قوات سوريا الديمقراطية قد تنظر إلى ما بعد نهر الفرات في الشرق

حجم الخط
0

تتسارع الأحداث العسكرية في سوريا والتي يبدو أنها أصبحت أكثر تركيزاً على محاربة تنظيم «الدولة» الإرهابي حالياً على غيره من الملفات الساخنة، وأصبح تحطيمه الأكثر أهمية في عموم البلاد المدمرة أصلاً. فالحراكات المضادة لـ«الدولة» تختزل مع الأيام لصالح جهتين رئيسيتين أصبح المشهد العسكري لسوريا محصورا فيهما إلى حد كبير، وكل منهما يملك التغطية الكافية في المحافل الدولية من قبل جهتين تعتبران الأكثر قوة في العالم حالياً. والجهتان الرئيسيتان هما قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ذات التشكيل العربي الكردي، والتي يشكل عمادها وحدات حماية الشعب، وقوات النظام وحلفاؤه من جماعة حزب الله اللبناني وباقي الجماعات المدعومة إيرانياً، وتتلقى الجهتان المذكورتان الدعم والتغطية الجوية من قبل الولايات المتحدة وروسيا على التوالي.

معركة الرقة

وكان التصريح الأخير لقوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب عن تحرير ثلثي مدينة الرقة، جزءا من تصريحات سابقة عن هجمات أخرى ضد التنظيم في مناطق أخرى خارج حدود محافظة الرقة التي حصر التنظيم فيها (الرقة) ببعض الأحياء المدنية من عاصمتها بعد تحرير معظم مساحات المحافظة، والتي تتضمن جميع البلدات والقرى التي كانت تحت حكم التنظيم لأكثر من ثلاث سنوات. التصريحات السابقة للتصريح الأخير الصادر من قوات سوريا الديمقراطية «قسد» كان عن بدء حملة عسكرية لطرد تنظيم «الدولة الإسلامية» من شرق محافظة دير الزور، حيث تلا رئيس مجلس دير الزور العسكري المنضوي في قوات سوريا الديمقراطية أحمد أبو خولة خلال مؤتمر صحافي في قرية أبو فاس شرق البلاد في التاسع من الشهر الجاري بيانا جاء فيه «نزف بشرى البدء بحملة عاصفة الجزيرة والتي تستهدف تحرير ما تبقى من أراضي الجزيرة (في إشارة إلى محافظة الحسكة) السورية وشرق الفرات من رجس الإرهابيين وتطهير ما تبقى من ريف دير الزور الشرقي». وكان التصريح عملية إعلان عن بدء السباق على محافظة الرقة بين الولايات المتحدة و«قسد» من جهة، وروسيا وإيران وحزب الله وقوات النظام من جهة ثانية. فالمنطقة المعلن عنها هي ما تبقى من المناطق التابعة لمحافظة دير الزور في الجهة المقابلة للمدينة من نهر الفرات، والتي يسيطر عليها التنظيم، وتملك واحدة من أهم الحقول النفطية في سوريا، وهو حقل العامر الواقع شمال شرق مدينة الميادين، والذي يعد من أكبر حقول النفط في سوريا وكان ينتج قبل بداية الأحداث السورية ما يقارب من30 ألف برميل في حين استخدمته بعد ذلك جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في سوريا) الذي تحول إلى هيئة تحرير الشام حالياً، والذي خسر مناطقه لصالح تنظيم «الدولة» لينتج ما يقارب الـ 10 آلاف برميل يومياً، وهو يقع في الطريق إلى مدينة البوكمال الحدودية التي تقابل القائم العراقية. إعلان المعركة هناك بالصيغة المعتمدة، هي فيما يبدو حسب العديد من المتابعين إقرار أمريكي بما وراء النهر لروسيا وحلفائها المحليين من موقع مدينة الرقة، وإقرار روسي مقابل لما وراء النهر من موقع مدينة دير الزور للولايات المتحدة وحلفائها المحليين. البدء بمعركة شرق دير الزور من قبل «قسد» في الوقت الذي ما زالت معركة الرقة مستمرة هو بيان عام عن نهاية التنظيم القريبة في الرقة، واستعراض لقوة قوات سوريا الديمقراطية على ما يبدو. وهو نوع من التعبير عن مدى حراكيتها كقوة في فتح أكثر من جبهة في وقت واحد، مع العلم أن تلك المناطق بعيدة عن معاقل قوات سوريا الديمقراطية الرئيسية، وفيها نوع من المغامرة حسب البعض المشكك في تقدمها الحالي. حيث يخشى من بروز نوع من الغضب الاثني رغم أن مجلس دير الزور العسكري في جله من العشائر العربية للمنطقة كون الإعلام بشكل عام يحاول تصبيغ قوات سوريا الديمقراطية بصبغة القومية الواحدة، وهو جزء من الهجوم الإقليمي غير المباشر على نشاط أمريكا في سوريا، خاصةً ان واشنطن اختارت بصورة شبه مطلقة التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية في سوريا في مفاضلة مع باقي الجهات الموجودة على الأرض.
على الرغم من العروض السخية غير الناجعة المقدمة لها للتنازل عن العلاقة مع تلك القوات (العربية الكردية) من قبل دول إقليمية ظلت لسنوات حليفة أمريكا في الشرق الأوسط كتركيا، التي ترى في تلك القوات تهديدا لحدودها على اعتبار أن التقدم الحاصل لتلك القوات يزيد من نفوذ الأكراد وحلفائهم العرب في سوريا على حساب الجماعات الموالية لتركيا المسجونة في جيب جرابلس الشمالي. وعلى اعتبار أن الجماعات الأخرى القريبة من الدول الداعمة للقوات المنافسة للنظام قد ضعفت جداً، وخسرت الدعم الغربي الذي يرتاب من تصرفاتها وبياناتها التي تظهر فيها توجهاتها غير الديمقراطية، والقريبة من جماعات الإسلام السياسي ذات النفس السني المتشدد.

الحدود السورية والعراقية

يكمن في إعلان عملية تحرير شرق الرقة من قبل قوات سوريا الديمقراطية مؤشر من نوع آخر لم يتم التصريح عنه بعد. فتلك القوات في حال وصولها للحدود العراقية، وفي حال سيطرتها على البوكمال (إن حدث) ستكون قد أغلقت الطريق على إيران في الوصول السهل من بغداد إلى دمشق، ومنها إلى بيروت. الخطة الأمريكية السابقة التي كانت تحاول التحرك من منطقة التنف باتجاه البوكمال للسيطرة على كامل الحدود السورية مع العراق في منطقة دير الزور باءت بالفشل. ووصل النظام وحزب الله إلى الحدود التفافاً رغم ان تمركزهما ما زال ضعيفاً هناك. وفيما يبدو من التطورات الحالية، أن هناك هدفا مبطنا لواشنطن للوصول إلى هناك عن طريق قوات سوريا الديمقراطية. ولكن، هذا الهدف غير معلن حالياً خشية الاحراج في حال وصول النظام الذي يتلقى الدعم المفرط من الروس والإيرانيين حالياً قبل «قسد». وبالتالي، تفادي حصول صدام مع قوات النظام هناك ريث الوصول إلى صيغة أخرى لإغلاق الطريق على إيران. والذي فيما يبدو سيكون من خلال العمل على الجانب العراقي من الحدود على اعتبار ان الجهات القريبة للولايات المتحدة في الحكومة العراقية المتمثلة في العبادي يخافون من ابتلاع إيران للحدود، وهم غاضبون على نقل جماعة حزب الله لمقاتلي «الدولة» للحدود من جيب حدودي كانوا يتمركزون فيه على الحدود اللبنانية السورية. مع العلم أن تلك القوافل التي تنقل مقاتلي تنظيم «الدولة» وعوائلهم لم تصل نتيجة التدخل الأمريكي في مسيرها. فاليقين الحالي هو أن قوات سوريا الديمقراطية ستقوم بمهمة تحرير المناطق المعلنة فيها العمليات قريباً، وستبدأ بعدها عملية التنافس على الحدود مع النظام وحلفائه.
بينما تتقدم قوات سوريا الديمقراطية في مدينة الرقة وتقترب من طرد التنظيم منها، يدخل النظام معركة مدينة دير الزور حديثاً.
وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية هدفها المقبل والذي تتخلله التساؤلات التي تأتي من المنطقة الكردية عن مدى جدوى تلك العمليات في تلك المناطق البعيدة، والكثير من الضغوط الإقليمية على واشنطن لفك ارتباطها مع «قسد» يبرز السؤال التالي: لماذا القبول بالسماح للنظام وحلفائه بالسيطرة على الحدود السورية مع العراق وخنق باقي المعارضة القريبة من الولايات المتحدة الأمريكية المتمركزة في منطقة التنف وتهديد مناطق سيطرة «قسد» فيما بعد على القبول بوصول قواتها إلى الحدود ومحاولة فيما إذا وجدت الفرصة فيما بعد لربط مناطقها مع التنف، وتحرير تلك القوات، وحجز النظام وحلفائه بعيداً عن الحدود مع العراق في بلد كسوريا كل توقع فيه ممكن، وكل تبدل للقوة والسيطرة فيه محسوب؟

قوات سوريا الديمقراطية قد تنظر إلى ما بعد نهر الفرات في الشرق

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية