وفق قراءة تحليلية معمقة وموجزة لهذا الموضوع نقول انه لا يمكن اختزال تاريخ الجماعة في توصيف محدد يكون منحازا معها او ضدها، فعمر الجماعة يتجاوز الثمانين عاما ومرت بتجارب متنوعة ودخلت صراعات متعددة، حيث عرفت بصراعاتها مع كل الانظمة الملكية والجمهورية، وتقاربت معها احيانا تكتيكيا، وللعلم الجماعة نشأت فكرة لدى مؤسسها الاول الامام حسن البناء سنة 28، واستمرت تعمل وفقا لفكرتها الدعوية خلال العشرية الاولى من تأسيسها، مع بعض المغالاة في اسلوب الدعوة، لكنه كان مقبولا من بعض مؤيديها وانصارها حينذاك فمصر كانت تحت الاستعمار البريطاني .. وعند دخولها العشرية الثانية كان تنظيم الجماعة قد تبلور بشكل فاعل واصبح للمؤسس والمرشد السلطة الكبيرة، وهنا تم ادخال اجهزة تنظيمية اخرى تخدم الجماعة لكنها تعمل بشكل سري ولا يعرف عنها سوى المرشد ونفر قليل من المقربين منه، وخلال هذه العشرية كان الصدام مع الحكومة، ثم تطور الصدام الى مواجهة تخللها عنف متبادل، اتجهت الحكومة الى حل الجماعة وكان اغتيال المؤسس ثم دخلت الجماعة مرحلة من اعادة البناء التنظيمي، وتعددت اجهزتها المصاحبة للتنظيم الام، في هذه الاثناء كان التنظيم قد اصبح اقوى من الفكرة المؤسسة وتضخم دور التنظيم وتضاءل دور الفكرة، ودخلت ادوارا من الصدام مع نظام عبد الناصر وتقاربت مع السادات، ثم في هذه الاثناء خرج من عباءتها مجموعات متعددة تعلن استقلاليتها وتتسم باعمال عنف وتكفير، مما ميز الجماعة الام بالاعتدال عن تلك الجماعات، وتعرض مرشدوها جميعا للاعتقال مع اعداد كثيرة من قيادات الصف الاول والثاني، ناهيك عن الاف من القواعد والكوادر، ثم دخلت في صفقات مع نظام مبارك، خاصة من زوايا العمل السياسي والامني والبيزنس، ولم تكن الثورة ضمن ادبياتها ولا مفردات خطابها. وهنا اصبح للجماعة تنظيم قوي وحديدي وتزايد تضخم التنظيم مع وجود التنظيم الدولي وتنظيمات قطرية في عدد من دول العالم.. هنا اختفت الفكرة المؤسسة واصبحت مجرد واجهة باهتة توجه نحو المجتمع ولا يؤمن بها قادة التنظيم. والجماعة شأنها شان الكثير من الاحزاب التي تحولت بفعل مسار التطور الى تضخم في التنظيم، وانفصال القيادة عن القواعد، واعتماد فلسفة براغماتية في عقد الصفقات والمساومات مع مختلف الاطراف التي لا ترغب في الصدام معها، او ترى ان صدامها سيؤثر سلبا في التنظيم ووجوده السياسي. في هذا السياق لا يمكن المرور من دون الاشارة الى ان تضخم تنظيم الجماعة لم يتحقق الا من خلال علاقات طردية وعكسية مع النظم السياسية، خاصة منذ منتصف السبعينات وتغير المعادلة السياسية في عموم المنطقة العربية، وفق تحولات ايديولوجية واقتصادية تمت رعايتها من قبل الامريكان.. ففي هذه الحقبة كان للجماعة وتنظيمها دعم مالي ورمزي وتفاهمات متعددة ومتنوعة مع مختلف الجماعات الحاكمة في مصر ودول الخليج واليمن والاردن، وحتى بلاد المغرب العربي، وهنا ايضا كانت الجماعة تلعب ادوارا مهمة من خلال تنظيمها في اطار حرب الامريكان ضد السوفييت، حيث صنف هذا الاخير كعدو للاسلاميين، لانه قام بغزو دولة مسلمة (افغانستان). وخلال الثمانينات وما تلاها تضخم التنظيم واظهر اذرعا قوية له منها مؤسسات مالية (مصارف اسلامية) ومؤسسات تجارية (مصانع وتوكيلات ومنافذ بيع) ومؤسسات ثقافية وتعليمية (مدارس اساسية وثانوية وجامعات ومراكز) وقنوات اعلامية ومواقع الكترونية متعددة ومتنوعة، ناهيك عن حضور رموز الاسلامين (اخوان/سلفيين) في وسائل الاعلام الحكومية، وفق تنسيق وصفقات بينهما . ولما كان هدف المؤسس الاول الانتشار في عموم المجتمع بالفكرة والدعوة، ثم الوصول الى المشاركة في الحكم، وكانت الكوادر متواضعة في مستواها التعليمي والمهاراتي، فان كوادر التنظيم والجماعة، منذ منتصف الثمانينات اصبحت من خريجي الجامعات وحملة الدكتوراه ومستويات مهاراتية مهمة، وهنا كان طموح الجماعة/التنظيم ليس المشاركة في الحكم، بل الوصول اليه والانفراد به وتطبيق منظوراتهم السياسية تحت واجهة دينية، وعليه فان علاقاتهم وانفتاحهم مع القوى المدنية المتعددة لم يكن الا تكتيكا سياسيا كانوا بارعين فيه، وهو الامر الذي عبر عنه الكثير ممن ناصرهم في المعركة الانتخابية لرئاسة مصر، خاصة الجولة الثانية، ثم سرعان ما نكثوا بوعودهم واظهروا اصرارا على التفرد بــكل دوائر صنع القرار التي سيطروا عليها. بشكل عام يمكن القول ان تضخم تنظيم الاخوان واعتماد اجراءات وسياسات خادمة للتنظيم وليس للفكرة هو من ادخلها في دورات صدام مع المجتمع ومع العسكر، سيؤثر سلبا في بنية الجماعة وتنظيمها لسنوات طويلة، بل ويجعل وجودها السياسي محل شك وعدم ثقة من عامة المجتمع ونخبه في آن واحد.. ومن هنا فان شباب الاخوان وكوادرها الوسطى مدعوين لاعادة الاعتبار للفكرة الدعوية فقط، دون التنظيم، والفكرة بمحدداتها الثقافية التوعوية دون السياسية، ومن اراد السياسة فليكن ذلك من خلال احزاب مدنية مفتوحة للجميع وبشروط السياسة ومنطقها. وللعلم فان الجماعة اليوم تتبلور في فكرة جديدة تبتعد عن فكرة المؤسس الاول، وهي كتنظيم قابلة للعمل السري، فخبراتهم في هذا الامر جد كبيرة حتى لو تم حلها رسميا، فاجهزة التنظيم في الاصل كانت ولاتزال تعمل سرا، ولديهم نمط من التواصل والترابط والهيراركية يعرفونه جيدا في اطار من السرية الكاملة .. صفوة القول.. ندعو كوادر الاخوان الوسطية الى وجوب ان يراجعوا سبب اخفاقهم السياسي وسبب تضاءل الدعم المجتمعي، بل وكراهية قطاع كبير من المجتمع لهم، ناهيك عن انقلاب الداعمين اقليميا بعيدا عن منطق المؤامرات والتهم الجاهزة، وهنا يكون لزوم التجديد الفكري للجماعة في سياق الدعوة ودلالاتها اخلاقيا واجتماعيا، واعادة البناء وفق شروط الحياة السياسية الرسمية والانفتاح على مفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني، والفصل بين العمل الدعوى والسياسي ونبذ العنف، عل هذا الامر يخلق استقرارا عاما في المجتمع المصري وفي عموم المجتمع العربي، وهنا يتأصل وجود الاخوان من خلال اطر حزبية، وفق المشروعية السياسية والقانونية، واحداث قطيعة مع الجماعة وتنظيمها المغلق. ولا بأس من العمل الدعوي من خلال منظمات ومؤسسات تتأسس لهذا العمل وفق قوانين ناظمة للعمل الاهلي وتحت اشرافها، بعيدا عن النشاط السياسي الذي تتم ممارسته من خلال الاحزاب العلنية.