سدراتة ـ جنوب الجزائرـ «القدس العربي»: صحراء مترامية الأطراف، ممتدة على مرمى النظر، وسط بيداء مقفرة، تختزن في جوفها مدينة أثرية عريقة، تضم قصورا، أحاطتها في عهد مضى حدائق خضراء، وسط واحات النخيل الباسقة، لتشكل جميعها أطلال «إسدراتن» أو سدراتة، الواقعة جنوب الجزائر، معبرة عن قصة تحدي الإنسان لجبروت الطبيعة وتطويعه لها.
وصلت رفقة عدد من سكان مدينة «وارجلان» التي تسمى إداريا ورقلة، الواقعة 800 كلم جنوب العاصمة الجزائر، إلى محيط المدينة الأثرية المختفية في غياهب الرمال، والمعروفة في المنطقة الصحراوية، وكانت لقرون، حاضرةً عامرةً، نبتت وسط البيداء المقفرة.
ارتسم لنا ونحن ننزل من السيارات الرباعية الدفع، وسيلة النقل المفضلة والمعتمدة في هذه الربوع، منظر تلك الفَلاة، المنبسطة الواسعة. مرت علينا لحظات من السكينة والصمت المذهل، استشعرنا ذلك الهدوء الفريد، لغياب مظاهر الحياة وانعدام الحركة في الأجواء.
لم تكن هذه الصورة المرتسمة على وجوه أي زائر للمدينة، البعيدة نحو 14 كلم عن وسط ورقلة، تعبر بداية عن جوهر المكان وحقيقته، وكأنها تغريه، حتى يتقدم بخيلاء إلى الداخل، وتحفزه ليرتوي بالمزيد من أسرارها.
وكعادة هذه المعالم الفريدة، يشترط على الفضولي الوافد إلى المكان، أن يتسلح بمعرفة واسعة عن أسرار الحواضر الصحراوية.
لا تزال إسدراتن مثلما يصر سكان المدينة من الأمازيغ، على تسمية مستقر أجدادهم قديما، مثار فضول الباحثين، خصوصا الأجانب، والمستشرقين منهم، الذين عشقوها ونقبوا في معالمها.
خليفة تيهرت
اعتبرت الكتابات التاريخية، سدراتة، إحدى أكبر المدن الجزائرية في العصور الوسطى، وأميزها، بطابعها الفريد وسط تلك البيداء الشاسعة، بمميزاتها العمرانية الفريدة، وماؤها اللجاج الدافق من رمال الصحراء.
الكثير من الروايات تذهب إلى أن الرستميين الأمازيغ، الإباضية، ساهموا في عمارة هذه القصور، بعد تدمير عاصمتهم تيهرت (شمال شرق العاصمة الجزائر) من قبل الفاطميين، مطلع الألفية الماضية.
لسنوات وعقود ظلت المدينة لغزا لدى الباحثين والمهتمين، مع وجود قلة، تُكَذب أصلا وجودها، معتبرة إياها، مجرد أسطورة، من نسج خيال الرواة، وآخرون كانوا أكثر تحفظا، فلم ينفوا وجود المدينة، لكنهم أقروا بزوالها النهائي.
أشار باحثون في تحديد تاريخها، إلى أدوات حجرية، عثروا عليها بالمنطقة الممتدة جنوب سدراته، واعتبروها الدليل المادي، على أن الموقع كان معروفاً خلال فترة ما بعد العصر الحجري، والعصر الحجري الحديث.
لغز محير
مع رفض نفر من الباحثين الاعتراف بوجود مدينة سميت «سدراتة» أو الذين ادعوا اختفاءها النهائي، ظل السكان، والأهالي من أبناء المنطقة، على إيمانهم الراسخ بوجودها في محيطهم، لكنهم عجزوا عن تقديم قرائن وأدلة تسند روايتهم.
مكان تواجدها الخفي بدوره، كان الآخر عاملا مثبطا في إثبات الروايات المتعلقة بها، وكان الحصول على شواهد تسند ما يذهب إليه المتحمسون عائقا إضافيا لما سبق.
المستشرقون كانوا واثقين عكس المشككين من دقة معلوماتهم المستقاة من مصادر تاريخية، ومضوا في التنقيب بحثا عن قرائن تقودهم إلى إماطة اللثام عن لغز المدينة.
اعتبر باحثون مثل جون ليتيو، أن تأسيس المدينة يعود إلى مطلع القرن الأول الهجري والسابع ميلادي، ويروي أن بعض المسلمين استقروا في جبل نفوسة، ثم اتجه نفر منهم إلى وادي مية، لكون المنطقة كانت تعرف بنشاطها التجاري المزدهر. وأضاف في أحد مؤلفاته: «مهما يكن من أمر فعن طريق القوافل القادمة من زنجبار والسود، تحولت المنطقة إلى مركزٍ تجاري هام، وظلت هذه المعطيات من دون سند ثابث أو قرائن واضحة تؤكد هذه التوجهات والحقائق.
غياب الامكانيات، وعدم توفر إرادة راسخة، أو تسخير للوسائل، كانت جميعها عوامل عسرت على الباحثين الوصول إلى حقائق، أو التوصل إلى سدراتة، التي بدأت تتحول إلى أسطورة بمرور الوقت.
انكشاف السر
مع وصول القوات الفرنسية عند احتلالها الجزائر، إلى جنوب البلاد، واقتحام ولاية ورقلة، شكّلت المدينة محور اهتمام عدد من الباحثين، والرحّالة، الذين تقاطروا على مختلف المناطق، بحثا وتنقيبا، عن كنوزٍ معرفيةٍ ظلت لعهود مطموسة ومطمورة وطي الكتمان.
هنري دفيري، وشارل فيرو، كانا من أوائل الباحثين الذين ركزوا على معالم سدراتة، وآلوا جهودا معتبرة لاكتشاف المدينة، التي شاعت الروايات حول طمس رمال الصحراء لقصورها، وآثارها،
وحفزهم الفضول على نفض الغبار، عن حصونها، وترميم معالمها.
خلال الحقبة الفرنسية تهافت على المنطقة باحثون من عدة معاهد متخصصة، على غرار لو دفيك فيل، وفيكتور لارجو، وبلانشي، والمهندس فوشير ومارغريت، وكان لكل واحد منهم مساهمة متراكمة، في إخراج المدينة إلى النور، وإبراز أهميتها وغناها وثرائها.
مدينة غمرتها الرمال
تسلح الباحثون الأجانب بقرائن وشواهد كانت في حوزتهم، وكان لتوفرهم على بعض الامكانيات، وإيمانهم الراسخ بدقة معلوماتهم التاريخية، الدور في وصولهم بعد سنوات من البحث والتنقيب، إلى اكتشاف أطلال المدينة تدريجيا.
عمت الفرحة سكان المنطقة بعد الوصول إلى عمق سدراتة المدينة التي ردمتها رمال الصحراء، وطمست كافة معالمها، ودثرت مبانيها، وابتلعت قصورها، بما احتوته من كنوز وآثار واحتفظت بالسر لعقود وقرون.
تحت أنقاض الرمال
أطلال مدينة سدراتة التي اكتشفت حوالي 1878 كانت منطلق الباحثين لاستكمال أعمال التنقيب، سعيا منهم لنفض الرمال عن معالمها الرئيسية، وتحديد موقعها بدقة، ومساحتها الكلية.
بالقرب من مصب وادي «مائة» الممتد من جنوب غرب جبل العباد، إلى قارة كريمة جنوبا، وإلى حوالي 20 كلم شمال مدينة ورقلة، نبتت سدراتة، وسط الصحراء المقفرة.
اختيار الأهالي للموقع المميز، دافعه الرئيسي قربه من مورد المياه، وهو المورد الحيوي النادر في الفيافي، ومصدر استقرار المجموعات البشرية.
على مساحة تقدر بحوالي كيلومترين مربعين، وجد المكتشفون مجموعة من المباني، وسط تلال يتراوح ارتفاعها بين 140م إلى 150م، يحيط بها من الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية سلسلة من الجبال، كانت بمنزلة شريط دفاعي يحصن جهات المدينة.
تأسيس سدراتة في هذا الموقع يوضح طابعها الدفاعي، وكونها ملجأ احتمى به السكان الذين فروا من الحروب التي عاشوها في تيهرت، التي أبادتها القبائل من البدو الرحل.
وركز الأهالي في تشييد أسوار المدينة على سطوح مستوية صعبة المسالك بارتفاع شامخ يصعب اقتحامها من أي جهة كانت.
وكانت هذه الميزات الطبيعية التي تتجلى في الموقع لوجوده في مفترق طرق القوافل التجارية، أبرز الأسباب الرئيسية المساعدة على استقرار المجموعات البشرية وظهور حضارة راقية لاتزال آثارها ماثلة للعيان.
شواهد وآثار عريقة
يشير بومعقل سليمان بن محمد الباحث في تاريخ المنطقة، لـ«القدس العربي» أن السكان والأهالي في وارجلان يناشدون الجميع، من مؤسسات وسلطات وجمعيات ومراكز أبحاث، على ضرورة التدخل العاجل لإعادة إحياء المدينة.
واعتبر أن الجهود الحالية بالامكانيات المسخرة لا تستجيب للتحديات التي تفرضها الأعمال الجارية لاكتشاف المدينة الأثرية.
ويعود بومعقل إلى دلالة اسم المدينة، معتبرا أنه يخص فرعا من فروع قبيلة زناتة الأمازيغية، والمشهورة بتنقلاتها بين عدة مناطق دول المغرب، ولهذا يتركز أبناؤها في جبل نفوسة جنوب طرابلس الغرب، وشرق الجزائر، وورقلة.
ويضيف أن سدراتة، تعد جزءا من منطقة «وارقلان» وأسسها الإباضية بعد سقوط مدينة تيهرت سنة 909.
ويستطرد أنه في المقابل توجد روايات أخرى لباحثين مثل مارغريت فان برشم، تذهب إلى أن الإباضية بعد فرارهم من تيهرت لم يجدوا سدراتة أرضا قاحلة جدباء، بل كانت عامرة منذ عهود غابرة. ويضيف أن النازحين الجدد نهضوا بها أكثر، وساهموا في تطويرها، مستفيدين من خبراتهم في المجال العمراني، واستعانوا بخبراتهم المتراكمة لديهم، والتقدم الذي وصلوا إليه في مدينتهم البائدة.
وعند سؤاله عن المعالم المكتشفة من المدينة يعتبر الباحث أن المنقبين في آثار سدراتة توصلوا إلى بقايا المسجد الذي كان عبارة عن مبنى بأزيد من 12 دعامة اسطوانية الشكل، مرتبة على ثلاثة صفوف، تعلوها عشرون قبة مربعة القاعدة.
ويشير إلى أن المنقبين وجودا قصرا واسعا، عبر بدوره عن عظمة المدينة بحجراته المتعددة، لكنه لم يتم حفره بشكل كامل، فظلت المعرفة بتفاصيله قرينة الباب الوحيد المفتوح من جهة الشرق، والمزين بثلاثة أقواس حدوية الشكل، تعتمد على أربع سواري اسطوانية تعلوها تيجان لافتة.
كنوز تحت الأنقاض
ويكشف بومعقل أن عددا من الباحثين توصلوا بعد سنوات من التنقيب إلى إماطة اللثام عن المدينة، ومعرفة تفاصيل وافية عن الحياة فيها، وتوضح جوانب من ازدهارها قبل قرون خلت.
ويعتبر أن هؤلاء توفرت لهم الامكانيات والدعم من أجل التنقيب عن آثار المدينة، التي لا تزال حتى الآن أجزاء منها مطمورة تحت كثبان الرمل، وغمرتها من كل جانب.
ويؤكد أن موقعها بين التيارات الهوائية، وسط رمال الصحراء المتحركة، عوامل تصعب من مهمة الباحثين، مما يستوجب على السلطات أن تسخر فرقا، مدعمة بامكانيات كبيرة، لتحقيق تقدم في مهامها.
ويعتبر الباحث أن جغرافية المنطقة تصعب من عمليات البحث لكونها تتسم بالرياح القوية التي تهب من كل الجهات وتنقل كميات من الرمل التي تطمس باستمرار كافة معالم المدينة وتدثر من جديد الأطلال التي يتم اكتشافها.
ويشدد على أن عمق المكان لا يزال يخبئ المزيد من القطع النفيسة والكنوز التي لا تقدر بثمن وتعزز من الحقائق التي تشير إلى أن سدراتة كانت حاضرة غنية في زمانها وواحة غناء كانت قبلة القوافل ومستقرا لأقوام استوطنت المكان وأغرمت به.
ويستدل بما أشار له الدكتور بورويبة رشيد في مقاله نقلا عن ملاحظات الباحثة مارغاريت فان برشم انطلاقا من حفرياتها، واكتشافها شبكة كانت تسقي البساتين من سدراتة إلى مناطق نائية في ورقلة والواحات الأخرى. وأضافت أن تلك الشبكة بنيت بطريقة فريدة وتدفقت في قنوات واسعة امتدت لمسافات طويلة مياها من آبار عدة حفرت في نواحي المنطقة.
السقوط
عند سؤالنا الباحث عن سبب سقوط سدراتة بالرغم من تقدمها العمراني اللافت في تلك الفترة، اعتبر أنها كغيرها من المدن والقصور تعرضت لهجمات عديدة، خصوصا من قبل الفاطميين خلال ملاحقتهم للرستميين في بداية القرن العاشر الميلادي. وتحدث عن هجمات الأمير المنصور بن الناصر الحمادي في القرن الحادي عشر، وكانت الضربة القاضية على يد بني غانية وهذا لأسباب دينية وسياسية واقتصادية.
وفي مؤلف قدمه لنا الباحث كتابه عن تاريخ المدينة، اطلعت «القدس العربي» على نسخة منه، نجد تحديد عدد من الأسباب لسقوط الحاضرة، بالتأكيد أن «سدراتة» لم ينزح عنها أهلها إلا بعدما خربها يحي بن اسحاق الميورقي المعروف بابن غانية سنة 1227. وتذهب الرواية إلى أنه بعد مغادرة الجيوش الغازية دمرت مصادر المياه، مورد السكان الحيوي في الفلاة، لهذا اندثرت المباني التي كانوا شيدوها وأخفتها الرمال.
زيارات سنوية
يعكف سكان ورقلة على تنظيم زيارات سنوية لمدينة سدراتة في فصل الربيع، وتنظيم مهرجان شعبي يحضره الجميع لاستذكار تاريخ أجدادهم، والاقتراب من أطلال حاضرتهم، والوقوف على ما تبقى منها، وسلم من الخراب، ومعاينة المعالم التي أزيحت عنها الرمال، واستلهام العبر والدروس منها.
وتعتبر هذه الزيارات بمثابة تحد، وصرخة يطلقها سنويا السكان مناشدين السلطات للوقوف بحزم أمام عمليات التخريب التي تطال مدينتهم، والتي تتعرض لطمس حقيقي لمعالمها، ونهب لمحيطها، والتوسع على حساب المكان، المصنف جزءا من ذاكرة سكان المنطقة.
غادرت مع هبوب نسمات المساء، وقبل أفول قرص الشمس من سماء وارجلان، محيط مدينة سدراتة، وأصوات وآهات خفية تتسلل من عمق الرمال، التي لا تزال تضم في ثناياها أسرار رجال أشداء، طوعوا البيداء، بصبر، وأناة، واستقروا في فلاة، حولوها لجنات تجري حولها أنهار خالدة.
كان واضحا ان هذه الأصوات هي أنين من عاش في المكان، وهو يستذكر حال أرضه قبل غزو الرعاع عليهم، وتدميرهم لآبار المياه، ومصادر الشرب المورد الأساسي لعيش الناس، واستيطانهم المكان لتتحول الحاضرة إلى صحراء قاحلة موحشة.
حزت في نفوسنا تلك المناجاة الخفية لسكان يتحسرون حال الأيام الخوالي، حينما كانت المياه تتدفق في قنوات واسعة، تُسقي الأرض، وتروي ظمأ السكان، وتُغني أيامهم.
تركنا بحسرة، أطلال مدينة كانت محط التقاء قوافل مرت من هناك، واستلذ بعضهم العيش في هذه الأرض، وكم كان الفراق صعب لترك مدينة سدراتة التي ودعناها، في انتظار نفض الغبار عنها يوما.
سليمان حاج إبراهيم