تونس ـ «القدس العربي»: جدل كبير وواسع ذلك الذي تعيشه تونس هذه الأيام في برلمانها ومنابرها الإعلامية وفي مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في المقاهي والأماكن العامة بشأن ما عرف بـ«قانون المصالحة». هذا المشروع الذي أجلت المصادقة عليه في البرلمان مرات عديدة وفي النهاية حصل على النصاب القانوني بفضل نواب حركتي نداء تونس والنهضة وسيصبح بعد نشره ومضي الآجال القانونية نافذا ومن قوانين البلاد.
ولقي هذا القانون معارضة شديدة من قبل نواب المعارضة وخصوصا الجبهة الشعبية (تحالف قوى يسارية وقومية) ومن الأحزاب المنبثقة عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه الرئيس المؤقت السابق المنصف المرزوقي. وتعتبر هذه الأحزاب القانون افلاتا من العقاب لمن أذنبوا في عهد نظام بن علي وهو ما سيفتح الباب على مصراعيه لمزيد نهب المال العام خاصة وأن الأمر متواصل إلى يوم الناس هذا ولم يتوقف رغم رحيل بن علي عن تونس.
وفي هذا الإطار قال المؤرخ والباحث الأكاديمي التونسي الدكتور عبد الجليل بوقرة لـ «القدس العربي» من المؤكّد أن قانون المصالحة الإدارية لن يغيّر قيد أنملة من واقع الإدارة التونسية. كما أن محاسبة القدامى لن تردع الجدد في رأيه ولن يتوقّف نزيف الرشوة والمحسوبية واستغلال المال العام وسوء التصرّف، لا بالمصالحة ولا بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، حسب محدثنا. فالأمر، في رأيه يتعلّق بعقليتنا وبشخصيتنا القاعدية وهي تربة خصبة لازدهار كل أنواع الفساد والتخريب والنهب والأنانية.
ويضيف: «ما دمنا لم نغير عقليتنا فإنّنا سنعيش الوضعية ذاتها بصفة دورية… فكما واجه جيل بداية الاستقلال مشكلة التعامل مع موظفي العهد السابق لهم، ها أننا نعيش الوضعية نفسها بعد أكثر من نصف قرن. وسيتكرّر الأمر مع كل جيل أو جيلين…. فسّخ وأعد كل شيء من جديد».
ويعتبر الإعلامي والكاتب هشام الحاجي لـ«القدس العربي» أن قانون المصالحة، ورغم التحفظات على بعض ما جاء فيه، يمكن اعتباره رد فعل طبيعيا من أطراف لم تتمكن هيئة الحقيقة والكرامة من نيل ثقتهم. فقد شعر هؤلاء، حسب محدثنا بكثير من الضيم من ازدواجية معايير جماعة هيئة الحقيقة والكرامة وحتى من جهات قضائية. فلو قامت عدالة انتقالية حقيقية في تونس لا انتقامية كما هو الحال اليوم، في رأي الحاجي، لما أبصر هذا القانون النور ولهرع الجميع إلى هيئة الحقيقة والكرامة طالبين حكمها على أفعالهم وحتى على التاريخ برمته.
ويضيف: «على المنتقدين لهذه القانون ان يحملوا هيئة الحقيقة والكرامة بعض المسؤولية، ويكفوا عن سياسة الكيل بمكيالين والدفاع عن رئيسة الهيئة وفريقها يعميهم حقدهم على بن علي من رؤية الحقائق كما هي. جميعنا تمنينا عدالة انتقالية حقيقية محايدة تحظى بالثقة، لكنهم أرادوها للأسف على هذه الشاكلة وحاول بعضهم التدخل أيضا في عمل السلطة القضـــائية وتحريك النيابة العمومية حسب هواهم فحصل ما نراه اليوم».
ويبدو أن المعركة ضد هذا القانون الذي يعتبره البعض قانون «سيد قرطاج» الباجي قائد السبسي الذي تسانده فيه حركة النهضة، لم تحسم بعد وهناك تحركات مقبلة قد تحصل تنديدا بهذه المصالحة مع من تورطوا في الفساد من العهد السابق. إذ يبدو أن ما حصل من «عراك» لفظي في البرلمان أثناء التصويت على القانون لم يكن كافيا وهناك جولات أخرى سيشهدها التونسيون بين أنصار القانون ومعارضيه.
فالمعارضة التي تتشكل في الأساس من الجبهة الشعبية وما تفرع من أحزاب عن مؤتمر المرزوقي يبدو أنها تحصّلت على أكثر من 35 إمضاء وستقدّم طعنا قانونيّا في عدم شرعيّة القانون. أما ما يسمى بـ«شباب مانيش مسامح» أي (لست مسامحا) فيبدو أنه يعد تجمّعا ضخما في شارع الحبيب بورقْيبة، الشارع الرئيسي، احتجاجا على القانون المذكور حتى أن البعض رجح أن تتحول هذه الجماعة الشبابية إلى حركة سياسية تطرح نفسها كبديل عن الفريق الحاكم.