورة الاستفتاء والانفصال قد تؤدي إلى تغيير البنية الديموغرافية في كركوك في المستقبل القريب، ولذلك رفضت الحكومة العراقية رفع العلم الكردستاني على مباني كركوك، وطالبت بإنزاله بقرار صادر من البرلمان العراقي ومن الحكومة العراقية أيضا، وكذلك رفضت الحكومة التركية هذا الإجراء فقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء 4 نيسان/ابريل الماضي: «من الخطأ رفع علم ثان في كركوك العراقية غير العلم الوطني، وليعلم أصحاب ذلك العلم أنهم يمارسون الانفصالية». فالحكومة التركية ترفض محاولات «فرض الأمر الواقع لضم كركوك إلى الإقليم الكردي شمالي العراق»، كما قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو.
هذا الرفض العراقي العربي والتركي ينطبق أيضا على رفض قرار أحادي الجانب اتخذه مجلس محافظة كركوك بتنظيم استفتاء لضم المدينة، فالأعضاء العرب والتركمان في المجلس يرفضون إجراء استفتاء من طرف واحد وبدون الرجوع إلى البرلمان العراقي والحكومة المركزية في بغداد، ما يعني أن الأزمة في كركوك ستكون في بعدها الأول عراقية داخلية، ولكنها إذا لم تحسم في البداية فإن الأطراف الإقليمية ستكون لاعبا ضروريا لحماية حقوق العرب والتركمان في كركوك وغيرها، وقد عبر عن ذلك وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو قائلا: «فليعلموا أن تركمان كركوك ليسوا وحيدين، ولن نسمح بفرض مثل هذا الأمر الواقع»، فتركيا تحذر بوضوح من الإقدام على مثل هذه الخطوة الانتهازية في خضم القلاقل، وأنه لن يكون أمرا جيدا، سواء لمستقبل العراق أو مستقبل الإقليم الكردي حسب أقوال أوغلو أيضا.
إن الإشكالية التي تواجه العرب والتركمان في العراق وسوريا هي المشاريع الدولية، فالأكراد لا يتحركون بمثل هذه الخطوات إلا بوجود ترتيبات دولية معينة، ولو من باب المحاولات الأمريكية لإيجاد تقسيمات سياسية كبيرة في المنطقة في المستقبل، فأمريكا عملت على تدمير العراق منذ عام 1980 فاستغلت الحرب العراقية الايرانية أولاً، ثم أزمة الكويت عام 1990 وتابعتها بالحصار ثلاثة عشر عاما حتى عام 2003، ثم انقضت على العراق بطائراتها الحربية وبوارجها وصواريخها البالستية وجنودها وعملائها، وما زالت تعمل على تدميره بمزيد من الحروب الطائفية والقومية والعرقية، وقضية الاستفتاء جزء من الخطة الأمريكية الإسرائيلية لمستقبل العراق وتقسيمه، والمساعدات العسكرية التي قدمتها أمريكا لإقليم كردستان العراق أو لميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري تكفي لبناء جيوش من مئات الآلاف، وهذا يهدد المنطقة بحروب قومية طويلة الأمد لا تبقي ولا تذر، فالصراعات في المنطقة لن تكون بين الأكراد والعرب والأتراك والإيرانيين فقط، وإنما بين مشاريع سياسية دولية ذات خلفية صليبية، تحاول الدول الغربية من خلالها أن تفرض الضعف والهزيمة الحضارية على المسلمين في المنطقة، بصناعة كيانات قومية أو طائفية أو دولة كردية في العراق وسوريا، ستكون بمثابة خلل أساسي في موازين الاستقرار في المنطقة، والتي بدورها ستوجد الحاجة الماسة للتدخل الغربي الأمريكي لعقود مقبلة.
لذلك فإن المواقف التركية الرافضة للاستفتاء ليست ضد الأكراد إطلاقا، وإنما من أجل مصالح شعوب المنطقة وقومياتها المسلمة، فالموقف التركي يدرك الاندفاع الكردي لإقامة كيان سياسي خاص، ولكن هذا التقسيم الذي تشرف عليه وتنفذه الدول الغربية وأمريكا وإسرائيل لن يكون في مصلحة الأكراد ولا شعوب المنطقة، فتقسيم 1916 لم ينقذ شعوب المنطقة وإنما أبقاها قرنا كاملاً في حالة ضعف ومن دول العالم الثالث المتخلفة، فالتقسيم الذي يسعى له الغرب الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي لشعوب المنطقة المسلمة هو لإضعافها وإبقائها في حالة صراع سياسي وعسكري مع بعضها، وليس من أجل تحررها ولا نهضتها ولا تقدمها ولا استقلالها، وتركيا تحذر وتنذر من تحول هذه المشاريع الانفصالية لقتل الأكراد لبعضهم بعضا أولاً، ودخولهم في حروب مع أخوتهم العرب والأتراك والإيرانيين، وتحذر وتتخوف من زيادة معاناة الشعب الكردي والعربي والعراقي، وزيادة تشريدهم من مدنهم وقراهم، فالرفض هو لجعل الأكراد جنودا مرتزقة للمشاريع الغربية الاستعمارية، لن تسلم دول الجوار من مخاطرها، ولكن أحفاد صلاح الدين الأيوبي سيكونون أولى ضحاياه.

مستقبل كركوك في استفتاء كردستان العراق

محمد زاهد غول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية