لا يوجد لدينا حشيش!

منذ فترةٍ ليست بالبعيدة تماماً، أثناء فترة تدريبٍ قضيتها في مستشفيات جامعة القاهرة، الأقدم والأعرق في الشرق الأوسط، بالأدلة الدامغة وكما يحلو لخريجيها أن يكرروا متباهين وقبلهم المنتمون للأسر المزمنة فيها، التي يتوارث أبناؤها مهنة التدريس والأستاذية، جيلاً بعد جيل طموحاً وطمعاً في الديمومة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
تصادف أثناء تلك الفترة أن زارت قسم التخدير فيها طبيبةٌ استشارية تخصصت في علاج الآلام في المملكة المتحدة (وقد تبين لي لاحقاً مدى شهرتها ونفوذها واتصالاتها). على شرف استقبالها تم حشد عددٍ لا بأس به من الأبدان (ما يزيد على أصابع اليد الواحدة) فجلس في الصف الأول الأساتذة الداعون ومن تصادف مرورهم (ربما لم يكن لدى بعضهم مشاغل أخرى) ونُفي الأطباء المتدربون إلى الصف الخلفي.
حينذاك تفضلت مشكورةً بإلقاء محاضرة عرضت فيها للأساليب والعقاقير المستخدمة في علاج الآلام المزمنة، وكان من ضمن ما ذكرت أن القنب الهندي، أي الحشيش في اللغة الدارجة، قد ثبت علمياً أن له منافع واستخداماً في علاج حالاتٍ خاصةٍ بعينها، ومن ثم سألت مستفسرةً بتلقائيةٍ وبراءةٍ شديدتين إن كان يوجد لدينا في مصر حشيش، فما كان من الأساتذة الأشاوس الجلوس في الصف الأول سوى أن انبروا مجتمعين، بتلقائيةٍ شديدة ومذهلة هم الآخرون، ليذودوا عن حوض الوطن ويدفعوا بعيداً عنه أي تشهيرٍ أو افتراءٍ رخيص من شأنه أن يلطخ جبينه أو يشوه سمعته فأجابوا في حدةٍ: لا يوجد لدينا حشيش.
تلقت السيدة الرد فلم تعقب، وكدنا نحن المنزوون في الصفوف الخلفية أن نتساقط ضحكاً، كاتمين بالكاد قهقهاتنا ممتنين للظلام النسبي الذي اقتضاه عرض شرائح المحاضرة عبر الكشاف الضوئي.
ردهم كان حاسماً قاطعاً، لا يحتمل اختلافاً ولا يسمح بأي فرجةٍ تتسلل منها روايةٌ، أو رؤيةٌ أو ردٌ آخر، كان الرواية الرسمية، الوحيدة متسقين كليةً وفي انسجامٍ تام في بلد الدين الأوحد والمذهب الأوحد والرئيس الأوحد والحزب الأوحد والمعركة الوحيدة التي لا يعلو فوق صوتها صوت، ولا عجب في ذلك فهم مسكونون بهذه الوحدانية ولم يعرفوا غيرها. بيسرٍ شديد مرقت هذه الحكاية من خلال أستار الذاكرة بصدد تقرير»هيومن رايتس ووتش» عما أسمته تعذيباً منهجياً في السجون المصرية وهو ما أكدته أيضاً لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، وصفا التعذيب بالممنهج وانتقدا ممارسات النظام التي تصل إلى جرائم بحق الإنسانية، ووثقا أماكن التعذيب وأساليبها ككشوف العذرية والكشف الشرجي (وهما اغتصابٌ في تقييمي الشخصي) كما أفاد تقرير اللجنة الأممية بأنه يحدث في أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز والمقار التابعة للأمن الوطني، خاصةً بعد عمليات الاعتقال التعسفي.
كما هو متوقع تماماً، كسيناريو فيلم أو مسلسل رديء تستطيع أن تتنبأ بأحداثه، بل وحوار الأبطال فيه بالكلمة، حيث انبرت جوقة الطبالين من أبواق النظام لتدفع التهمة عن جبين الوطن، فاتهموها بدعم الإرهاب وأجندات دولٍ بعينها وتعمد تشويه صورة مصر، بل وقد جوَّد وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، إذ وصف «هيومن رايتس ووتش» بـ»الصهيوحقوقية»، ولا أشك كثيراً في أنه هنأ نفسه كثيراً في غبطةٍ فياضة على صكه كلمة كتلك، وربما احتفت به والدته وزوجه وبقية الأسرة والجيران والشرذمة القليلة التي سمعت بالتقرير من أعضاء ذلك التنظيم السري الكائن في البعد (اكس) من العالم الافتراضي المسمى بمجلس الشعب، ولعل تلك كانت أكبر مزحة تخللت ذلك الضجيج، إذ بغض النظر عن كون المفارقة البائسة ذكرتني بعادل إمام في مسرحية «مدرسة المشاغبين» حين سرق سيارة رئيس مكتب مكافحة سرقة السيارات، فقد دفع بي ذلك النائب للتساؤل: إذا كان ذلك هو رد المختص بحقوق الإنسان في التنظيم، فما عساه رد رئيس قلم البصاصين الاشرار والعسس الخبيثين والجلادين المسمى اصطلاحاً بوزارة الداخلية والأمن الوطني («الأفاتار» أو التجسد الجديد لأمن الدولة؟).
وتمادياً في الإبهار وتطوير الأداء حجبت الدولة موقع «هيومن رايتس ووتش»! وفي ذلك دلالةٌ أخرى بليغة بأن النظام لا يأبه بأحد ويعامل كل المنصات على قدم المساواة، فكونها منظمةً دولية لا يعني أنه يجوز لها ما لا يجوز لغيرها من مواقع مصرية عديدة لا تحصى، حجبت كمدى مصر وبالأحمر، بل يجري عليها ما يجري عليهم، تماماً كما قتل من قبل ريجيني في إثباتٍ عملي أن الدولة ، عكس ما زعمه الراجل جورج طرابيشي، ليست مسكونة بالغرب والخواجة وأنها تساوي إذ تصفي بدون اعتبارٍ لجنسٍ أو لون أو جواز سفر.
بيد أن للأمر بعيداً عن شقه الفكاهي العبثي البذيء شقان، خارجي وداخلي، وفي الحالتين فإن النظام وما تبقى من شبه دولته يضربان أروع مثال في كيف لا تكون السياسة وكيف تُفشل دولةً وتحطم بلداً بأقصر الطرق.
فعلى الصعيد الخارجي، هاك مثالٌ حي لعاقبة تسلط منظومة أمنية قمعية يقوم عليها جهلاء متبلدون على السلطة، ومحاولة وزارة الخارجية، العريقة صاحبة التجربة المتراكمة، اللهاث وراءهم مغطين ومبررين ما يضعهم في مواقف سخيفة ومحرجة. لعبةٌ هي السياسة، وكأي لعبة لها قواعدها وأصولها، مصالحها وتوازناتها.
وعلى ذلك فلا بد من الاعتراف بأن الغرب والدول الكبرى كثيراً، بل دائماً ما غضت الطرف عن ممارسات دولٍ حليفة، مقابل مصالح بعينها أهم لدى تلك الدول من تلك الاعتبارات، محتفظين بتلك الملفات الشائكة كورقة ضغط حين اللزوم، إلا أن ما يبدو أن نظام السيسي لا يدركه هو أن الحاجة لعصاه الغليظة ليست ملحةً الآن، كما عبر عن ذلك وقف المعونة، كما أن نظامه الذي يتسول كل شيء ويبيع جزراً استراتيجية، لا يملك رفاهية التعالي الفارغ و»العنطزة» وردوداً سخيفة من عينة، «لم لا تلتفتون إلى دولٍ أخرى» كأن مصر هي الصين مثلاً، وهم في ذلك أشبه ما يكونون بامرأةٍ متزوجة ضبطت في علاقةٍ برجلٍ آخر، وحين عيرها نسوة الحي فزفوها وجرسوها ردت «لم أنا دون غيري؟» ما بال تفيدة وبهانة وبخاطرها العمشة فهن أيضاً يخن! أنا لا أقبل أن يخوض أحدٌ في شرفي. (ساعتها تتلقى الرد نفسه الذي ينبغي أن يتلقاه الرافضون المنددون: اتنيلي!).
فمجرد التجاهل والإنكار لا يكفيان ولا يحلان المشكلة، ناهيك بالطبع عن كيفية التعامل مع السياسة الدولية التي لا يمكن أن يسلكوا فيها النهج الأرعن العنيف نفسه، كما يفعلون مع المصريين على رأي والدة ريجيني.
مما يقودنا إلى الشق الآخر من المعضلة، وهو الذي لا يحسب النظام له حساباً يتناسب مع ثقله، بل يبدو منسياً في أحيانٍ كثيرة: الشعب المصري أو رجل الشارع: أتراه لا يعلم يقيناً أن الضرب والنفخ والاعتداءات الجنسية والرشى ليست ممارساتٍ يومية معتادة في أقسام الشرطة وسلخانات أمن الدولة؟ حتى المحظوظون ألا يحتكون بمن لا ظهر لهم يحميهم من عسف الشرطة؟
كأن الناس كانوا ينتظرون التقرير والاعتراف به من عدمه. كأنهم لا أقارب لهم ومعارف يقبعون في سجنٍ ما، ويدركون أن كل ذلك الثمن المدفوع عمراً ودماً بلا مقابل في غيبة أي إنجازاتٍ حقيقية، وحتى هذه لو وجدت، فلن تقلل من فداحة الجرم.
يبدو أن كل شيءٍ يشعر النظام بالتهديد، وكلما غضب على شخصٍ شوهه وشهر به، وكلما خاصم صحيفةً أو مؤسسةً وقرر ألا يلعب معها حجبها أو أغلقها، فذلك مبلغه من العلم، حجب صحفا وأغلق مكتباتٍ وربما غداً محل عطارةٍ من تلك التي تبيع مساحيق للشجاعة والرجولة مرسوما عليها رجالٌ مفتولو العضلات بشوارب كأشاوس حزب البعث العراقي السابق، لئلا تتسرب شجاعةٌ إلى من يتعاطاها فيتجرأ على النظام.
السؤال هو: لم لا يغلقون كل الصحف حتى الرسمية التي تخسر ويقطعون علاقاتهم بالغرب والشرق ويقفلون تلك الدولة- الدكان مصر ويعلنونها عزبة مملوكة حصراً للزعيم المفدى ويفضونها سيرة؟
كاتب مصري

لا يوجد لدينا حشيش!

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية