التاريخ بين المحكيات العرضية والمتخيل المشترك

حجم الخط
0

 

يشترك التاريخ والرواية في «السرد»، أي في نوع النص. فالتاريخ تدوين تسجيلي للوقائع والأحداث؛ فهو «سرد توثيقي»، بينما الرواية تخييل له، أي أنها سرد للمتخيل التاريخي المدون في الوثائق، والفرق أنَّ التاريخ ينطلق من يقين الوثيقة والشخوص والتوقيعات والقرائن المكانية والزمانية اللسانية وغير اللسانية، والرواية تستند إلى مقصدية الكاتب ووجهة نظر السارد المهيمن أو مجموع الساردين المتناوبين على رواية الوقائع والأحداث الموثقة في الكتب والتسجيلات والصور. لذلك يسمح السرد التاريخي بإمكانيات تأويل السرد التوثيقي، في حين يجعل التخييل التاريخي في الرواية التأويل بمعنى إرجاع الوقائع التاريخية إلى الحدث الأول والأصل أمرا شبه مستحيل. فكل ما تقترحه الرواية المشتغلة على الوثيقة التاريخية – حقيقية أو مبتدعة – هو تفسير المعطيات وانفتاح الأفق أمام القارئ والكاتب على درجة واحدة، ولا يحدد الاختلاف بينهما إلا المستوى المعرفي والزاوية التي يقف فيها كل منهما على حدة.
اعتمدت الروايات التاريخية المبكرة لوالتر سكوت وألكسندر دوما الأب وجورجي زيدان على مفهوم القصة والعِبرة، فجاءت الرواية إعادة صياغة الوقائع والأحداث، لتأكيد العِبرة وتيسير إعادة تناقلها وترسيخ تأثيرها. والمعطى السردي التخييلي الذي يخرج بالتخييل فيها من «الدرجة صفر» يتمثل في ابتداع «قصة عاطفية» تظهر كنتوء سردي؛ أي كمحكي سردي صغير غير تام على خلفية تاريخية توثيقية وتسجيلية.
أما الرواية الحديثة فإنها تنطلق من الشكّ كتقنية وكمنهج في استقراء الوثائق، وتعتمد على التفسير الذي يسمح للكاتب الروائي بالتدخل في نص الوثيقة التسجيلية، وإعادة كتابة التاريخ وفق مقصدية جديدة ومغايرة، والسعي وراء تحويل التاريخ إلى متخيل جمعي (متخيل مشترك) وينزع عنه هالة التقديس والوثوقية. وهو ما وقفنا عليه في رواية «موت مختلف» لمحمد برادة، الذي جعل من الثورة الفرنسية ومبادئها الإنسانية مادة أساسية (متخيلا مشتركا) لبناء متخيله الروائي السردي.
في رواية «بيت الكراهية» يعود الروائي السوري محمد برهان إلى الاشتغال الذكي على الوثيقة التاريخية ويسترجع وقائع وأحداث محاصرة وسقوط غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر. يقول الوزير المبتدئ: «نحن الآن في مطلع العام 1499 أي سبع سنوات بعد سقوط غرناطة في يد الملكَيْن القشتاليين إيزابيلا وزوجها فيرناندو. تبدو المدينة قد ألفت الهدوء الحذر إثر أحداث سوق البيازين. فقد استطاع القس طلبيرة بهدوئه المعهود تطويق أزمة كادت تودي بالمدينة. وأرسل برسالة مفصلة إلى الملكين في إشبيلية يشرح لهما ما حدث..».
يظهر من لغة النص المجتزأ أنه يضع التحديد التاريخي معتمدا على الوثوقية من خلال المعينات المكانية والزمانية غير اللسانية وهي: العام 1499، سوق البيازين، إشبيلية، سقوط غرناطة، قشتالة، بالإضافة إلى أسماء العلم الكاملة التي تنتقل بالسرد من الشخصية المتخيلة إلى الشخص الواقعي: الملكة إيزابيلا وزوجها الملك فرناندو والقس طلبيرة.
ويبدو أن السرد التاريخي ينحو بالمتخيل نحو التوثيق والتسجيل التاريخيين، إلا أن الأمر ليس كذلك، لقد بنى الكاتب روايته على التداخل الزمني و«التاريخي»، وذلك لتحقيق قصدية محورية وعليها تقوم فكرة الخطاب الروائي ورسالته المعرفية والإنسانية والمتمثلة في:
– هل التدوين التاريخي ووقائع الماضي وأحداثه كلها مقدسة، ومن ثمة ينبغي التصديق عليها واسترجاعها لتتحول إلى نير يثقل كاهل الإنسان المعاصر؟
– ألا يمكننا التعامل بالنقد والتمحيص ودحض وتفكيك سلطة الماضي لكي نتمكن من تحرير الحاضر، وبالتالي تخليص الفكر والإنسان من أخطاء الأجداد؟
– ألا يمكن التساؤل حول الفكرة التالية: إن من مشكلات الحاضر ما هو امتداد بصيغ مختلفة ومتنوعة لفكرة الماضي التي تحولت في الأذهان إلى تمثلات راسخة وقوانين وأعراف تفرض نفسها كسلطة قهرية لا كحقيقة علمية؟
ما من شك في أن التاريخ الذي يحتفظ بالوقائع والأحداث بين الشعوب والأمم، وحتى تاريخ الأشخاص والأفراد، مهمٌ ويستطيع في كثير من الأحيان الإجابة على أسئلة حديثة ومعاصرة، نظرا للتكرار الذي يشهده التاريخ في تحولاته وخاصة في التقاطعات التاريخية الكبرى. ولكن هناك أيضا وجه آخر للتاريخ، إنه تحكم الأموات في الأحياء، وتعطيل لقوانين الطبيعة، وإخلال بمنطق التطور والتغيير والحول. إن منطق الزمن وهو منطق التاريخ يقول بالتقدم والتطور نحو الأمام، لا التراجع والتقهقر نحو الخلف. ثم إن مادة التاريخ ليست كلها صالحة للتفاعل والتأقلم والاندماج مع وفي كل الأزمنة اللاحقة.
إن فكرة الرواية تقوم على طرح أسئلة مصيرية ووجودية كبيرة ومقلقة على عقل الإنسان المعاصر:
– من أين تأتي كراهية الإنسان لأخيه الإنسان؟
– لماذا تنشب الحروب بين الشعوب، فيكون ضحيتها الإنسان من الطرفين المتحاربين أو أكثر؟
– هل يمكن للحب أن يبدد غيوم وكدر الكراهية؟
– هل يمكن للعقل أن ينتصر على الرغبة والغريزة والميول النفسية والمصالح الضيقة للفئات النافذة في السلطة؟
– هل يمكن للعلم أن يسد ثقوب وثغرات التاريخ البشري؟
وغيرها…
يبني الكاتب في «بيت الكراهية» عالمين متوازيين ومتداخلين في آن؛ ومكونات كل فضاء تخييلي وتاريخي تحمل دلالتها المباشرة في ذاتها:
-الفضاء التاريخي: يبدأ مع سقوط غرناطة ونهاية الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبداية محنة الموريسكيين مع انتشار محاكم التفتيش، وحملات التنصير الفردي ثم الإجباري الجماعي، والأهم بداية تهجير وتقتيل وتعذيب المسلمين واليهود، وهذه أول تغريبة اضطهادية تحت راية الدين والاختلاف العرقي والفكري والثقافي. يقول الكاردنال ثيسنروس في المخطوطة العربية التي دونها خليل الوراق بالعربية: «يوما ما، سنرمي كل الموريسكيين الأقذار في محرقة كهذه، وتنتهي حكايتهم للأبد».
ـ شخصياته، وبينهم:
– ثيسنروس: الكاردينال الذي قاد حملات التفتيش والتنصير والتهجير وحرق الكتب العربية وتدمير المعالم الحضارية العمرانية الإسلامية أو تحويلها وطمس معالمها، وبيع النساء المسلمات واليهوديات في أسواق نخاسة المستحدثة.
– طلبيرة: القس الطيب كما وصفه الكاتب عدلاي، وهو يهودي متنصر، تدرج في الكنيسة ليحتل مرتبة هامة، ويبدو في المناظرات المدونة بالمخطوطات مدافعا عن بعض حقوق المسلمين واليهود وحضارتهم. لكن ثيسنروس الشرس المتعطش للانتقام والمليء بالكراهية والحقد، يستغل يهوديته الأولى لينحيها جانبا وينفرد بالقرارات القاسية والجائرة.
– تادنليا: الدوق الذي سيحضره ثيسنروس شاهدا على محاضر المناظرات، لكنه سيتحول تحت رحمة وقهر ثيسنروس إلى قائد حملات التفتيش والتعذيب وحرق الكتب العربية والعبرية في باب حي الرملة، وأيضا إلى قائد حملات صد هجمات الثوار القدمين من الضواحي والجبل.
المتواليات السردية الشائقة والممتعة في الرواية تخرج بمنطق التاريخ المتواتر والتراتبي، وتخترق سكونية السرد، وتتمثل في الحجاج أو لنسمها باسمها «المغالطات». وهذه آراء يسوقها صاحبها للمساجلة والمجادلة والإقناع، لكنها في حقيقتها ليس سوى ادعاءات، وإرغامات خارج ما هو علمي ولغوي ونصي، ومنها هذا المجتزأ القصير الذي يحتمي خلفه ثيسنروس ويخفي كراهيته وحقده الشخصي على المسلمين واليهود، إنه «يوظف» الدين (الكنيسة) والملكيْن (إيزبيلا وفرناندو) لقضاء مآربه في الاغتناء والنفوذ والتسلط والاستحواذ على القرار، المجتزأ كذلك إشارة إلى الجواب عن سؤال: لماذا ينبغي دَفن الماضي، بعض الماضي في الزمن الحاضر وفي الفترة المعاصرة؟
يجيب ثيسنروس على اعتراض القس طلبيرة على التصعيد العنيف بالقول الآتي: «لا أرى أهمية كبرى للتهدئة. وخططنا التي باركتها الملكة والملك تفضي في النهاية إلى ضرورة تنصير كل الموريسكيين أو طردهم من الديار. إن التهدئة معارضة واضحة لمشيئة الرب، ولإرادة الملكين. كما أنها تشتيت للوقت. فما تقول أيها الراهب الحميم؟».
وإن ثيسنروس يحمل مسؤولية تنصير وتعذيب وقتل وتهجير المسلمين واليهود من شبه الجزيرة الإيبيرية للمشيئة الإلهية، وهذه هي المغالطة الكبرى التي ما تزال مستمرة حتى اليوم وتحت غطائها يتكرر التاريخ، فتباد أمم وتقهر شعوب وتدمر حضارات. وهي ليست سوى رغبات شخصية، أو نعرات ونزعات طائفية متسلطة وقهرية.
محمد برهان: «بيت الكراهية»
دار فضاءات، عَمان 2017
212 صفحة.

التاريخ بين المحكيات العرضية والمتخيل المشترك
«بيت الكراهية» للروائي السوري محمد برهان:
محمد معتصم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية