التحقيق في ملف العسكريين اللبنانيين: قضم التسوية السياسية وفرض منطق الغلبة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: كانت الأنظار تنصب على صفقة «حزب الله» مع «داعش». تلك الصفقة التي أثارت سخطاً شعبياً لبنانياً في مشهد صادم حيث مسلحو تنظيم «الدولة» يخرجون بباصات «مدارس المهدي» العائدة للحزب من جرود رأس بعلبك والقاع اللبنانية، فيما يتم نقل رفات العسكريين اللبنانيين الذين كانوا أعدموا على يد التنظيم في سيارات الصليب الأحمر إلى قلب الوطن. وتلك الصفقة التي بدت فصولها أكثر تعقيداً، مع ما أثارته من سخط سياسي وشعبي في «البيت الشيعي العراقي» الذي يعتبره الأمين العام لـ«حزب الله» السيد نصرالله جزءاً من المشروع الإيراني وامتداداً طبيعياً له، ومع محاصرة التحالف الدولي لقوافل «داعش» في البادية السورية. فكان لا بد من حدث لحرف «العدسة» من مكان إلى آخر بعدما بدأت تتهشم صورة الحزب و«سيده» وتتعالى الأصوات داخلياً سائلة كيف كان ممنوعاً التفاوض سابقاً لإنقاذ أرواح جنود الجيش وبات مسموحاً اليوم لإنقاذ أرواح عناصر ميليشيا «حزب الله»؟
ولأن «حزب الله» يُمسك جيداً بخيوط اللعبة وأدوات التحريض الإعلامية والسياسية والشعبية، نجح في حرف الأنظار عبر الضغط للمطالبة بفتح تحقيق حول ملابسات أحداث عرسال 2014 وخطف العسكريين، فأضحى هذا المطلب هو الحدث الأول الذي يُخيّم على المشهد اللبناني، فيما بات الحديث عن الصفقة من الماضي!. إلا أن الخطورة في فتح ملف أحداث عرسال 2014 – وهو أمر واجب في دولة غير مستباحة- تكمن في أنه يجري بعقلية محاكمة المرحلة السياسية للحالة السنية آنذاك التي كانت داعمة للثورة السورية، وكانت بلدة عرسال حاضنة لآلاف النازحين السوريين الذين هجرتهم ميليشيا «حزب الله» باتجاه الأراضي اللبنانية بعد انخراطه في الحرب السورية .
المخاوف من تداعيات فتح هذا الملف تنطلق من الوهن الذي بات مسيطراً على القيادات السنية في البلاد، ومدى «الصورة العاجزة» التي يظهر فيها رئيس الحكومة سعد الحريري منذ دخوله في التسوية السياسية التي آلت إلى الإتيان به رئيساً للسلطة الثالثة في البلاد مقابل الإتيان برئيس «التيار الوطني الحر» حليف «حزب الله» العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى.
المفارقة أنه كلما أمضى سعد الحريري في تغطية «حزب الله» كلما أمعن الحزب في كشف الرجل وإضعافه أكثر، بدل أن تكون المعادلة معكوسة. الأمر ليس مستغرباً، في قراءة أوساط سياسية مناهضة للتسوية، إذ أنها ترى أن سياسة «حزب الله» هي سياسة القضم. كلما حصل على تنازل طالب بآخر، وكلما حقّق مكسباً اتجه إلى آخر. وتساءلت تلك الأوساط: هل كان يحلم أحد أن يعلن الحريري أن ثمة إيجابيات في معركة جرود عرسال التي خاضتها ميليشيا «حزب الله»؟ أو أن يقول أنه وافق ورئيس الجمهورية صفقة «حزب الله» مع «داعش»، أو أن يغطي التحقيق في أحداث عرسال من خلال التأكيد «أن لا خلفيات انتقامية أو كيدية له بل يهدف إلى معرفة ما حصل في تلك الفترة» وهو الذي يشاهد الحملة المبرمجة على رئيس الحكومة آنذاك تمام سلام الذي كان سماه كممثل لخطه السياسي حين كان ممنوعاً عليه أن يتولى بشخصه رئاسة الحكومة.
التوقعات أن «حزب الله» سيمضي أكثر في قضم مفاعيل التسوية السياسية، مستفيداً من هشاشة موقع الحريري والحال السنية عموماً، وتسليم الزعيم الأول لتلك الطائفة باختلال القوى راهناً تحت مسمى «الواقعية السياسية» ومستفيدا من عملية «تصفية حسابات» تدغدع «التيار العوني» ضد قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي الذي كان منافساً فعلياً لعون على رئاسة الجمهورية وقَطَعَ التمديد له في قيادة الجيش الطريق أمام العميد شامل روكز- صهر الرئيس- على إمكان أن يتبوأ منصب قائد الجيش. وسيتفيد «حزب الله» أيضاً من إيلاء وزارة العدل إلى القاضي السابق سليم جريصاتي محامي الدفاع عن متهمي الحزب في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري أمام المحكمة الخاصة بلبنان، تلك الوزارة التي كانت في حكومة سلام السابقة، ولسخرية القدر، بيد اللواء أشرف ريفي الذي كان أكثر الناس التصاقاً برفيق الحريري. ولكن إلى أين يمكن أن تصل التداعيات؟ يعلق أحد المراقبين: «قد تهتز الأرض ولكنها لن تقع». ما يقصده أن اللعب على وتر التحريض في هذا الملف سيؤول إلى احتقان مذهبي، سني- شيعي جديد في البلاد، وهو احتقان موجود أصلاً لكن يرتفع منسوبه حيناً ويتناقص حيناً آخر، حسب ما تقتضيه حسابات اللاعبين في غالب الأحيان، ومقتضيات المواجهة الإقليمية. وهنا ثمة تفوّق أكيد لقدرة نصرالله على استخدام الخطاب المذهبي التحريضي في مقابل الحريري الذي لا تسعفه ثقافته على مثل هذا الاستخدام. وإذا كان من استشراف للمستقبل القريب، فإن المشهد الذي سيتحكم بالساحة اللبنانية حتى إشعار آخر سيتوزع بين توقيفات عرسالية من هنا وتحقيقات من هناك وتصريحات تحريضية من هذه الجهة وأخرى تبريرية من تلك الجهة. كلها ستصب في محاولة إبراز سطوة سياسية لمحور إيران من حارة حريك ـ مقر نصرالله ـ ومحاولة الضغط في اتجاه تجيير السطوة إلى مكاسب سياسية عنوانها الراهن عودة تطبيع العلاقات اللبنانية رسمياً مع سوريا، وإلاّ فليتحمل المعارضون النتائج.
ما كان مرسوماً لعرسال في آب/اغسطس 2014 هو السؤال الأساس الذي يجب أن يُسأل، لأنه يتم اليوم تدفيع الثمن لمن أحبط آنذاك المخطط سياسياً وعسكرياً. ولعل رفع السرية عن محاضر جلسات مجلس الوزراء الذي طالب به الرئيس سلام «حتى لا تصير أضاليل اليوم حقائق الأمس» يشكل بداية العد العكسي ليس فقط في مسار تبيان الحقائق، بل أيضاً في مسار مواجهة منطق الغلبة الذي يسعى «حزب الله» إلى فرضه ليس فقط سياسياً بل ومذهبيا!.

التحقيق في ملف العسكريين اللبنانيين: قضم التسوية السياسية وفرض منطق الغلبة

رلى موفق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية