المْخِيتِيرْ

حجم الخط
0

مضى بي في رواق المحكمة بردائه الأسود حتى وصلنا أريكة خشبيةً استمهلني عندها لحين عودته. هل كان ضروريا أن أرافقه وقد لمَحَ لي في مكتبه بعدم جدوى ذلك؟ لكنني أصررت. لا لشيء إلا لأرى شكل محكمة القرية بعد غياب طويل. وفعلا شتان.
مكثت أرقبه كمن ينصرفُ انصرافَ غيرِ راجع. كان يحمل محفظة ثقيلة ويجر ثوبَه الأسودَ في عناءٍ يحسبُه الناظرُ خيلاءَ. اختفى. حجبه عن بصري بدوي على رأسه رزَّة مُحكمة اللف، أقبل حتى جالسني على الأريكة، فتشاغلتُ بلفات رَزَّته عن الانتظار. كانت تشبه منعرجاتِ طريقٍ وعرة حول جبل تبدو قنته ملساء. حطت عيني على وجهه المُجعَّد المُلوح. كأنني أعرفه. هل يا تُرى هو المخيتير قد ذهب عنه رُهاب المحاكم وسكَنها منذ رأيته قبل ثلاثين سنة. لم أكن يومَها قد بلغتُ العشرين. أرخيت الحبلَ على الغارِب وتتبعتُ بدون وجهة دروبَ «الفيلاج» كما كان يسميه جدي. كلُّ الوقت كان وقتي وكلُّ المكان، كنت في الفضاء لا في المستوى. استسلمتُ للأزقة تقودني حتى بلغت ملتقى زقاقين فاستوقفني مشهدُ محل تجاري واسع يبدو رائجا، بدليل أنه يشمل كل الطابق الأرضي لمنزل كبير في «شوكة» البنايات. كانت الأبوابُ مُشرعةً والناس إليه يدخلون ومنه يخرجون، لولا أن بضاعته لم تكن تُرى بالعين المجردة. لكن.. ما الذي أتى بسَريَّة الجندرمة على بعد أمتار؟ كان أفرادها يرقبون أصحاب الرزات، وأصحابُ الرزات لم يكونوا يقتربون منهم ولا يلتفتون كأنهم نوعٌ من الشجر لا ينبت عند قدمه العشب.. الدولة في الزقاق!
وزج بي الفضول داخل المحل المكتظَّ، فانقشع عن عيني وهجُ الشمس واكتشفتُ نفسي في قاعة محكمة. ولكل داخل دهشة، لكنها قصيرةُ العمر في بلاد الاندهاش. كانت محكمةً في لوحةٍ من لوحات القرون الوسطى، لا عبرة فيها بالإحداثيات وأبعاد المنظور. الكل متداخلٌ في الكل بجسمه ومتباعدٌ بحجمه ومتخارج. ريشةُ يحيى الواسطي مرت هناك ووضعت على رؤوس الحاضرين رزاتٍ ملفوفةً بإحكام وأجلستهم على مقاعدَ خشبيةٍ طويلة أمام منصة فارغة، كان يستند إليها أشخاص لا يظهرون في غبش القاعة بفعل سواد الرداء. ودخل رئيس الجلسة في عجلة من أمره وجلس. إنها ولا ريب محكمة قضاء استعجالي أنشئت في متجر على عجل وكان الإنسان عجولا. كان يبدو قد وصل للتو على متن مروحية، والملفات المكدسة عن يمينه تنتظر نطقا عجولا بالأحكام قبل توقف المحركات ليعود فورا من حيث أتى..
«- محكمة! الملف رقم ستة مِن ستين. المْخِيتِيرْ بْنْ قَدُّور بْن المَعْطِي!» ما فتئ أن مَثـَلَ أمام القاضي شخص لا ريب أنه المْخِيتِيرْ بن قدور بن المعطي. فنطق القاضي بسرعة لم تكن تراعي إنصاته:
– «بسم صاحب الجلالة حكمت المحكمة علنيًّا، حضوريًّا، ابتدائيًّا وانتهائيًّا على المدعو المْخِيتِيرْ بن قدور بن المعطي بالحبس ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ مع صائر الدعوى العمومية والمدنية إلخ.. إلخ..» وهل كان المخيتير يبالي؟ لا بالحكم المطلسم ولا بصبغة التحقير التي اكتسبها اسمُه مع أنه تصغيرٌ لاسم المختار على سبيل الدلال.
لما فرغ من صيغة حكمه المحنطة، أحنى القاضي رأسَه من فوق منصته لينظر في المحكوم عليه. كانت المنصة هي الأثاث الجِدِّي الوحيد الذي يعطي للمحل صفة محكمة. وكان المخيتير منتصبا أمام ذلك الأثاث القضائي في شرود وسهو تدلت له شفته السفلى وكادت تقطر. مكث القاضي برهةً كأنما يميز المخيتير على خلفية أشعة الشمس الساطعة من البوابة، حتى ارتسم في شبكيته. بينما المخيتير يحملق مُنتظرا فكَّ الطلسم المكتوب المنطوق، التقت عيناهما. تأملا في بعضهما بعضا هنيهة ثم علت نبرة القاضي بدارجة حازمة جازمة؛ مثل شيخ ينهر من النافذة صبيا لعوبا نغص عليه قيلولته:
– «سِيرْ …عْندْكْ سْتْ شْهُور سُورْسِي»*
رأيتُ أسارير المخيتير وقد تهللت واستبشرَتْ «بالسُّورْسي» ربما ظنَّ نفسَه منذ ضبطته الجندرمة يسقي حقله ليلا بماء قناة الدولة قد صار في خبر كان ولن يسمع به أحد بعد الآن. فرحتُ لفرحة المخيتير حينها ثم انسحبت..
التفت لجليسي الآن على الأريكة مترددا ثم عزمت وقلت:
– «يا سيدي هل اسمك المْخِيتِيرْ بن قدور بن المعطي؟» سرعان ما التفت إليّ الرجل وعاجلني:
– «أَيّْهْ أولدي هو هذا.. وْنْتَ وْلِيدِي وكيلْ الملك؟» فكاد يُغمى عليَّ من حسِّ المقايضة.

٭ قاص من المغرب

المْخِيتِيرْ

رضا نازه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية