يبحث الكاتب الأمريكي هاري جي جنسلر، الأستاذ بجامعة لويولا شيكاغو، في كتاب «الأخلاق والدين» في عالمين يتكامل أحدهما بالآخر، وفي الوقت نفسه ينعزل كل واحدٍ منهما عن الآخر بحثاً عن الإنسانية التي تسعى إليها الأخلاق والدين معاً.
مبيناً في كتابه الذي ترجمه العراقي رعد زامل، أن الأخلاق والدين هما حقلان مهمان وكبيران في الحياة، وهذا الكتاب يسبر غور بعض القضايا الفلسفية الأساسية بربطه لهذين الحقلين معاً، وقبل محاولته تحليل كل مبدأ ومفهوم في الكتاب، يوضّب جنسلر أفكاره الأساسية في الفلسفة، الأخلاق، والدين.
ففي حديثه عن الفلسفة، يشير إلى أننا يمكننا أن نكتشف كيفية ارتباط الأخلاق بالدين باستخدامنا لأنظمة متنوعة، التاريخ، القانون، الأنثروبولوجيا، السوسيولوجيا، الأدب، الإحياء، الفلسفة وهلم جراً، إن طريقتنا الفلسفية تناقش بشكل عقلاني أسئلة كبرى حول الأخلاق والدين، فالفلسفة هي التفكير بأسئلة الحياة الكبرى، ولو أجريت بحثاً على شبكة الانترنت حول الأخلاق والدين، فالقضية الأكبر ستكون هل إن الله هو منشئ الأخلاق؟ سيجيب بعضنا بالإيجاب والآخر يرفض، لذا ألا يمكننا من دون الله أن نمتلك واجبات حقيقية؟ ستكون هذه قضيتنا الأساسية في هذا الكتاب، وهي ليست كقضية حيازة الملحدين على امتلاك الأخلاق فيكونون بذلك بشراً صالحين، وعملياً كل المفكرين أجابوا عن هذا السؤال بالإيجاب، إن قضيتنا تتركز نوعاً ما فيما إذا كان للأخلاق معنى بدون الله!
أما في حديثه عن الأخلاق، فقد أسماها (حقلَ الحياة) ولكننا يمكن أن ننظر إلى الأخلاق على أنها فلسفة الأخلاق، أي الدراسة الفلسفية لهذا الحقل، والفلسفة الأخلاقية تركز على قضيتين أساسيتين هما: ما بعد الأخلاق: ما هي طبيعة الأخلاقية وكيف نفكر بالقضايا الأخلاقية؟ والأخلاق المعيارية: كيف ينبغي لنا أن نعيش؟ ومن هنا فللفلسفة الأخلاقية، استناداً على ذلك، فرعان رئيسان: إن علم ما وراء الأخلاق يدرس طبيعة وطرائق الأخلاقية، فيطرح أسئلة مثل ما يعني الخير والواجب؟ ما الصلاح والإكراه؟ هل تعبر الأحكام الأخلاقية عن أعراف ثقافية ومشاعر شخصية وحقائق واضحة بذاتها وأوامر سماوية؟ هل هناك حقائق أخلاقية موضوعية أو وقائع حول الصواب والخطأ؟ كيف نبرر أو ندافع أو نتبصر بأنواع الإيمان الأخلاقي إن كان بوسعنا ذلك؟ كيف ينبغي لنا أن نعيش، هذا ما تدرسه الأخلاق المعيارية فتقترح معايير وقيماً وفضائل عامة أو محددة، وتطرح أسئلة من قبيل: ما الخير وما الجدير بالاعتبار في الحياة؟ وما يكون عليه المجتمع العادل؟ ما الذي يجعل المرء صالحاً؟ ما الفضائل الأساسية وما الرذائل؟ ما حقوق الإنسان الأساسية؟ وهل للقتل أن يبرر؟ هل الإجهاض حلال أم حرام؟ إن هذا الكتاب يتناول الحقلين معاً، وسؤالنا البديهي: هل إن الله هو منشئ الأخلاق؟ إنه تساؤل متعلق بما وراء الأخلاق، سأستعمل الأخلاق والأخلاقية بشكل قابل للتبادل.
أما الدين من وجهة نظر الكاتب، فيأتي بمعنى واسع ليتضمن أحياناً أدياناً توحيدية ومشركة أو ملحدة، «إنني أستعمل هذا المعنى الواسع عندما أشير إلى أن القاعدة الذهبية قاعدة عامة بشكل عملي لكل دين، وعندما أناقش الأديان الإلحادية مثل اليهودية البشرية، عادة أتناول الدين بشكل أضيق كالديانة التوحيدية، إذ إن الله مفهوم في الديانات التوحيدية الكبرى تقريباً كما اتفق على ذلك كوبليستون ورسل في جدلهما في الإذاعة على أنه «السامي المميز عن العالم وخالق الكون» في حين إنني كمسيحي أقول: إن أغلب القضايا المهمة متشابهة في اليهودية، الإسلام، الأديان الأخرى مع الله السامي.
وبعد أن قسّم جنسلر كتابه إلى ثلاثة أقسام «الأخلاق بوصفه وصايا الله، الأخلاق والقوانين الطبيعية، والأخلاق والإلحاد، يطرح استنتاجاته من خلال إجاباته على أسئلة ابتكرها لفهم الموضوع بشكل موسّع: كيف يرتبط العلم بالأسئلة الفلسفية الكبرى حول الأخلاق والدين؟
مبيناً أن العلم بحد ذاته لا يستطيع الإجابة عن مثل هذه الأسئلة، فالعلم بحد ذاته لا يستطيع أن يبين كيف ينبغي لنا أن نعيش أو فيما إذا كانت هناك حقائق أخلاقية موضوعية أم لا. أو إن كان ثمة إله موجود أم لا. أحياناً، يبدو أن العلم بحد ذاته من الممكن أن يجيب على مثل هذه الأسئلة، ولكن تفعيل التفكير بعناية سيبين لنا فرضيات غير علمية وليست معلنة. إن علم الكلام والموالفة الدقيقة، على سبيل المثال، يلتمسان معلومات علمية، ولكن اشتقاق الاستنتاجات عن الله يتطلب إضافة فرضيات غيبية (بالنسبة إلى علم الكلام) أو فرضيات معيارية عن أيّ التفاسير التي نقبلها أو نفضلها (بالنسبة إلى الموالفة الدقيقة). كما أن العلم الإلحادي الشائع يعطي غالباً معلومات علمية ومن ثم يضع (استنتاجاً علميّاً) حول عدم وجود حقائق أخلاقية موضوعية أو الله. فنحتاج أن نسأل، ما هي الفرضيات الأبعد تلك المطلوبة لوضع الاستنتاج بمعايير منطـــقية صـــارمة؟ وهل إن تلك الفرضيات الأبعد مبررة؟
أما السؤال الثاني الذي طرحه جنسلر: هل أن علم الكلام والموالفة الدقيقة يبينان نقصان الادعاءات الإلحادية المفحوصة آنفاً؟ مقدماً بذلك أمثله كثيرة، منها: «إن الدين ينقصه الدليل والعلم يرفض تصديقه» علم الكلام والموالفة الدقيقة يبينان ذلك من نواح أخرى. «إن الحجم الهائل للكون والعوامل العشوائية التي أنتجت البشر تبين لنا أن البشر لا يمتلكون مكاناً خاصاً بهم (موقع امتياز) في هذا العالم الفاقد للغرض». إن الموالفة الدقيقة تبين ذلك في مكان آخر: إن التركيب الأساسي للعالم (القوانين الفيزيائية والثوابت) قد تم تأسيسها لكي تنتج حياة ذكية. ولذلك فالكائنات الذكية (نحن وما يمكن أن يوجد على كواكب بعيدة) على أهمية جوهرية للعالم. «إن الشعور يجرنا إلى الدين بينما العقل يجرنا جانباً، يجب أن نتبع العقل بدلاً من الشعور». مع علم الكلام والموالفة الدقيقة يختلف الأمر، فالشعور والعقل معاً يجراننا إلى الإيمان بالله. إن الإيمان لا يخشى العقل، إذا تم اتباع العقل بعمق. «إن العلم هو أفضل تفسير للعالم والذي لا يحتاج إلى الله».
في حين كان سؤاله الثالث: ما التضمينات الدينية والأخلاقية الأوسع لعلم الكلام والموالفة الدقيقة؟ كاشفاً أن علم الكلام والموالفة الدقيقة يضعان هذه الادعاءات: علم الكلام: إن العالم بدأ في الوجود ولسبب شخصي (الله). الموالفة الدقيقة: إن العالم قد تم خلقه من قبل كائن ذكي (الله)، والذي أراد إنتاج حياة ذكية والذي أسس العالم بضبط عظيم لكي يؤدي إلى هذه النتيجة. ومن ثمَّ فإن علم الكلام يسند وجود الله (الذي هو محور الدين التوحيدي والأخلاق الإيمانية) وإنه يشبه كثيراً سفر التكوين1:1 (في البدء، خلق الله السموات والأرض). لذلك نحن نمتلك العقل المسنود بالإيمان في قضية أساسية وهذا أمر سيجعل القديس توما الأكويني مسروراً.
كما أن الموالفة الدقيقة تمضي بشكل أبعد بالحديث عن الله بوصفه الكائن الذكي الذي يتصرف بقصد يؤدي إلى مخلوقات ذكية. بالمعنى الإنجيلي أن الله قد خلقنا على (صورته ومثاله) (سفر التكوين1: 27). بطبيعة الأمر أن البشر (وأية مخلوقات ذكية أخرى على كواكب أخرى) ما هم إلا محاكاة ضعيفة لذكاء الله الهائل. ولكن يبقى الأمر على مغزى. نحن نشبه الله أكثر من أي مخلوقات أخرى (من الكواكب والصخور والأشجار) لأننا نمتلك الذكاء والإرادة الحرة. نحن مميزون في هذا الكون بسبب تشابهنا مع الله.
سؤال جنسلر الرابع: هل أن علم الكلام والموالفة الدقيقة يتناسبان تماماً مع منهج القانون الطبيعي؟ فيرى أن القانون الطبيعي يدعي أن الله يهتم بهذا العالم من خلال قوانين مختلفة الأنواع، بما فيها القوانين الفيزيائية. وفي الموالفة الدقيقة إن الله يهتم بنا حتى من خلال الثوابت الفيزيائية، تلك التي تجعل وجود مخلوقات ذكية مثلنا أمراً ممكناً. فضلاً عن أن عقلانية القانون الطبيعي قدمت مبدأ التفكير العملي الأسمى (حول أن نكون بشكل واضح على وعي بالحقائق، وأن نتجنب الأكاذيب ونكون على استقامة) ولازمة قاعدته الذهبية. إنها ليست إلا قفزة قصيرة لنفترض أن الله في علم الكلام والموالفة الدقيقة عاقل بدرجة عليا وسيعرف ويتبع هذه الأمور. ولكن من ثم سوف يُتوقع منه أن يكون بدرجة عليا حكيماً ومحبوباً لكي يعرف الحقائق الأخلاقية كلها ويحيا باستقامة معها، وبالنتيجة يكون الخير المتعالي.
وفي سؤاله الخامس: ما يقول علم الكلام والموالفة الدقيقة حول الكشف الإلهي؟
لا يعتقد الكاتب أنهما يقوداننا إلى نتائج ثابتة حول الأمر. ولكنهما يسمحان بالتبصر الأبعد أو بالإيمان. إن فرانسيس كولينز وأنطوني فلو توصلا إلى الله من خلال الموالفة الدقيقة بعد ذلك سلكا سبلاً مختلفة كولينز تقبل الكشف (وأصبح مسيحيّاً متشدداً) ولكن فلو متردد باتخاذ الخطوة اللاحقة. ولكن علم الكلام والموالفة الدقيقة يثيران هذه القضية على الأقل.
ويتبع جنسلر توما الأكويني تقريباً هنا. مرة أن نؤمن بربنا الشخصي فيجب ان لا نعتقد أن من المحتمل سيكشف عن نفسه لنا بطريقة حميمة أكثر. لذلك سنبحث عن كشف وأشارات لأصالته. إن الأكويني وجد الكشف في المسيحية وإشارات أصالته في معجزات المسيح. «إن رؤيتي ستكون معقدة أكثر لأنني أعتقد أن الله يمكن أن يكشف عن نفسه من خلال تقاليد دينية متنوعة. أرى أن تقارير المعجزات دليلاً ضعيفاً بسبب أنها شائعة جدّاً وأن المسيح، كما ذكرت التقارير قد فضل أن يؤمن الناس لكلماته بدلاً من المعجزات. (يوحنا 4: 41، 4: 48). وسأضع وزناً أكثر لمعجزة انبعاث المسيح، التي شهد على صحتها شهود كثيرون زعموا حصولها مباشرة وكانوا مستعدين للموت من أجل إيمانهم. إن بضعة مؤلفين يضعون قضية مؤثرة حول هذه الأسس من أجل دور المسيح الخاص بوصفه سفيراً بين الله والبشر».
السؤال الأخير الذي قدمه جنسلر يقول: ما الذي يكشفه علم الكلام والموالفة الدقيقة بشكل أبعد حول الصفات الإلهية؟ فيجيب عنه: بينما علم الكلام والموالفة الدقيقة يعطيان فكرة غامضة عن الله، يمكننا التماس استبصار أو كشف أبعد حول الصفات الإلهية. مرة أخرى، سأتبع توما الأكويني تقريباً. فبعد وصوله إلى الله باعتباره المحرك الأول أو العلة غير المسبّبة، استعمل حججاً معقولة ليوسعها نحو فكرة كاملة عن الله.
هاري جي. جنسلر: «الأخلاق والدين»
ترجمة: رعد زامل
دار الرافدين، بيروت، 2017
312 صفحة.