خوان رامون خمنيث… وحكمة حماره «بلاتيرو» التي لا تنفد

لم آت إلى مدريد، حين تزوجتَ زنوبيا، كان يحيطُ بك صديقاكَ روبن داريو وفرانشيسكو فيليا بيسا، كنت في جلستك تلك جلسة زفافك لا تأبه بالموسيقى ولا بالراقصين لأنك بين فترة وأخرى تدير رأسك نحو صديقك فرانشكو وتهمس في أذنه أيها الصداح اقرأ لي من شعرك، وما أن ينتهي تهمس في أذن صديقك داريو، يا داريو إقرا لي من شِعرَك، رغم انتظارك لمثل هذا اليوم وحبك لزنوبيا، زنوبيا التي أخبرتك بحبها لطاغور وأتت بمنتجه إسبانيا لإسبانيا.
لم آت لمدريد لأرى ما ترك لك رامون الذي منحك بعد موته ساعته الفضية وحصانه وبندقية صيده، وأنت ترى الأشياءَ كلها كخيط من الزجاج المائي، تستمتع بذكريات أجديليا، أجديليا التي كانت تبعث اليكَ بالتوت والقرنفل من شارع ولسول، وسرورك بذلك أن تعبث بالغروب وتقترن كتؤامين بحمارك (بلاتيرو)، تغمرك صداقته بالحكمة الأخلاقية، وبلحن صوته العذب وأنتما تشمان روائح البرتقال الحامض والتين ورائحة الأعناب والعسل.
حين حل الخسوف فقدت دجاجاتك، وحين تعاقبت دورة واحدة للأرض وحل الكسوف لا منظار ولا قارورة ولا قطعة من زجاجٍ مستهلك تضعها على عينيك كي ترى ماذا سيفعل الحوت بالنجم المدور، ولم تجد ما يساعدك كي تسأل الشمس ما حل بها، استدرت أنت وبلاتيرو نحو الطرق الميسمية في الجبال، وعندما اختفى العالم من حولك:
غن يابلاتيرو غن
إنحن عند قدميك وغنّ:
عنزاتك ستبقى يارامون
بين أشجار اللوز
والقمرُ يعود صبيا
ملتفا بسحابة بيضاء
وكيس حكايانا لا ينفذ
رغم البرد الشديد
أنفاسنا لا تتقطع من الركض
في جيوبنا
أوراق الأزهار البلورية
وومضة هادئة
من البرق.
هذه المرة، لم أخبرك حين وصلت بعربة البريد لم أخبرك بوصولي كونك كنت تنتظر تاجر الأدوات الكتابية وصائغ الفضة، ما أشدك وأنت تنتظر، أنت تنتظر شيئا تجهله إلى أن تضع عليه نقش (خوان رامون خمينث) سنصفق لك كونك انتظرت طويلا وحمارك الوديع لا يفر من هول تفكيرك. فر القطارُ إلى الشمال ثم الجادة العالية ثم السُّحب، أما أنا يا صديقي رامون حين وجدتك عالقا بانتظارك لتاجر الأدوات الكتابية انحدرت نحو الحقول الصفراء التي تشرب من أجنحة الفراشات ليصنع لها شهر أيلول تيجانا من الرّماد. هذه المرة أنا أغني لكما، لك يارامون ولبلاتور الوديع، أغني لكما بعد أن تذهب الناس في سنتياغو إلى الصلاة.
عليكما أن تسمعا أغنيتي أنا كاتبها وأنا مُغنيها:
ليس لي مع القوارب درب
ولا مع الماشية درب
ثمة لا ضوء
لا عصا
ليس لي
مع الليل درب،
في العودة
إن استطعت
سأبكي مع الأمطار
وإن توقفت الأمطار
أبكي مع الأشجار
وإن توقفت الريح
سأبكي
وصخرة مثقوبة
ترك الرعاة عليها
لفافات تبغ

ولأني لن أراكَ، سأشرب بصحة حمارك زبيب التين، وبصحتك نبيذ السكر، وأطلب من أي كلب أجرب وبموافقة الشرطة أن يعضني. ثمة مناسبات أخرى، صاحت خلفي زنوبيا وهي تحمل بيديها طاغور، صاحت:
ثمة مناسبات أخرى.
كانت النار تمضي إلى السواد والناقوس إلى الصمت.
ونهيق بلاتيرو الوديع يمضي إلى آذان أهالي (لاس مخناس)، وأنا صديقك يا رامون سأعود يوما ما وساعي البريد وأجد روح بلاتيرو الورقية قد صعدت إلى السماء بحمولة من الفاكهة لا تعيده ثانية إلى الأرض.
وأجدكَ كإله جليل في يديه الشمس، يرمي بها كل صباح فوق لاس منخاس، حيث بعد ذلك لا كسوف ولا خسوف ولا دون خوسيه القسيس، ثمة صنوبرة وأطفال وخبز أسود.

٭ كاتب عراقي

خوان رامون خمنيث… وحكمة حماره «بلاتيرو» التي لا تنفد

قيس مجيد المولى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية