«ها أنت تقف وحيداً أمام صندوق حياتك، الذي كسائر صناديق الآخرين، لا يفتح بسهولة. وربما سيكون عليك كسره أو رميه على الأرض، ستجد في هذا الصندوق فتات من بطاقات الآخرين البريدية أو قطعاً من صناديقهم فهذا ما يفعله الأصدقاء حين يغيبون. يتركون في ذاكرة من بقي حياً عاداتهم المفضلة، أصواتهم، رؤيتهم للحياة، ونكرانهم المتواصل للموت. وهذا ربما ما أفعله الآن». (رياض الريس)
يوثق الصحافي والناشر رياض نجيب الريس، في كتابه الصادر حديثاً عن منشورات رياض الريس «صحافي المسافات الطويل» أجزاءً مهمة ومشوقة من سيرته الشخصية، التي غطت ستة عقود، عبر سبعة وثلاثين كتاباً منوعاً. في مذكراته نبض وبريق ونكهة قضايا الثقافة والصحافة، فهي سيرة فرد تحاذي سيَرَ الآخرين، حيث تتكشف عن سيرة عائلة وبلاد وبشر. تتنوع موضوعات الكتاب وتتشعب، لتغطي جوانب عديدة من تجربة رياض الريس الصحافية والحياتية الحافلة بأحداث وقضايا تتصل بما نعيشه اليوم. فالكتاب سير متداخلة بعضها في بعض، لقد أرخ الريس للناس والأصدقاء والشوارع والمقاهي والظواهر المرافقة للمدن التي تنقل فيها. حيث مارس الصحافة ما يقارب النصف قرن، وفتحت له أبواب كثيرة عرف من خلالها الكثير من طرق ومدن العالم. على مدى خمسة أبواب، ومن خلال مجموعة حوارات أجرتها معه الكاتبة السورية سعاد جروس، ومجموعة مقالات كتبها هو. تنقب جروس في أهم محطات الحياة التي عاشها الريس ومسارها ومراحلها، كاتباً وناشراً ومغامراً. عبر (383) صفحة ساقتها بأسلوب شيق لا يخلو من بعض طرافة في السرد، هكذا يتجول صاحب «صحافي ومدينتان» منقباً في الذاكرة البعيدة. حين يؤرخ الريس لتاريخه الصحافي، فإنه يؤرخ لتاريخ الصحافة العربية، ويؤرخ أيضاً لتاريخ العرب السياسي في الأربعين سنة الأخيرة. إنْ لم يكن أكثر.
فتنة التجول
رياض الريس ابن نجيب الريس السياسي والصحافي السوري ، الذي أصدر لثلاثين سنة جريدة «القبس» السورية، التي توقفت عن الصدور في عهد الوحدة السورية المصرية عام 1958 حين طالها قانون تأميم الصحافة. ذهب الريس إلى بريطانيا للدراسة في جامعة كامبريدج، حيث تسنى له الاطلاع على الصحافة البريطانية كقارئ أولاً، ومن ثم مشارك في صحافتها. الريس الذي ترك دمشق إلى بيروت في زمن كانت فيه بيروت عاصمة للصحافة العربية، لذلك لم تستطع بيروت، على اتساع حبه لها، أن تطرد دمشق من ذاكرته (آخر الخوارج) حيث عمل مع عمالقة الصحافة البيروتية، مع عميد الصحافة اللبنانية غسان تويني في «النهار»، ومع سعيد فريحة في «الصياد»، ومع كامل مروة، ومع (توأمه) نبيل خوري الفلسطيني/ اللبناني في مجلة «المستقبل» الباريسية، وكانت له مشاركات مهمة في «القدس العربي».
كان الريس رائداً حين عمل محررا متجولا في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية. تأثر الريس بلورنس العرب الإنكليزي (تي. آي. لورنس) صاحب «أعمدة الحكمة السبعة» وبطل الثورة العربية الكبرى. كان يحلم بالعيش في عصر الإمبراطورية العثمانية، (الصحافة ليست مهنتي). ومما ورد في الكتاب من عبارات مميزة كقوله في العلاقة اللبنانية السورية: «أتمنى لو أن اللبنانيين فهموا السوريين أكثر، ولو أن السوريين تعلموا من اللبنانيين أكثر». وقد تشتمل على حكم قاسٍ كقوله في المثقفين العرب: «طموحهم أن يكونوا خدماً عند السلطة في العالم العربي ويتمنون الحصول على كسرة خبزٍ حبا في السلطة لا الخبز». وقد تنطوي على توصيف معين كقوله: «يوسف الخال كان بطريركًا حقيقيا للشعر، تحيط به مجموعة من الشعراء القساوسة يرفعهم رتبة نهاراً، وينزلهم رتبة ليلاً». قضى الرجل معظم حياته في لبنان. لم يعد سورياً. لكنه ـ في المقابل ـ لم يصبح لبنانياً.
ضد الأيديولوجية
لم تكن سيرة رياض نجيب الريس مبهرجة بالشعارات، ولا مغلفة بالانتهازية، ولا مزوقة بالانتفاع، تحول إلى حالة خاصة ومتفردة في الوسط الثقافي العربي، أو بالأحرى إلى تعامل خاص مع الثقافة وأهلها. رغم سنواته المليئة وتجاربه الكثيرة المتعددة، تُحس به، دائماً، وكأنه مقبل من شغف البدايات، أو أيضاً من بدايات الشغف، يقول الريس:»الصحافة أكلتني، أكلت لغتي، أصبحت هوسي، حياتي كلها صحافة».
لم يقع الريس، في رشوة الأنظمة، ولا في ارتهاناتها باسم أي قضية ثقافية، ابتعد عن السياسة ولم يخضع لأي أيديولوجية، كان بعيداً عن الأحزاب والتحزب، ابتعد عن المتاجرة بموقعه وموقفه الثقافي المتميز، تم منع منشورات الدار التي يملكها من الدخول إلى أكثر من بلد عربي، هكذا عمل الريس بعرق جبينه، حيث أصدر صحيفة «المنار» أول جريدة عربية مهاجرة، في أواخر السبعينيات من العاصمة البريطانية، لكنها توقفت عن الصدور بسبب خطها الذي لا يقبل الارتهان. وكان الريس قد قدم للقراء مجلته «الناقد»، ولكنها لم تصمد أمام أعاصير الرقابات العربية الشهيرة، ولم يستسلم، وعاد مرة أخرى بمجلة جديدة متحدياً المنع الرسمي العربي من نشر الثقافة الحقيقية، فكانت «النقاد» الأسبوعية؛ أرادها مثله، مرآته، صنوه، من أنفاسه وتعبه، ومن انفتاحه الثقافي والحياتي، ومن همومه المتعددة، التي لعبت دوراً ثقافياً بارزاً ومتقدماً، لكنها توقفت هي الأخرى تحت وطأة ضربات الأنظمة. على الرغم من ذلك لم يتخل الريس عن قناعاته: «إما حرية أو لا حرية».
راهب الثقافة
لم يجعل رياض الريس من مشاريعه الثقافية المتعددة (الصحف، المجلات، دار النشر التي يملكها)، مصيدة للإثراء وللمتاجرة، بالقضايا الثقافية والسياسية، أو محطة تابعة لهذه الجهة أو تلك، اختار أن يسير في طريق التناقضات مهما طالت المسافات، والتزامه من غير استراحة في هودج التاريخ، يقدم لنا بطل المسافات الطويلة في سيرته المعمقة والطويلة، تراكمات الزمن الجميل الذي عاشه رياض الريس، كانت حياته آسرة وخلابة معاً، كان من فرط تعلقه بمشاريعه الثقافية، من مقامات الإبداع أو من مقامات المساهمة الحية الذاتية في الحركة الثقافية، أصبح مشعلاً ثقافياً في ظلمات الواقع المرير. وقف في وسط كل تلك الأمواج من التناقضات، بصفاء المراجع، وبصرامة الناقد، وبرؤية الذاهب إلى الأمام، متفتحاً على ماضيه، ومتطلعاً إلى مستقبل تملؤه الأحلام. كان وفياً بالاسم والمضمون وبالتراث وبالقلب وبالأمل والمكابدة، من أجل نشر ما يخدم الثقافة عموماً.
صندوق بريد
رياض نجيب الريس، من الوجوه الثقافية التي لا يمكن أن تغيب. من الوجوه التي حضورها ضروري وملّح في حياتنا الثقافية التي تحولت بفعل الحروب والصراعات الأهلية إلى ما يشبه الموت والاندثار، وفقدان الذاكرة، لم يستسلم لمرضه، كافح بكل صبر وأناة، كأنه مولود تواً في هذه الحياة وليس ابن الثمانين، ولا نظن هذا الكلام عنه، من مواصفات معممة، أو من نموذجية يومية سائدة، بقدر ما هي مواصفات تخص الريس نفسه، لقد حفر حضوراً متميزاً وطاغياً في صميم الصراعات اللبنانية والعربية المتجددة، عاش بين عدة عوالم خطواتها وتفاصيلها، استخلص منها تساؤلات وأفكار، يحاول تقديم ما في ذاكرته التي وصفها بـ«صندوق بريد»، حيث يقول «ها أنت تقف وحيداً أمام صندوق حياتك، الذي كسائر صناديق الآخرين، لا يفتح بسهولة. وربما سيكون عليك كسره أو رميه على الأرض، ستجد في هذا الصندوق فتات من بطاقات الآخرين البريدية أو قطعاً من صناديقهم فهذا ما يفعله الأصدقاء حين يغيبون. يتركون في ذاكرة من بقي حياً عاداتهم المفضلة، أصواتهم، رؤيتهم للحياة، ونكرانهم المتواصل للموت. وهذا ربما ما أفعله الآن».
تحيات العزلة
حاول الريس في كتابه «صحافي المسافات الطويلة» أن يؤرخ لسيرته ولعزلته معاً من خلال استحضار حياة المدن التي عاشها وأبدع فيها مشاريعه الصحافية. بدا في كتابه كأنه يريد إيصال رسالة لأصدقائه بِأَن كل إنسان له نهاية وبداية حتى مع وجود الأمل في البقاء على قيد الحياة طويلاً. يتبين من بين سطور كتاب الريس أنه سئم الحياة حيث بدت وطأتها ثقيلة. كأن رياض نجيب الريس يحاول رثاء نفسه وهو حي من خلال هذا الكتاب، فسلاماً يا رياض الريس.
٭ صحافي سوري
عبد الرحمن مظهر الهلوش