إن كنت تخشى أن فاتك مسلسل التطورات التي صاحبت حروب البلقان وأفغانستان والخليج الاولى والثانية، وغيرها من حروب الكون، فلا تقلق إذ أن المسلسل يعود اليوم ومن جديد، بوتيرة أسرع وفي عصر لا يحتاج الحدث لأكثر من عشر ثوان بالتمام والكمال حتى ينتشر كانتشار النار في الهشيم. عشر ثوان تشكل معدل الوقت اللازم لطباعة الكلمات التي تخبرنا عن نبأ عاجل أو حدث ما.
اليوم وربما مع نشر هذه الكلمات سيكون احد فصول الربيع العربي قد دخل مرحلة جديدة من مسلسل قديم جديد للأحداث. مؤتمرات صحافية تطبل لهجومٍ ما وبرلمانات تستدعى للمصادقة على ذلك الهجوم، وصواريخ تنشر ورعايا يجلون وفرقاطات تتحرك وغواصات تستعد، وسجالات تحتدم واستعراضات لعنتريات وصنوف للسلاح تلتصق بشاشاتنا الصغيرة. وزمن يشهد ازدهاراً لعالم التحليل العسكري وتجارة السلاح وتجار الحرب والمستشارين الاستراتيجيين وخبراء الحروب على كثرتهم وسيناريوهات المواجهة وتجهيزاتها.
كل ذلك في زمن تبقى فيه عاصمة الاحتلال الإسرائيلي عصية على المواجهة. دمشق تحترق، بيروت تنفجر، طرابلس تتوه، صنعاء تتخبط، تونس تتوتر، القاهرة تضطرب والقدس تسرق وتل أبيب تزدهر وتنتعش، وتقدم أسرارها العسكرية ومعلوماتها الاستخبارية لمن يحضرون للهجوم، بينما لا يسألها أحد عن غطرستها واختراقها للقانون الدولي وازدرائها بقرارات الشرعية الدولية لعقود، وترسانتها العسكرية وأسلحتها الجرثومية والنووية، وعن بقائها على صدر شعبٍ لا يريد احتلالها وعالم ضاق ذرعاً بحيلها ومراوغاتها. الربيع العربي هو ربيعٌ لإسرائيل وشتاء قاسٍ لغيرها، تتناحر فيه الأمة العربية وتتناثر عواصمها، ‘بينما تضيع جغرافيتها وينقسم أبناؤها بين دياناتهم وطوائفهم وجغرافيتهم ومشاربهم.
حالٌ مؤسف لأمة بات فيها الموت اليوم خبراً عابراً والقتل حدثاً آنياً والانفجارات أمراً يومياً، وقتل الأطفال والنساء تطوراً لم يعد يحظ بالاهتمام والاكتراث لتكراره. أمة الضاد تنتحر وأمة الاحتلال تزدهر في مفارقة غريبة.
اليوم يشتد الحزن على أمة رسمت أحلامها على مشارب أبنائها بحثاً عن الحرية والوحدة والازدهار. أمة قاتلت لتعيد مجدها التليد فوقعت فريسة التجهيل والفرقة والعنتريات الفارغة وعشق الكراسي وسطوة البؤس وسهولة القتل.
ولربما في هذه الحال فإن مسلسلاتٍ عدة لا بد أن تعود.. وتل أبيب باقية باحتلالها ونشوتها أمام معارك الموت وأنصاف الحياة!
‘ كاتب فلسطيني