نهاية الاسبوع الماضي، بدأت الحملات الدعائية لاستفتاء استقلال إقليم كردستان، في مختلف مدن الإقليم إلى جانب المناطق المتنازع عليها، بما فيها مدينة كركوك، رغم التحذيرات الإقليمية والعراقية من ان سياسة فرض الأمر الواقع في المدينة التي تضم المكونين العربي والتركماني إلى جانب الكردي، يمكن ان تؤدي إلى حرب لا تعرف نتائجها ولا تتوقف عن حدود كركوك فقط.
المفوضية المستقلة للانتخابات في الإقليم، أكدت اكمال استعداداتها لإجراء الاستفتاء في كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد، رغم رفض الحكومة العراقية للخطوة، ورفض غالبية القوى التركمانية والعربية، التي قررت مقاطعة العملية باعتبارها «غير دستورية».
الموت في سبيل كركوك
رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أكد ان الاستفتاء سيجري في موعده المحدد (25 أيلول/سبتمبر) بإقليم كردستان وكركوك رغم الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها القيادة الكردية من دول إقليمية ومن التحالف الدولي ضد «داعش» لتأجيله، مشددا على ان الكرد لن يتراجعوا وسيقررون مصيرهم من خلال الاستفتاء الذي يهدف لتشكيل دولة كردستان التي تضم الكرد إلى جانب العديد من المكونات الأخرى مثل التركمان والمسيحيين والعرب.
بارزاني قال في رده على احتمال رفض الحكومة العراقية وفصائل الحشد، ضم كركوك إلى الإقليم واللجوء إلى القوة، ان «أي قوة تفكر في أن تسترد كركوك بالقوة سيواجهها كل شعب كردستان المستعد للموت إلى آخر شخص للدفاع عنها»، مبديا رفضه للمطالبات بعودة البيشمركه إلى حدود 2003، واصفا اياها بغير المقبولة.
وأبدى بارزاني في الوقت نفسه استعداد الإقليم للتفاوض مع بغداد بعد الاستفتاء على موضوع الحدود، مبينا ان «كركوك مدينة كردستانية والقيادة الكردية مستعدة لجعلها نموذجاً يحتذى به في التعايش القومي والديني والمذهبي».
وتحظى كركوك التي توصف بقلب كردستان، بأهمية كبيرة للقيادة الكردية التي تسعى لضمها إلى الإقليم، بسبب ضخامة الاحتياطات النفطية فيها، والتضحيات الكبيرة التي قدمها الكرد «للحفاظ على هويتها الكردية» طوال العقود الماضية في مواجهة سياسات التعريب التي انتهجتها الحكومات العراقية طوال نصف قرن. لكن المدينة التي يسيطر عليها الكرد منذ 2003 سياسيا وأمنيا، تضم التركمان والعرب أيضا الذين يشكون منذ بضع سنوات من تهميشهم ومن فرض القرار الكردي على المدينة بالقوة ودون اللجوء إلى التوافق والشراكة.
ويؤكد بارزاني أن كركوك وسنجار وخانقين ومخمور وباقي المناطق المشمولة بالمادة 140، جميعها كردستانية وتعرضت للتعريب، متهما حكومة بغداد «بعدم تنفيذ المادة إلى أن جاء داعش وحصل التقسيم بشكل فعلي».
وفي خطوة تبدو تطمينية للمكونات التي تعيش في الإقليم وفي المناطق المتنازع عليها، أقر رئيس إقليم كردستان بالحاجة لعلم ونشيد جديدين بدل العلم والنشيد القومي الكردي، لكي يمثلا مكونات الدولة التي سيتم اعلانها. وقال في لقاء مع ممثلين عن الأقليات «يجب كتابة دستور جديد للإقليم يضمن حقوق المكونات، وأُطمئنها بأنها ستكون ممثلة في مشروع كتابة الدستور لدولة كردستان المستقلة».
لكن تصريحات بارزاني بمنح حقوق المكونات، لم تقنع معظم عرب وتركمان كركوك، الذين يطالبون بالشراكة في القرار وبحوار جدي لضمان مطالبهم بما فيها منحهم مناصب عليا، مشيرين إلى ان تلك التصريحات تزامنت مع قرار مجلس محافظة كركوك باجراء الاستفتاء في المحافظة رغم اعتراض التركمان والعرب ومقاطعتهم للجلسة.
رفض إقليمي وعراقي
تلك المواقف المتعلقة بالاستفتاء والمناطق المتنازع عليها مرفوضة كليا من قبل حكومة بغداد التي تعتبرها غير دستورية. وذكر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء حيدر العبادي أن الحكومة لن تلتزم بنتائج الاستفتاء على استقلال الإقليم كونه خطوة غير شرعية ولا دستورية، مبينا ان «الإقليم يتمتع بصلاحيات فيدرالية، وأنه لا يحق لطرف أن يغير واقع الحال في العراق برغبة أحادية الجانب، من دون موافقة الطرف الآخر».
وترفض حكومة بغداد الاستفتاء وتعتبر سياسة فرض الأمر الواقع لا تخدم الكرد، وتضع المنطقة أمام وضع مظلم، لكنها ترفض الحديث عن اجراءات لمنع اجراء الاستفتاء وتقول «لا نريد الدخول في صراع داخلي».
موقف حكومة بغداد يشابه موقف الجارتين القويتين إيران وتركيا، إذ ترفضان أيضا الاستفتاء ونتائجه، خشية التأثيرات المحتملة لولادة دولة كردية على المطالب الكردية في إيران وتركيا وسوريا أيضا، حيث يعيش ملايين الكرد في تلك الدول ويخوضون كفاحا مسلحا للاعتراف بحقوقهم ولو في حدها الأدنى كإقامة إدارات ذاتية والاعتراف بالحقوق الثقافية.
بل ان إيران وتركيا من خلال مسؤولين كبار، وجها سيلا من التحذيرات لقيادة الإقليم من ان تلك الخطوة ستكون لها نتائج سلبية على الإقليم وعلى وضع الكرد والحقوق التي حصلوا عليها في العراق والتي تتجاوز صلاحيات الأقاليم الفدرالية وتقترب من الكونفدرالية.
تحذيرات من حرب
ودعا رئيس حزب الحركة القومية في تركيا دولت بهجلي، إلى استخدام القوة لمنع الاستفتاء «ينبغي الوقوف بوجه استعدادات الاستفتاء والذي يشمل المدن التركمانية أيضا»، معتبرا أن كركوك مدينة تركمانية ويجب ان تظل كذلك، مضيفا ان الاستفتاء هو «ضد التركمان وتركيا، وينبغي اعتباره سببا لإعلان تركيا الحرب إذا لزم الأمر».
لكن الحكومة التركية ترفض ذلك الخطاب، وان رأت بدورها ان إجراء الاستفتاء في كركوك خطأ جديد يضاف إلى سلسلة الاخطاء المتعلقة بإجراء الاستفتاء.
وحذر المستشار الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية المسلحة رحيم صفوي، من انفصال إقليم كردستان عن العراق. وقال ان «أعداء المسلمين من الصهاينة والأمريكيين يفكرون بتقسيم العراق وسوريا»، مؤكداً أن «انفصال إقليم كردستان يعني بدء حرب جديدة وإيجاد فوضى طويلة الأمد للمنطقة»، حسب وكالة «مهر» الإيرانية.
تطمينات ومخاوف
لكن القيادة الكردية غير متخوفة من ردود الفعل والتحذيرات الإقليمية، ولا ملاحظات الدول الغربية التي تخشى من الانعكاسات السلبية للقرار، بما فيها الموقف الأمريكي المتكرر والمطالب بتأجيل الاستفتاء، إذ الإقليم يرد بالمطالبة بضمانات دولية مكتوبة لتأجيل الاستفتاء.
ويرى قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على رئاسة الإقليم ورئاسة الحكومة، ان الموقف الإقليمي لن يشهد تحركا معاديا للإقليم وسيظل في إطار الإعلام وهو أمر مفهوم، مشيرين إلى ان الاستفتاء سينقل الكرد إلى مستقبل مشرق، مؤكدين ان دول العالم تبحث عن مصالحها وستعترف في النهاية بالأمر الواقع.
ويستبعد قادة الديمقراطي الكردستاني، قيام تركيا وإيران بإغلاق الحدود مع الإقليم في حال اعلان الاستقلال، وهو أمر في حال حصوله سيلحق ضررا كبيرا بالإقليم، الذي يعتمد على مبيعاته النفطية عبر تركيا في تأمين معظم متطلباته الأساسية. يقول بارزاني ان الدولتين لن تقدما على ذلك لأن «لديها مصالح كبيرة وكثيرة في كردستان».
لكن تلك الرؤية لا تتوافق مع رؤية قيادات كردية أخرى تدعو للنظر في كل الاحتمالات، وترى ان الدول الإقليمية مع بغداد لن تسكت على استقلال الإقليم ولن ترضى بضم كركوك وفرض الأمر الواقع من جانب واحد، وان هناك احتمالات للجوئها إلى اثارة المشاكل وإلى تحريك الجماعات الموالية لها، فتركيا تستطيع التأثير على التركمان وعلى العرب السنة أيضا الذين سيخسرون السيطرة على مناطق واسعة بمحافظتي نينوى وكركوك «ستلحق بأراض الدولة الجديدة» في حال اعلانها، كما ان إيران بامكانها التأثير على قوات الحشد الشعبي الموالية لها وبعضها ينتشر على بعد بضعة كيلومترات من كركوك، وهو ما ينذر باشعال المنطقة.
وحذر عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني محمود سنكاوي، من احتمال هجوم القوات العراقية على مدينة كركوك يوم الاستفتاء، وقال ان الجيش والحشد الشعبي حدد يوم 23 من هذا الشهر لبدء عمليات استعادة الحويجة (التي تتبع إداريا محافظة كركوك) من تنظيم «داعش»، داعيا الأطراف السياسية في كردستان إلى أخذ الحيطة والحذر. وأشار سنكاوي، إلى ان العرب في مندلي هددوا المواطنين الكرد في القضاء بانهم سيهاجمونهم إذا شاركوا في الاستفتاء.
في الوقت الذي يطالب القادة الكرد أهالي كركوك بالتصويت بنعم في الاستفتاء لضمان مستقبل أمني واقتصادي وخدمي أفضل لمدينتهم، يحذر نشطاء وكتاب عراقيون بارزون من ان برميل البارود في كركوك قارب على الانفجار، مع حمى الاستفتاء وحمى معركة الحويجة وحمى التصريحات المتبادلة بين أربيل وبغداد التي ترفع شعار «القتال للدفاع عن كركوك مهما كان الثمن».
ويحذر نشطاء من ان سياسة الأمر الواقع من قبل الكرد في كركوك ستكون فتيلة تلك الحرب التي ستكون مؤلمة وربما طويلة وتتسع لتشمل مناطق أوسع خارج كركوك في ظل الطموحات التركية بالامتداد إلى شمال العراق بوجود التركمان وأذرعها الأمنية والاقتصادية، والطموحات الإيرانية بتعزيز نفوذها واكمال اقامة الهلال الشيعي، مع امتلاك كلا الطرفين لأدوات فاعلة على الأرض.
ويبدي كتاب كرد أيضا تخوفهم من السياسة الكردية الحالية المعتمدة في كركوك، مشيرين إلى ضرورة الحوار مع العرب والتركمان، بدل فرض الأمر الواقع عليهم والمضي بالاتجاه الآخر وعدم الاكتراث لاحتجاجات المكونين الذين يشكلان نحو 50٪ من مواطني المدينة، منبهين إلى ان ميزان القوى الذي هو في صالح الكرد اليوم قد ينقلب في الغد وحينها ستكون الخسارة كبيرة جدا ولا يمكن تعوضيها.
ولا تخفف تصريحات محافظ كركوك، التي تؤكد ان إجراء الاستفتاء في المحافظة لن يقرر مصيرها السياسي وان مصيرها يقرره أهلها ومن خلال تطبيق المادة 140 في الدستور، من مخاوف أهالي المحافظة باشتعال صراع دموي فيها مع تقاطع مصالح القوى السياسية العراقية والقوى الإقليمية وفي ظل انتشار السلاح ووجود النفط وغياب الحوار وتصاعد الخطاب القومي والمذهبي بين المكونات.
ويٌعقد المشهد أكثر، غياب المؤسسات والبنى الأساسية للدولة، وسيطرة الأحزاب والقوى التابعة لها على مفاصل السلطة، مع الخلافات الكامنة بين القوى الممثلة للمكونات نفسها والتي تتصارع على المال والسلطة، ما ينذر باشعال نزاعات دموية طويلة، تفتح باب تدخلات إقليمية ودولية في منطقة شديدة التداخل وغنية بالموارد لكن سكانها يعانون من الفقر.
سامان نوح