الانتفاضة الثالثة؟
عبد الباري عطوانالانتفاضة الثالثة؟كان منظر الدبابات والعربات المدرعة التي اجتاحت ميداني المنارة والساعة في قلب مدينة رام الله، عاصمة السلطة الفلسطينية، مؤلما ومفرحا في الوقت نفسه.كان مؤلما لان قوات الامن الفلسطينية التي تتمركز علي بعد اربعمئة متر من الميدانين حيث مقر الرئيس محمود عباس لم تتصد لها حتي ولو من قبيل رفع العتب، ومفرحا لان شباب المدينة هبوا للدفاع عن مدينتهم بالحجارة، وقدموا اربعة شهداء وثلاثين جريحا في معركة الكرامة والشرف التي تابعها عشرات الملايين من المشاهدين عبر شاشات قناة الجزيرة ومحطات تلفزة اخري نقلتها حية علي الهواء مباشرة.قوات المستعربين الاسرائيليين اقتحمت المدينة مدعومة بالعربات المجنزرة في وضح النهار، وتمركزت في ميدانها الرئيسي لعدة ساعات، ولم نشاهد جنديا واحدا من حرس الرئاسة الذي يعد حاليا لنزع سلاح المقاومة، او من قوات الامن يطلق رصاصة واحدة علي هؤلاء الغزاة.القوات الفلسطينية التي يزيد تعدادها عن خمسين الفا، وتستأثر بنصف الميزانية كانت ترابط دائما في ميدان المنارة، تدقق في هويات المارة ورخص سياراتهم، لتثبت وجودها وسطوتها، ولكنها اختفت كليا عندما زحفت القوات الاسرائيلية الي الميدان، وتركت المهمة للشبان العزل ليقوموا بمهمة التصدي لهذه القوة العسكرية الجبارة بصدورهم العارية. نحن لا نريدها ان تتحول الي مقاومة، وان كنا نتمني ذلك، ولكن نريد منها الدفاع عن شرفها العسكري فقط وهذا اضعف الايمان.كان منظرا رائعا، منظر اولئك الشبان، وهم يمطرون المجنزرات الاسرائيلية بالحجارة، من كل الزوايا، ويجبرونها علي الهرب مذعورة. منظر يعيد الي الاذهان الانتفاضتين الاولي والثانية التي اجهضت الاولي اتفاقات اوسلو، واوقفت الثانية خدعة الديمقراطية وانتخابات المجلس التشريعي، وهدنة شرم الشيخ.السؤال الذي يطرح نفسه هو حول عدم ظهور اسلحة قوات الامن الفلسطينية الا في حال التصدي للقوات التي شكلتها وزارة الداخلية الفلسطينية لوضع حد للفلتان الامني واعادة الهيبة للشرطة وقواتها؟الاجتياحات الاسرائيلية لمناطق السلطة ليست جديدة، ولكن الجديد هذه المرة انها تأتي في ظل حكومة اسرائيلية جديدة تتحدث عن السلام، ورئاسة فلسطينية تستجدي العودة الي مائدة المفاوضات دون اي شروط، ومباركة امريكية لخطط اولمرت في الحلول احادية الجانب وضم القدس المحتلة.القيادات التي تحترم نفسها، وترتقي الي مستويات تضحيات شعبها ترفض مثل هذه الاهانة، وتعلن علي الملأ استقالتها من منصبها، وتضع العالم بأسره امام مسؤولياته.هكذا كان يجب ان يفعل رئيس السلطة محمود عباس، ورئيس مجلس وزرائها السيد اسماعيل هنية.كنا نتمني لو ان الرجلين اجتمعا سويا لبحث هذه المسألة، ثم ذهبا الي ميدان المنارة، وعقدا مؤتمرا صحافيا اعلنا فيه حل هذه السلطة البائسة، واعادة الاوضاع الي ما كانت عليه في السابق، اي تحميل الاحتلال الاسرائيلي مسؤولية ادارة هذه المناطق المحتلة، والعودة كفتح وحماس سويا الي خندق المقاومة.فما الذي يخشاه رأسا السلطة الفلسطينية، وما هي المكاسب التي حققاها للشعب الفلسطيني من جراء التمسك بهذه الاكذوبة غير الجوع والحرمان والخضوع للابتزازين الامريكي والاسرائيلي، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية احتلال وتحرير الي قضية رواتب ومساعدات مالية اجنبية؟الشعب الفلسطيني يواجه الجوع حرفيا، وفوق هذا الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة التي تحصد ارواح الشهداء يوميا، وتصادر الاراضي، وتقلع المزروعات، وتبني الجدار العنصري، وتمارس كل انواع الاذلال في حق المواطنين علي الحواجز ونقاط التفتيش.والاخطر من هذا وذاك هذا الصراع الدموي المتأجج بين حركتي فتح و حماس ، علي سلطة وهمية ملغومة لا تزيد عن كونها مشروع فتنة لإشعال فتيل حرب اهلية بين ابناء الخندق الواحد والقضية الواحدة.شبان رام الله دافعوا عن كرامتهم، وعن شرف امتهم، عندما هبوا من كل فج للتصدي للمعتدين الاسرائيليين، وقدموا مثلا في الرجولة والشجاعة يعكس عمق ايمانهم بقضيتهم وأمتهم.انها ارهاصات الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، وبرهان اكيد علي رفض ابناء الارض المحتلة لكل ما يدور حولهم من كذب وزيف. ولكنها ستكون انتفاضة مختلفة هذه المرة، انتفاضة ضد السلطة والاحتلال معا، وللتأسيس لمرحلة فلسطينية جديدة، تزيل كل ما قبلها من فساد ومراهنات علي وهم التفاوض غير المتكافئ، والسلام المغشوش.