عندما اعتبرت ما يسميه العرب «وسائل التواصل الاجتماعي»، أو «الوسائط الاجتماعية»، وسائط شعبية جديدة، كنت أنطلق في ذلك من كون البعد «الاجتماعي» للوسيط الذي يمكن أن تتولد عنه «ثقافة اجتماعية» مغيبا في تلك الوسائط، ولا يعدو ما هو متداول فيها أن يكون تعبيرا عن «ثقافة شعبية جديدة»، تقتصر على نشر وتوزيع مواد مثيرة، سواء تعلق الأمر بما هو مضحك، أو مدهش. ويكمن اعتبار الاستخدام «الشعبي» لهذه الوسائط في أنه لا يختلف عما هو معروف في أي وسيط شفاهي يتداول فيه الناس أخبار العائلة والجيران والقبيلة بكيفية مباشرة، من شفة إلى أذن. أما صفة الشعبي «الجديد» فتجد مسوغها في كون المتداولين يستعملون الوسائط «الجديدة» التي هي وليدة التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل، وما توفره من إمكانات للمشاركة والتفاعل.
من خلال متابعة ما ينشر في هذه الوسائط سواء في الواتساب أو الفيسبوك، أجد أن المهيمن في ما يتم التواصل بصدده، سواء من خلال تداول الرسائل والصور والفيديوهات، لا يتعدى: الأخبار المثيرة والمدهشة، وتبادل التحايا والتهاني، والتبريكات في المناسبات والجمعات. وقلما نجد، من بين ما يتداول ما يتصل بتقديم ما هو معرفي أو علمي، حتى لدى المجموعات ذات البعد «الثقافي».
يكمن البعد الشعبي في استغلال هذه الوسائط الاجتماعية في ثقافتنا الوسائطية في ما يلي: نشر الإشاعات، وعدم التثبت مما يتم نشره. تأثرت مرة كثيرا لإعدام شاعر بسبب قصيدة. وعندما عدت للبحث عن الشاعر الذي لم أكن أعرفه، في الفضاء الشبكي، تبين لي أن الحدث مرّ عليه عام كامل، وأن الصورة ليست من البلد الذي نسبت إليه. وأن الذي أعدم لا علاقة له بالشعر، وإنما هو سفاح، وقاتل نساء؟ جئت بهذا المثال، والأمثلة كثيرة، لأبين البعد الشعبي الذي لا مجال فيه للتثبت من الأشياء، أو النقد، لأن السائد هو الرغبة في التعبير عن الذات، أو إثارة الضحك والسخرية، أو الانتقام من الوضع العام، عبر استخدام أساليب الذم أو التعريض، بل إننا نجد، علاوة على ذلك، تصفية الحسابات مع بعض الأشخاص الذين تضمهم المجموعة نفسها، وذلك عن طريق عدم احترام وجهات النظر المختلفة، أو استخدام أساليب رخيصة في التعبير قد تصل إلى السب والقذف. لذلك نجد العديد من المجموعات تعرف انسحابات بعض الأعضاء الذي يستنكرون بعض السلوكات المشينة، أو يتخذون مواقف من بعض الخطابات التي لا تحترم مشاعر الآخرين أو تقدر آراءهم الخاصة.
إن ما كان حديث الأسواق والمقاهي قبل ظهور هذه الوسائط الاجتماعية، صار الآن حديث الأحاديث في الوسائط الشعبية الجديدة، وكل ينشغل بعدها بأموره الخاصة؟ إن التساؤل الذي يفرض نفسه هو لماذا نستعمل هذه الوسائط بهذه الكيفية؟ لا يتطلب الجواب عن هذا السؤال الكثير من التأمل أو التحليل. فالعجز التام عن الفعل، وعدم الرضا عن الذات وعن الواقع، وغياب مجالات العمل الاجتماعي، كلها مجتمعة تدل على واقع ينتج ذهنية خاصة يغلب عليها الطابع الشعبي غير المؤطر، لا المجتمعي المنظم.
إن أهم ما يمكن استخلاصه من هذا التواصل والتبادل هو: التركيز على جلد الذات الوطنية أو العربية، من جهة، مقابل التنويه بمنجزات الآخرين في مختلف المجالات، من جهة ثانية. وواضح من هذا عدم الارتياح إلى ما يزخر به الواقع العربي، وما يحققه الأطفال والشباب والعلماء في المجتمعات الأخرى. لكن هذه النتيجة التي يمكنني تدقيقها من خلال قراءة متأنية لما ينشر في الوسائط الشعبية العربية، تلقي اللائمة، بكيفية ضمنية على السلطة المتحكمة، سواء تعلق الأمر بالحكام، أو المجتمع السياسي. ولكنها، في المقابل، وهذا هو الأهم، تبرئ نفسها مما آل إليه الوضع في الوطن العربي من انهيار تام، وعلى المستويات كافة. إن الشعب، ولا أقول المجتمع، لأنه معزول ومنعزل، لا يرى أن له دورا في ما يجري من انحدار عام، وهو غير مسؤول عما آلت إليه الأمور؟
لقد كانت، بشكل مؤكد، وراء أحداث الربيع العربي هذه الوسائط، ولقد وظفت بنجاح في التعبئة والخروج للاحتجاج. وكانت الاستجابة وليدة الاحتقان الشعبي الذي بلغ مداه. لكن ماذا بعد ذلك؟ صار الضحك والسخرية (التنكيت) من الحكام والمجتمع السياسي، التعبير المهيمن عن الرفض، وعن الإحساس بالاحتقار. وهذا التعبير ليس سوى تجسيد للتنفيس والسلوان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا لم يتطور أداء هذه الوسائط الاجتماعية، ليسهم في خلق «ثقافة اجتماعية» تتواصل من خلالها الجماعات الاجتماعية المختلفة، فتؤطر نفسها بشكل منظم، وتتناقش، وتقترح البدائل العملية، وبشكل مسؤول، في ما يطور انشغالاتها، ويرهن قضاياها المتعددة، لتحقيق مقاصد اجتماعية تصب في خلق مناخ جديد لتخليق الحياة الاجتماعية؟ ألم يكن هذا هو المفترض من الخروج لـ»الاحتجاج»؟
كيف يمكننا استغلال هذا الوسيط استغلالا جيدا إلى الحد الذي يمكننا من توظيفه التوظيف الملائم، الذي يجعل هذه «الوسائط الاجتماعية» تسهم في خلق «ثقافة اجتماعية»؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يكون موضوع المجموعات المختلفة التي تستخدم تلك الوسائط الاجتماعية؟
٭ كاتب مغربي
سعيد يقطين