الحريات العامة إلى تراجع في لبنان نتيجة «التسوية السياسية»

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» رلى موفّق ثمة انطباع قوي يسود الناشطين في ميادين عدة ونخباً ثقافية وقادة رأي بأن مساحة الحريات في لبنان ولاسيما حرية التعبير تضيق يوماً بعد يوم، وأن القادم لا يشي بواقع أفضل بل بمزيد من التكبيل والقيود. قد يرى البعض في هذا التوصيف قدراً من المبالغة، لكن ما تشهده البلاد من عمليات تدجين وترغيب وترهيب ودعاوى ضد ناشطين وإعلاميين وحتى سياسيين يرفع منسوب المخاوف مما قد ينتظر الحريات العامة في البلاد، في ظل الشعور بسقوط البلاد أكثر تحت قبضة «حزب الله» ولاسيما بعد «التسوية السياسية» التي آلت إلى انتخاب مرشح المحور الإيراني رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية مقابل مجيء رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري رئيساً للحكومة، وهو زعيم الأكثرية البرلمانية التي كانت محسوبة على قوى الرابع عشر من آذار والمناوئة لذلك المحور، والذي جرى الإطاحة بحكومته الأولى عام 2011 من الرابية- مقر إقامة عون- بقرار من «حزب الله» ورعاته الإقليميين، واضطر إلى مغادرة البلاد لسنوات بفعل المحاذير الأمنية.
و«الانطباع أن مساحة حرية التعبير تضيق في لبنان هو في محله»، يقول الناشط السياسي والإعلامي نوفل ضوء الذي يُعتبر اليوم من القلائل الذين يتمتعون بجرأة مواجهة الواقع الراهن، و«التشبيه بأننا نعيش مرحلة وصاية جديدة تحاول أن تفرض نفسها على الوضع السياسي في لبنان مشابهة للوصاية السورية في بداية التسعينات هو تشبيه صحيح. فهناك اليوم محاولة واضحة لقمع الحياة السياسية بالمطلق في البلد وبطبيعة الحال عندما يكون هناك تحكُّم في مسار الحياة السياسية سينعكس ذلك على الحريات العامة وحرية التعبير، لأن حرية التعبير مرتبطة بشكل أساسي بالنظام السياسي القائم في البلد. وكلما تعرّض هذا النظام لمضايقات ولعملية احتواء وكلما تعرضت المؤسسات الدستورية إلى تهميش دورها كلما استُهدفت أكثر الحريات. فالقمع السياسي من دون قمع حريات لا يؤدي إلى أي مكان. فالأنظمة تذهب عادة إلى قمع الحريات العامة، إذ بقمع حرية التعبير يتم منع أي تغيير أو أي عملية مقاومة لوضع اليد وفرض الأمر الواقع على المؤسسات الدستورية أو على البلد».
الأمثلة التي يستند إليها القلقون كثيرة. لكن أجدّها هو إلغاء احتفال شعبي في ساحة الشهداء قبل يوم واحد من موعده كان دعا إليه وزيرا الدفاع والسياحة يعقوب صراف وأواديس كيدانيان (المحسوبين على التيار الوطني الحر) للاحتفاء بانتصار الجيش اللبناني في معركة «فجر الجرود» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في جرود القاع ورأس بعلبك، وقيل في بيان الإلغاء إن «السبب لوجستي»، لكن التبرير لم يُقنع جزءاً كبيراً من اللبنانيين. ويذهب الناشط والكاتب السياسي حنا صالح المُعارض بقوة لـ»حالة الارتهان القائمة» إلى القول «إنه جرى قمع اللبنانيين من أن يُعبّروا بشكل جماعي عن ابتهاجهم بأن جيشهم قادر على استرداد السيادة والقرار وحماية البلد من دون أي دور للميليشيات. ويبدو أن الهيمنة الإيرانية الكاملة التي تشكل التحدي الأكبر أمام لبنان لن تمر إلا بنهج كم الأفواه». وهو يرى أن «التسوية السياسية التي منحت مجموعة من الأطراف من الطبقة الحاكمة مقاعد في السلطة، فرضت عليهم منذ اللحظة الأولى الالتزام بقرار سياسي واحد. وكل ما نشهده من احتجاجات هنا وهناك هي لذر الرماد في عيون الناخبين ومؤيدي هذه القوى بدليل أن القافلة التي يسوسها (أمين عام «حزب الله» السيد) نصر الله ماشية دون توقف حتى الآن».
ما كان متوقعاً هو أن يشكل احتفال ساحة الشهداء ذات الطابع الوطني رداً غير معلن على احتفال بعلبك ذات الطابع الفئوي والمذهبي، الذي دعا نصر الله «المقاومة والشعب» إلى إقامته، في يوم الوقوف في عرفة، منقياً المكان وهو «جوار المسجد التاريخي حيث سبيت عائلة الإمام الحسين وأحبائه وحيث جيئ برأسه وبرؤوس الشهداء، ليقول المضحون بفلذات أكبادهم: يا ابا عبد الله الحسين عليه السلام، من تلك الساحة قبل سنوات أطلقنا شعار لن تسبى زينب مرتين. لقد وفينا بما عاهدناك عليه فلم نكن من أؤلئك الذين قالوا لك وعاهدوك وخانوك وخذلوك وتركوك».
ما كان متوقعاً هو أن يعيد التاريخ نفسه في مشهد مماثل برمزيته لمشهد 14 آذار 2005 في تلك الساحة بالذات ردأً على احتفال 8 آذار الذي أقامه آنذاك نصر الله في ساحة رياض الصلح مقابل السراي الحكومي كي يقول «شكراً سوريا»، ولذلك تنحو قراءة المراقبين إلى أن مشهد الالتفاف حول السلاح الشرعي في هذه اللحظة يضعف الحزب الذي ظن أنه نجح في معركة جرود عرسال بإقناع أطياف مسيحية بأنه الضمانة لهم في وجه الإرهاب، فإذا بهم يستعيدون الثقة بالجيش الذي كان على الداوم ينظرون إليه على أنه حاميهم.
الأمثلة التي تستدعي القلق كثيرة. فليس بالخبر العادي أن يرفع وزير في الحكومة دعاوى قضائية بالجملة بتهم التشهير بهدر المال العام ودفع رشاوى وقدح وذم ضد سياسيين ومنهم نواباً للأمة، وضد إعلاميين وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية شبهات طاولته في صفقة كهرباء تعود إلى وزارته، ولا تزال الصفقة عالقة حتى الآن، بفعل تداعيات تلك الانتقادات والتساؤلات والوثائق والمستندات التي تمّ كشفها. وإذا كان حنا صالح يرى أن تعاطي وزير الطاقة سيزار أبي خليل (المحسوب بدوره على التيار الوطني الحر) في هذه القضية يّعبر عن تبرُّم وذروة في الانزعاج من الرأي ومن الاحتجاج الذي يطال الفئة الأساسية المهيمنة على البلد، بدليل اللجوء إلى مقابلة النقد وطرح الأسئلة وطلب الإيضاحات برفع دعاوى قضائية بدل الطلب من الهيئات الرقابية والقضائية التحقق وإظهار حقيقة ما يشوب الصفقة المهينة لذكاء اللبنانيين والتي فيها سرقة موصوفة بمئات الملايين، فإن نوفل ضو الذي طالته الدعاوى يعتبر «أن هناك اليوم ثنائية حاكمة هي ثنائية السلاح الذي يغطي الفساد في مقابل الفساد السياسي والمالي الذي يغطي السلاح. ومن الواضح أن فريقي الفساد والوصاية دخلا في تسوية على قاعدة أن السلاح يسمح بوصول البعض إلى السلطة وتوزيع مغانمها في ما بينهم في مقابل ان هذه السلطة تسمح لسلاح «حزب الله» أن يستمر في فرض الأمر الواقع على البلد».
لكن ما يزيد الأمر سوءاً هو تزايد الكلام عن استدعات أمنية تتم لناشطين وطلاب وحتى مواطنين على خلفية مواقف وكتابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو في بيئاتهم وقراهم هي في غالبيتها مُعارضة لنهج «حزب الله» ولاسيما تدخله في سوريا ومشاركته في قتل الشعب السوري وتهجيره. وإذا كان الكثير من الحالات تبقى طي الكتمان، وإذا كان مدير مؤسسة «لايف» الحقوقية المحامي نبيل الحلبي يشير إلى إبلاغ معارضين سوريين عديدين المؤسسة عن استدعاء جهاز «أمن الدولة» لهم وسؤالهم عن مشاركتهم في تظاهرات في سوريا حصلت في بدايات الثورة، فإن ما جرى مع الأسير المحرر أحمد إسماعيل الذي أمضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أحد عشر عاماً شكّل «فضيحة» وأرخى بظلاله على الواقع الراهن، ولاسيما بعد انكشاف ممارسات جهاز «الأمن العام» في حق إسماعيل. فحال التضامن مع هذا الشيوعي الانتماء وصاحب السيرة النضالية رفعت من سقف المواجهة خصوصاً بعد محاولات الأمن العام تبرير الاستدعاء بحجة التحقيق في مسألة ترتبط بعمالة أحد الأشخاص مع إسرائيل، في وقت كان التحقيق سياسياً بامتياز ومحاولة ترهيب، ولا يمت إلى سلوك أجهزة رسمية سواء من حيث مظهر المحققين الملتحين أو طبيعة أسلئتهم بل إلى سلوك «جهاز حزبي».
لكن ذلك لا يلغي حقائق أعلنها إسماعيل في مؤتمر صحافي تكفلت المواقع الإخبارية الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ببثه في وقت شهد تعتيماً إعلامياً ولم يعمد سوى تلفزيون «المستقبل» العائد للحريري إلى التطرق للمؤتمر الصحافي، وهو أمر طبيعي بعدما كان رئيس الحكومة، في ضوء الضجة التي أثيرت، قد استقبل إسماعيل مستفسراً عما جرى، واتصل بمدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي «أحرج بما سمع»، وفق إسماعيل، وتعهّد وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي يقع الجهاز تحت سلطته إجراء تحقيق.
الخطورة في ما حصل مع المقاوم أحمد إسماعيل أنه أتى خارج الأطر القانونية، فالأسئلة عن «بوست» منشور على صفحته على «فيسبوك» يدعو فيه لعدم قمع بيع الخمور أو فتح النوادي الليلية ليس بجريمة ينص عليها القانون اللبناني وليس ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من مهمات الأمن العام أصلاً، وأن يقول محقق لمستدعى مهما كانت تهمته: «حقك ( ثمنك) رصاصة ومنزتك (نرميك) مثل الكلب»، يعني ببساطة أن البلاد ليست بخير، وأن يسأله: أين تضحيات الشهداء فيما هو يدعو لبيع الخمور في بلدة في جنوب لبنان تقع تحت نفوذ «حزب الله»، فهذا يعطي صورة واضحة عن حجم الضغوط التي يتعرض لها كل من يخالف فكر وتوجهات قوى الأمر الواقع سواء في البيئة الشيعية أو خارجها. وهو أمر يتعدى الفضيحة أن تتم مساءلته على مدى أربع ساعات عن عشرات «البوستات» التي وضعها على صفحته خلال الأشهر الماضية وصولا إلى طلب إقفال صفحته ومنعه من التحدث بالسياسة وبشكل خاص عدم انتقاد دور «حزب الله» في سوريا، وعدم انتقاد السياسة الإيرانية وتهديده بأن الإساءة إلى دولة صديقة هي جريمة يعاقب عليها القانون اللبناني، والطلب إليه أيضاً عدم انتقاد الوزير جبران باسيل (وزير الخارجية صهر رئيس الجمهورية) وبقية السياسيين وحتى «صرماية (حذاء) وئام وهاب أحد السياسيين المحسوبين على المحور السوري- الإيراني، وإلا الأفضل له أن يغادر لبنان إذا كان غير قادر على الإلتزام بذلك، فهذا أريح له له ولهم.
قبل ذلك، كان لبنان في حزيران/يونيو قد استفاق على خبر عملية استباقية للجيش اللبناني ضد مخيم للنازحين السوريين في جرود عرسال، حيث عمد خلالها 5 انتحاريين إلى تفجير أنفسهم. عملية شابها الكثير من التشكيك في ملابساتها ولاسيما أنها أدت إلى مقتل عدد من المدنيين وفق ما كشفته مصادر المعارضة السورية، وأعلن الجيش عن توقيف نحو 400 لاجئ جرى الحكم عليهم مسبقاً أنهم إرهابيون.
يومذاك، كتب الصحافي المؤيد للثورة السورية والمناؤى للتنظيمات المتشددة التي يعتبرها عدوة الثورة على صفحته على «فيسبوك»: «دهس طفلة. مداهمات. تنكيل باللاجئين. قتل عشوائي. اعتقالات بالمئات. إجبار الناس على العودة إلى سوريا بالقوة. مزبلة ميشال عون وقوات مسلحة تلتحق بفاشية «حزب الله» وأحقاد بقايا المارونية السياسية. ادعاءات بوجود إرهابيين لا يمكن لطرف محايد التأكد من صحتها. كل ذلك بنكهة سعد (الحريري) – ( نهاد) المشنوق – ( وفيق ) صفا (ضابط ارتباط في حزب الله). بلاد بتسوى جبران باسيل إنتو أكبر قدر».
«بوست» أدى إلى رفع باسيل دعوى جزائية ضد عيتاني، فاستدعي للتحقيق. كان القاضي كما عرض فداء عيتاني في رواية مطولة نشرها في مدونته ودوداً يحاول حل المسألة بهدوء وروية مع أخذ تعهد منه بسحب المنشور والتعهد بعدم التكرار والاعتذار، وكان تحقيق معه أيضاً من رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية التي يقول عيتاني إنها نصّبت نفسها قاضياً وجلاداً في الوقت عينه، وأخذت تخاطبه كلما قرأت جملة من «البوست» أنه «يمكن للنيابة العامة أن تتحرك وتدعي عليه». نصح المحامي موكله أن يتجاوب مع طلب القاضي بإزالة «البوست»، ذلك أن هذا الادعاء قد يؤول إلى توقيفه. استجاب عيتاني الذي تمّ وصفه في محضر التحقيق بالـ»صحافي غير مُسجّل في الجدول»، إذ أنه غير مُنتسب إلى نقابة المحررين، شأنه شأن المئات من الصحافيين الذين عملوا لسنوات طويلة في هذه المهنة دون أن يتمكّنوا من الانتساب إلى نقابتهم في ظل استنسابية تتحكم بالنقابة والقيّمين عليها. نفد عيتاني من التوقيف في هذه الدعوى لكن مصيره كاد أن يوقف في حكم غيابي صدر في العام 2014 وتمّ تحويله للتنفيذ بقضية أمام محكمة المطبوعات قضت بدفع غرامة ستة ملايين ليرة لبنانية (4000 دولار أمريكي) لصالح رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع على إثر دعوى في حقه عقب مقال كان كتبه في جريدة «الأخبار» قبل سنوات. وبموجب هذا الإشعار نام ليلة في السجن بانتظار دفع المبلغ.
دعوى عيتاني لا تزال أمام القضاء الجزائي وليس أمام محكمة المطبوعات التي تحال إليها الدعاوى المتعلقة بوسائل الإعلام القليدية من مكتوبة ومرئية ومسموعة. فحتى الأن لا يوجد في لبنان قانون يتناول الإعلام الالكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي على غرار قانون المطبوعات الذي لا يتضمن التوقيف الاحتياطي.
الأمثلة كثيرة على ضيق صدر السلطة والأجهزة. فتلك الفترة ذاتها، شهدت المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان ديالا شحادة مضايقات من «مخابرات الجيش» وثقتها بالصورة والصوت ونشرتها على صفحتها على «فيسبوك» في ضوء توكلّها عن ثلاتة من الموقوفين السوريين قضوا أثناء توقيفهم في تلك العملية الاستباقية للجيش، وحصولها على قرارٍ قضائي معجلٍ نافذٍ لأخذ عينات من الضحايا لكشف ملابسات الوفاة التي قال الجيش»إنها طبيعية» وسط شكوك بذلك.
في رأي المقاوم أحمد إسماعيل أن التحرك التضامني معه وانكشاف ما حصل في الأمن العام وموقف رئيس الحكومة ربما ساهم في لجم المسار الذي كان متبعاً معه. هو لم يرفع شكوى بل ترك ضمان سلامته في عهدة الحريري. بالطبع أن تلك المسؤولية هي معنوية، فهو يدرك أن الرجل غير قادر على تأمين حماية لنفسه فكيف له. وإذا كان «الضجة» التي أثيرت قد لجمت هذا السكوك، فهو في رأي قانونيين وناشطين أمر مؤقت، لأن المناخ العام ذاهب أكثر في اتجاه التشدّد وليس الانفراج، وإنْ كانت التجارب ماثلة أمام اللبنانيين من أن لبنان عصي على التدجين والقمع وعلى غلبة فريق على آخر، قد ينجح ذلك لفترة من الزمن لكنه غير قابل للاستمرار!.

الحريات العامة إلى تراجع في لبنان نتيجة «التسوية السياسية»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية