غالبا ما نتلمس الحقيقة عبر التوازن، حيث تنزلق في المنطقة الوسطى بين المتناقضات المتناحرة في حدودها القصوى، لتعيد إخراجها من جديد على نحو أكثر فرادة وعمقا، وربما أكثر وضوحا. وتماهيا مع هذه الفكرة طور إريك فروم نظرية اللاوعي البشري حينما استطاع أن يوجِد ذلك التوازن بين أفكار سيغموند فرويد وكارل ماركس، تماما على ذلك الخط الوسط بين ما شدد عليه فرويد، بأن محددات شخصية الإنسان ناتجة عن دوافعه البيولوجية الكامنة ومحاولته الدائمة لقمعها؛ وبين ما قال به ماركس، من أن الإنسان حصيلة أنظمة مجتمعه الاقتصادية. تجاوز فروم كل العوامل الحتمية التي تكلم عنها الاثنان إلى بعد آخر، وقدّم مضافا جديدا إلى محركات اللاوعي، وشرح تأثيره المتبادل الأثر في سيرورة النظم الاجتماعية والاقتصادية. هذا المضاف اعتمد اعتمادا كليا على مفهوم الحرية، فبالنسبة إلى فروم فإن الحرية هي محور الطبيعة البشرية ومحدد شخصيتها. وفي معرض شرح هذه الحرية قدّم فروم جملة من التساؤلات التي حاول من خلالها أن يحلل وينقد بنية الإنسان المعاصر النفسية، بادئا من التساؤل عما إذا كانت الحرية مشكلة سيكولوجية؟ وهل يمكن أن تصبح الحرية عبئا ثقيلا ودافعا للهروب منها؟ في المقابل، هل تنازع تلك الرغبة الفطرية بالحرية، رغبة معاكسة محمومة على الطاعة والاستسلام؟
لا يمتثل مفهوم الحرية دائما للمعنى الإيجابي البراق، كالذي يمكن أن ينتفض في مخيلة المفكر بالحرية حين يمر بها. وبالحديث عن الحرية يتوجب التفريق بين ما يمكن أن تعنيه «الحرية من»، كواقعة تلقائية لا مفر من حدوثها، وكاستجابة طبيعية لتغير المعطيات الاجتماعية والاقتصادية؛ وبين ما تعنيه «الحرية»، أو الانعتاق بمفهومه الواسع المتأني الذاتي الطوعي. فهما ليستا بالضرورة على نفس ذلك القدر من الإيجابية الفعالة التي تستدعي التحريض المتجدد على الشعور بالارتياح والرضا. فقد أنتجت حرية الإنسان المعاصر التي كانت في الغالب من نوع «الحرية من» مردودا مزدوج الأثر، انحصر بين:
ـ أولا، الإعتقاد بأن الفرد نجح أخيرا في التحرر من سلطة الطبيعة وخرق علاقته الأصيلة بها، وحاجته إليها كما كان الحال أيضا مع سلطة الدين والأنظمة الديكتاتورية الشمولية، التي اعتقد بأنها انتهت إلى غير رجعة بانتهاء الحربين العالميتين، وبأنه امتلك زمام أموره وأصبح قادرا على تلمس فردانيته والشعور بقيمة ذاته أكثر.
ـ وثانيا، وفي الوقت نفسه، إحساسه العميق بالعزلة والوحدة وتنامي حدة القلق والشعور بالعجز المطلق على التأثير بالآخر أو التأثر به، وهذا التفرد والانعزال معا قوّضا قوته، وأضعفاه، ورفعا من نسبة شعوره بالعدمية والاكتئاب (كما تحب أن تسميه الأغلبية اليوم بـ»مرض العصر»).
يفسر هذا الأثر المزدوج، في انعاكاسات الحرية الفردية على المجتمع، رغبة الفرد من جديد للهروب من حريته وسعيه للالتحام مجددا بالعالم الخارجي الذي فقده، ومن ثم الإذعان لشروطه، حيث يسيطر الخوف المعلن نتيجة شعوره بالانفصال عن نشاطه، ويطالبه بإعادة وصل العلاقات. وبتمعن بسيط نجد أن الكثير من نشاطات التطرف الديني والغلواء الوطني والقومي، وصولا إلى الحرب في الكثير من الأحيان، بغض النظر عن كم التدهور الذي ساقت وضع الحياة البشرية إليه، أنها مع ذلك أحيت روابط العلاقات بين الأفراد، ودفعت بهم إلى بعضهم بعضا، وقدمت لهم ملجأ من الشعور بالعزلة والانفصال عن العالم.
يقول فروم، في «الهروب من الحرية»: كلما حصل الإنسان على مزيد من الشعور بالحرية، بمعنى الانفصال وكسر تلك الوحدة الأصيلة بين الإنسان والإنسان، والإنسان والطبيعة؛ كلما شعر بفرديته أكثر، ولكن في ذات للوقت لن يتبقى أمامه إلا خيار الانغماس مع العالم مرة أخرى، وهذا سيدمر حريته من جديد، وينغص صفاء فردانيته».
إلا أن الخنوع السلبي ليس هو الطريق الوحيد لتجنب الوحدة والقلق. فالطريق الممكن الآخر، الطريق الفاعل الوحيد الذي لا يمكن أن ينتهي إلى صراع عقيم الحل، هو الانغماس أكثر في عفوية العلاقة بين الانسان والطبيعة عن طريق الحب والعمل المنتج، وهي علاقة تربط الفرد بالعالم دون أن تستأصل فرديته كما يعبّر عنها فروم، لأنها نابعة من الخيار الذاتي الواعي بمفهوم الحرية الذاتية دون محرضات قسرية تستدعي مشاعر القلق أو التوتر.
عملت الحاجة إلى الاتصال بالعالم الخارجي من جديد، وتقديم الولاء له بتأثير متبادل الفاعلية، على سيرورة التغيير الدائم للحاجات النفسية عند الإنسان المعاصر وإعادة هيكلتها من جهة، وتغيير وجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى.
لم يملك الفرد شعورا بالفردية أو الحرية في المجتمع الإقطاعي، وانتشرت طبقة العبيد التي على العكس كبحت جماح كرامتها وشعرت بأنها محظوظة لتوفر الأرض والأمن من قبل الأوساط العسكرية والملوك الأقوياء، الذين دافعوا عن عبيدهم ضد القبائل المتحاربة. لكن الفرد في العصور الوسطى انسجم مع دوره، سواء أكان فلاحا أو فارسا أو صاحب لقب آخر، ولم تكن حرفته من باب المصادفة، بينما كانت حريته ناقصة ومقيدة بالنظام الاجتماعي المسيطر، حيث جرى التصور بأن هذا النظام هو النظام الطبيعي لاكتمال شعور الأمان والانتماء، على حساب الشعور بالتنافس والإبداع، الذي لم يلق أي اهتمام. يصف جاكوب بوركهارت بأنه في العصور الوسطى كان كلا جانبي الوعي الانساني (المرتد الى الداخل منه، أو ذلك الذي كان يلتفت الى الخارج)، مستقلين في حالة حلم أو حالة نصف وعي، تحت ستار مشترك منسوج من الإيمان والوهم والتحيز الطفولي، حيث لم يكن الإنسان يدرك نفسه إلا كعضو في جنس بشري، أو في قوم، أو في حزب، أو في أسرة. فيما بعد، كان الإصلاح البروتستانتي وصعود الرأسمالية في الغرب قد أعادا نشاط الإنسان في البحث عن فرديته وإشباع متطلباته الجديدة ضمن مفهوم «الحرية من»، ببطء. وهكذا بدأت النزعة الفردية بالتنامي، ودمرت البنية الاجتماعية للقرون الوسطى ليبدأ ظهور فردا أكثر حداثة.
مهد ذلك إلى بداية عصر النهضة الذي كان الأكثر لمعانا في إيطاليا حينذاك، حيث حطم الفرد الإقطاعي لأول مرة روابطه مع الأرض، وتحدى كل شروط الأمان التي كانت تظلله، وأصبحت إيطاليا «المولود الأول بين أولاد أوروبا الحديثة»، على حد تعبير بوركهارت، فتطورت معها طبقة ثرية جديدة محت فروقات الأصل السائدة، واستبدلتها بفروقات الثروة، حيث امتلأ أعضاؤها بروح المبادرة والقوة والطموح، كما يعبّر فروم. وبهذا كان عصر النهضة البداية الحقيقية الأولى للنزعة الفردية التي أخذت في التبلور فيما بعد.
ملأت الرأسمالية المتزايدة ثغرات الحرية المنشودة، وتجلت تلك الحرية في أشكال اجتماعية وسياسية متجددة كانت الطبقة الوسطى حاملها وصانعها. قدّمت إلى العلن فردا أكثر طموحا ومسؤولية وقدرة على استحضار النقد وفهمه، لم يلبث أن وقع فيما بعد في فخ الانتاج والاستهلاك، وتحول إلى تابع للإنتاج يعمل من أجل الربح، وينتج لأجل الاستهلاك. ولقد عبّر فروم عن آليات الهروب من الحرية بثلاثة أشكال أساسية، كانت الرد الأوضح منه على تعاظم شعور العزلة والقلق أمام تعاظم الشعور بالحرية والفردانية والمسؤولية، كانت كالآتي:
أولا السلطوية، أو ذلك المطلب بالتماهي مع الآخر حيث يتحلل الشعور بالاختلاف والمسؤولية التي تفرضه الحرية، إما عن طريق الانصياع ضمن نظام مركب سلفا وتطبيق تعاليمه، أو باختراع الهيكل السلطوي الذي يمكنه من فرض قوانينه على البقية.
ثانيا التدميرية، أو السعي إلى إعادة الأشياء إلى حالتها المعدومة، حالة الدرجة صفر، وذلك إما بالانتقام من الذات على المستوى الداخلي الفيزيولوجي كما يحدث في الإدمان وغيره؛ أو من الآخر على المستوى الخارجي، متمثلا بالصراعات والحروب وما الى هنالك من أساليب الدمار.
واخيرا بالتوافق الانساني الآلي، الذي يمكن الانسان من الانسلاخ عن ذاته، ويسلبه قدرته على تركيب أي دافع فردي للمنافسة يجعله قادرا على التلون أو التغير، دون ان تكون له مرجعية مبدئية في أي شيء يختاره أو يقوم به.
تتخطى حرية الانسان المعاصر الغربي، كما يحللها فروم بالأدوات السيكولوجية، المعيار الأحادي والإيجابي لمفهوم الحرية، وتتحول عنده إلى نفق تنفلت عند نهاية العبور منه أشكال وتعبيرات نفسية مختلفة، تصب معظمها في مفهوم الدفاع عن الوجود وكسر حاجز الخوف من العزلة، وقد تنقلب في معظم الأحيان لتحذو حذو الاتجاه المعاكس. ولكن تبقى الحرية، بمحددات «الحرية من»، الدافع الرئيسي الذي كان ولايزال المحرك الأكبر في سيرورة التغيير النفسي الذي يعاود وينهزم أمام نفسه، في سيرورة موازية تعيد إنتاجه في ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة.
وليس بالامكان الانفلات من هذه السيرورة إلى ما يدعى بالحرية الإيجابية، إلا بانسحاب الوعي الذاتي إلى أماكن أبعد من الحاجة إلى «الحرية من»، تًترجم بـ»الحرية من أجل»، وتتجلى بأهداف تشتغل على تخليص الذات من سلطتها على نفسها، وتتغذى على التفاؤل والحب العفوي والعمل المنتج.