عودة الحرب الباردة

حجم الخط
0

أغلب الظن تستعد الولايات المتحدة وحلفاؤها الاوروبيون لهجوم على سورية. الخلفية جاهزة، والقوات الامريكية انطلقت على الدرب، الاسد يهدد واوباما يُعد الرأي العام من خلال نشر تقرير يثبت استخدام السلاح الكيميائي ـ سبب وجيه جدا لكي لا يُصدم العالم.
ولكن من غير المفهوم على الاطلاق لماذا لم يُصدم العالم حتى الآن عندما تكون التقديرات عن عدد القتلى منذ اندلاع الاضطرابات في سورية تتراوح بين 100 ألف ومئات الآلاف. صحيح أن الغاز يبعث على النفور لمجرد كونه يوصف بأنه غير تقليدي، ولكن من حيث الجوهر لا يوجد أي فرق مقارنة بمئات آلاف القتلى بالسلاح التقليدي. المشكلة هي أن الولايات المتحدة وكذا اسرائيل تخشيان من أن يصل السلاح الكيميائي الموجود في سورية الى منظمات الارهاب أو الى دول اخرى. ثانيا، يبعث على اليأس التفكير بأنه كان يتعين على الولايات المتحدة أن تنتظر استخدام السلاح الكيميائي كي توقف استمرار القتل. لا يقين في أن الولايات المتحدة تخطط لحرب شاملة ضد الاسد ورجاله. والمعقول بالذات هو أن الضربة التي ستوجهها الولايات المتحدة ستكون موضعية وليس أكثر من ذلك. أما ماذا ستكون عليه الآثار فيصعب التخمين. ظاهرا الوضع الجغرافي السياسي والاستراتيجي في منطقتنا مُريح جدا لخطوة امريكية تحقق نتائج طيبة. الاسد ورجاله الذين يأتمرون بإمرته، بمن في ذلك الجيش الموالي له، ضعيف ومتآكل. وايران ايضا، السيدة الكبرى لسورية توجد في وضع اقتصادي صعب للغاية من شأنه أن يوقع مصيبة كبيرة. منظمة حزب الله متآكلة ومستنزفة مثلما لم تكن أبدا، ووضعها في لبنان آخذ في التدهور من يوم الى يوم.
كل شيء منطقي وواضح، غير أن ثمة لاعب آخر يجب أخذه في الحسبان: روسيا بوتين. فعن قصد تم التشديد على اسم الزعيم كلي القدرة لأنه على أفضل رأي لن يكون مستعدا لأن يجلس مكتوف اليدين في ضوء هجوم امريكي واسع.
صحيح أن النزاع بين القوتين العظميين لا يرتبط بسورية وحدها، بل بالصراعات الكبرى بينهما على السيطرة في العالم، أي أن ‘الحرب الباردة’، التي اعتقد الكثيرون أنها انتهت من العالم، توجد في ذروتها. فالحرب في سورية والمواقف الصقرية الروسية تجاه الغرب تشكل جزءا لا يتجزأ من حلم أكبر بكثير لدى بوتين: السيطرة في اوروبا كلها.
هذا يبدو غريبا، غير مصداق، بل وربما هاذٍ، ولكن من يتعمق في ايديولوجيا بوتين يفهم أن هذه ليست على الاطلاق أمورا مدحوضة. وفي صالح القُراء، نجلب هنا أهم ما ورد في خطاب من يعتبر المنظر الرئيس لروسيا ورجل سر بوتين، الكسندر دوغين، قبل بضعة ايام من اجتماع متعدد المشاركين في كشيناف، محظور على الغرب أن يتجاهل الاقوال الخطيرة لـ’غوبلس’ الروسي: ‘اوروبا الغربية تمتنع عن توفير التكنولوجيات المتقدمة لديها لنا، وبين الحين والآخر يلقون إلينا ‘بعظمة’.
اذا احتللنا اوروبا كلها، فان كل التكنولوجيا المتقدمة لديهم ستكون لنا، وذلك لأننا سنكون مالكي اوروبا. الاتحاد الاوروبي يتفتت لأن المشاكل الاقتصادية هي في مركز التجربة الحياتية اليومية. وعندما سنكون المالكين سنوضح للجميع أن ليس كل شيء اقتصادا، بل توجد قيم اخرى. القيصر الروسي هو من سيولي كل شيء وبناءً على كلمته تتقرر الامور. هذا هو المستقبل وليس هناك أمر غيره! ايام الفخار للامبراطورية البيزنطية برئاسة روسيا ستعود’.
صحيح أن اقوال المنظر الرئيس تتحدث عن اوروبا، ولكن وجهة بوتين تستشرف منطقتنا ايضا. روسيا لن تتخلى بسهولة عن هيمنتها في المنطقة، ولهذا ينبغي الأمل بأن اوباما سيتمكن من التغلب على العوائق والتعقيدات المتوقعة في أعقاب الهجوم. فهل اوباما هو كنيدي أم ريغان؟ بوتين أكثر كفاحية بكثير من الآخرين.

‘ مؤرخ وخبير في شؤون الأمن القومي
معاريف 28/8/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية