«القدس العربي»: تعتبر المعارك المستمرة في محافظة دير الزور شرقي سوريا، أحد أكثر المعارك حساسية على مستوى الجغرافيا السورية، نظراً لتداخل وتشابك الخيوط الدولية فيها، وكذلك تضارب المصالح والأهداف، إلا أن العديد من المصادر رجحت ميول كفة السيطرة النهائية لصالح النظام السوري المدعوم من روسيا وإيران، وانحسار جزئي في خريطة النفوذ للتشكيلات المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على الأرض.
وتوقع مصدر عسكري سوري ان حسم معركة دير الزور لأي طرف من الأطراف المشاركة فيها، لن يكون بالسهولة التي تتحدث عنها القوى الفاعلة على الأرض، مرجحاً أن معركة دير الزور قد دخلت فعلياً في مرحلتها الأخيرة، وهي حساسة للغاية، ستتقلص معها المساحات الجغرافية المنتزعة من سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وستتضاعف المخاوف والتحذيرات من إنزلاق قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية بمواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف، أو بالعكس، مما يفسح المجال أمام تنظيم «الدولة» لشن هجمات مضادة.
وقال العقيد المتعاقد عثمان إبراهيم لـ «القدس العربي» خلال اتصال هاتفي خاص معه: من المنظار العسكري الميداني، يوجد ثلاث دول تقاتل في خندق واحد لانتزاع دير الزور من تنظيم «الدولة» الإسلامية والدول هي، روسيا، إيران، العراق، بالإضافة إلى قوات النظام السوري وحزب الله اللبناني.
أما في الطرف المقابل، فقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، ستبقى قوة ضعيفة على الأرض مهما بلغت قوتها، وبالتالي فإن حسم المعركة سيكون في نهاية المطاف لصالح الأسد مشاركة مع إيران وروسيا.
ثلاثة أهداف روسية محورية
ورأى الضابط السوري، ان روسيا تبحث عن ثلاثة أهداف محورية وجوهرية خلال معركة دير الزور، أهمها «إظهار الأسد ونظامه على إنه شريك دولي بمكافحة الإرهاب»، وكذلك «فرض الثقل الروسي على الأرض باستخدام الحليفين الروسي والإيراني»، وأخيراً توسعة الجغرافيا السورية المسيطر عليها من قبل النظام السوري، بما يضمن حصول روسيا على النفط السوري، واكتساب إيران لطريق بري لمحورها الطائفي «الهلال الشيعي».
أما الصحافي السوري عبد العزيز خليفة، فرأى بدوره ان النظام السوري ومن خلفه إيران وروسيا، سوف يجتازان نهر الفرات «الحد الفاصل» بينهم وبين قوات سوريا الديمقراطية، لمواصلة التقدم العسكري نحو عمق دير الزور.
وقال خليفة: مشهد المعارك في دير الزور يُظهر أن قوات النظام السوري تتجه لبسط نفوذها على كافة آبار النفط، وكذلك الجغرافيا المدنية للمدينة.
وتوقع الصحافي المعارض، عدم حدوث اشتباكات أو مواجهات بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، معللاً ذلك بوجود نقاط تماس كثيرة بينهما في الرقة وريف حلب، ويشتركان بالسيطرة على الحسكة والقامشلي، ووجود توافق بينهما بقتال تنظيم «الدولة الإسلامية» فقط.
فرص الأسد للسيطرة
الكاملة ضئيلة
بعض المراقبين لمعركة دير الزور، يرى صورة الحسم الكامل في دير الزور مختلفة، وأن فرص النظام وميليشياته الطائفية ستكون ضئيلة في السيطرة على كامل دير الزور، فبالرغم من تصريحات قادته أن هدف الحملة الأخيرة السيطرة على كامل المحافظة، إلا أن سيطرته ستكون جزئية.
وقال الصحافي في شبكة «الفرات بوست» صهيب الجابر: المعطيات الحالية تشير إلى أن تقدم ميليشيات قسد المدعومة أمريكياً شمال نهر الفرات لن يتوقف إلا بأمر من الإدارة الأمريكية، وبأن وظيفة النظام «الإعلامية» قد انتهت مع انتهاء حملته الأخيرة على المدينة، خصوصاً وأن قوات التحالف الدولي التي تتزعمها الولايات المتحدة، كانت طيلة الفترة الماضية تمهد لقوات النظام تقدمها بعد استهداف أهم مواقع تنظيم الدولة في المحافظة.
وأضاف الصحافي المعارض، التنسيق ما بين الحكومة الأمريكية والروس كان مستمراً في معظم المناطق، وهنا يظهر التقاسم الواضح للأدوار في «برلين الشرق الأوسط» دير الزور، إذ أن مشاريع البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية لم تتوقف منذ أشهر لحشد أبناء المنطقة، للقتال باتجاه المحافظة.
توقعات بظهور فصيل عربي
وتوقع الصحافي في شبكة «الفرات بوست» المهتمة بمتابعة معارك دير الزور، ظهور فصيل عربي معارض في وقت لاحق تحت القيادة وتغطية أمريكية، ليعود للسيطرة على مناطق الريف الشرقي لدير الزور، لكن الصورة النهائية لم تتضح بعد عن هوية هذا الفصيل.
قوات سوريا الديمقراطية – قسد، كانت بدورها قد أعلنت مؤخراً عن توقف عملياتها في دير الزور عند الخطوط الأخيرة التي قضمتها قواتها خلال المعارك الأخيرة، وهذا ما اعتبره الصحافي في شبكة «الفرات بوست» إشارةٍ أخرى على إفساح المجال لفصيل آخر قد يدخل على الخط ليملأ فراغاً من المرجح أن يتركه تنظيم «الدولة» في الفترة المقبلة.
فيما يبدو أن تنظيم «الدولة» أيضاً كان طرفاً فعالاً في تنفيذ هذه التوافقات الدولية الأخيرة على الساحة السورية، فقد انسحب التنظيم في بعض المناطق دون معارك واكتفى بتفجير عربات مفخخة أرسل فيها عدد من أبناء المنطقة لتصفيتهم بشكل غير مباشر، وفق ما قاله جابر.
مصدر عسكري معارض قال لـ «القدس العربي»: إيران هي أبرز القوى العسكرية المستفيدة من أي تقدم يحصل في دير الزور، فالمحافظة الشرقية تحظى باهتمام إيراني استراتيجي، وتسعى إيران لتأمين طريق بري جديد لها يربط لبنان وسوريا، بالإضافة إلى الحدود الرابطة بين العراق وسوريا، وكذلك طريق داخلي يربط بين قواتها المتمركزة في ريف دمشق، مروراً بحمص وحماة، مما يعني تثبيت قواعدها بشكل أكبر ولفترة أطول بعمق الأراضي السورية.
روسيا لا تستبعد
الصدام بين الأسد وقسد
وألمحت القوات العسكرية الروسية في سوريا إلى اقتراب الصدام العسكري بين قوات النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، وفي رسالة ضمنية، قالت القاعدة العسكرية الروسية بسوريا «حميميم»: «قوات سوريا الديمقراطية لن تكون قادرة على الصمود أمام القوات الحكومية (التي أصبحت أقوى من السابق) بالرغم من دعم واشنطن لها بشكل مباشر، كما أن التدخل الأمريكي في سوريا يفتقر إلى الشرعية الدولية».
وأشارت القاعدة الروسية إلى النظام السوري لن يقف عند الحد الفاصل بينه وبين قوات سوريا الديمقراطية، وسيتابع التقدم نحو باقي مناطق دير الزور.
أما عضو تجمع ثوار سوريا عمر إدلبي، فاعتبر وجود اتفاق أمريكي روسي على تقاسم الأدوار في معركة دير الزور ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وقبول واشنطن بدور محوري وحاسم لقوات الأسد وميليشيات إيران الطائفية في المعركة، فالمؤكد أن السيطرة على المحافظة وإدارتها ستؤول لنظام الأسد في نهاية المطاف.
في حين «ستكون سيطرة ميليشيا قوات سوريا الدمقراطية على القسم الشرقي من المحافظة، أو ما يطلق عليه «الجزيرة»، لن تكون مؤثرة على المدى البعيد على خريطة النفوذ في دير الزور، لأن هذه الميليشيا تنسق بشكل واضح مع نظام الأسد ولا سيما في مجال استثمار وتسويق النفط والغاز من الحقول التي تسيطر عليها حاليا في محافظة الحسكة، أو ستسيطر عليها لاحقاً في دير الزور والرقة، وبالمحصلة، ستكون حصة الأسد من السيطرة على المحافظة وثرواتها لنظام الأسد، ويذهب الفتات – مؤقتاً – للميليشيات التي تدعمها واشنطن، ريثما يستعيد نظام الأسد قدراته على انتزاع ما اضطر للتنازل عنه لهذه الميليشيا»، وفق ما قاله عضو تجمع ثوار سوريا.
وقال الصحافي عبد العزيز خليفة: أيً كانت الجهة التي سوف تسيطر على كامل دير الزور، سواء الأكراد أو النظام السوري والحلفاء من الموالين له، ستبقى هذه الجهة غير مرحب فيها من قبل المجتمع المحلي بدير الزور، وأن عمليات مقاومة ستنطلق ضد تلك الجهة، خاصة مع وجود كتل بشرية لا تزال قادرة على المقاومة والقتال.