إسطنبول ـ «القدس العربي» مع اقتراب موعد إجراء استفتاء انفصال إقليم كردستان عن شمالي العراق رفعت تركيا حدة تصريحاتها بشكل غير مسبوق وبدأت تلوح بالخيار العسكري لمنع إقامة دولة كردية على حدودها قد تؤدي إلى تعزيز نزعة الانفصال لدى أكرادها وتشكيل تهديد على «الأمن القومي التركي».
ومع كل أزمة تتعلق بالمكانة التاريخية لمحافظات شمالي العراق عند الأتراك تعود إلى الواجهة بقوة مقولات «كركوك كأنقرة» و»أمن كركوك كأمن أي محافظة تركية»، وهي عبارات مرتبطة بالمكانة الكبيرة للتركمان عند الشعب التركي تغذيها الروح القومية التي تصاعدت لدى السياسيين والشعب التركي في السنوات الأخيرة.
تهديدات غير مسبوقة
تعارض تركيا استفتاء انفصال إقليم شمالي العراق للعديد من الأسباب أبرزها خشيتها من أن تؤدي إقامة أي دولة كردية سواء في العراق أو سوريا إلى تعزيز نزعة الانفصال لدى أكرادها، وخشيتها من سياسات الدولة المستقبلة التي تعتقد أنها ستتحول إلى أداة بيد الغرب للضغط على تركيا من خلالها، بالإضافة إلى خشيتها من تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان في شمالي العراق وانتهاك حقوق التركمان، وغيرها من الأسباب.
وفي تهديد غير مسبوق، توعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس إقليم شمالي العراق مسعود برزاني بأنه «سوف يرى مدى حساسية تركيا تجاه الاستفتاء عقب اجتماع مجلس الأمن القومي والحكومة التركية في الثاني والعشرين من الشهر الجاري»، والذي سيعقد بشكل مبكر لوضع خطط تركيا للتعامل مع الاستفتاء، واتهم برزاني بقلة الخبرة السياسية والتصرف بشكل خاطئ.
من جهته، شدد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، السبت، على أن الاستفتاء يعتبر بمثابة مسألة أمن قومي لتركيا، وقال: «الاستفتاء الذي تعتزم إدارة الإقليم الكردي إجراءه مسألة أمن قومي لنا ولا شك أننا سنتخذ كافة الإجراءات في هذه المسألة».
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن «الرأي العام العالمي ينتظر من تركيا اتخاذ خطوة، بمن فيهم الأمريكان، حيال هذا الاستفتاء»، وأضاف: «يقولون لنا أنتم جيران ولديكم قوة»، و»نحن لا نتردد في استخدام أي قوة عندما يتطلب الأمر».
زعيم حزب الحركة القومية التركي دولت بهتشيلي، قال في تصريحات السبت: «أمن كركوك من أمن العاصمة أنقرة.. المكتسبات التاريخية والجغرافية والقومية تقول إن قدر أنقرة وكركوك واحد»، مضيفاً: «احتلال كركوك وإقامة دولة كردية شمالي العراق يعني محاصرة تركيا»، وأضاف: «نقول كركوك تركية، لا نمزح ولا نطلق تهديدات فارغة، نحن أقوياء وبرزاني سوف يدفع الثمن وإذا لزم الأمر فالتراق الدماء على الجبهات».
خيارات أردوغان
على الرغم من هذه التهديدات الشديدة والتلويح باستخدام القوة العسكرية، إلا أن خيار التدخل العسكري المباشر القريب لا تدعمه أي معطيات سياسية أو عسكرية على الأرض، ويبدو أنه يأتي في إطار التحذير من العواقب المستقبلية ومحاولة دفع إدارة الإقليم إلى التراجع عن إجراء الاستفتاء في اللحظات الأخيرة.
لكن خيارات الرئيس التركي لا تنحصر في قرار التدخل العسكري المباشر الذي يحتاج إلى توافقات دولية وكلفة عسكرية عالية جداً وقدرة على تحمل التبعات، وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن إمكانية لجوء أنقرة إلى أساليب متعددة للضغط على إدارة الإقليم لعدم المضي قدماً في إجراءات الانفصال حتى لو تم إجراء الاستفتاء المتوقع أن يحصل فيه خيار الانفصال على تأييد كبير.
أبرز أوراق الضغط التركية ضد الإقليم تتمثل في وقف تصدير النفط من الإقليم الغني إلى العالم الخارجي من خلال الأراضي التركية، وهو ما سيشكل ضربة اقتصادية كبيرة جداً للإقليم الذي لا يمتلك خيارات وبدائل كثيرة لتعويض خطوط التصدير من خلال تركيا ويعتمد اقتصاده على تصدير النفط بشكل أساسي، وهي خطوة يمكن أن تلقى ترحيباً ودعماً من قبل الحكومة المركزية في بغداد.
ورقة التركمان في كركوك
الخيار الآخر والأقوى بالنسبة لتركيا يتمثل في تقوية التواصل والدعم للتركمان الذين يتواجدون بقوة في محافظة كركوك المتنازع عليها وحثهم على العصيان ورفض الاستفتاء أو الانفصال وضم المحافظة إلى إقليم الشمال وهو ما يمكن أن يقود إلى دعوات لحماية التركمان يمكن أن تتيح ثغرات قانونية ودولية لتدخل عسكري تركي محتمل.
وبالنظر إلى تصريحات رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي التي قال فيها، السبت: «إن الحكومة العراقية سوف تدخل عسكرياً إذا أدى الاستفتاء إلى عنف»، يظهر مدى حاجة أنقرة وبغداد إلى مبرر قوي للتحرك لإفشال الانفصال أو منع ضم كركوك إلى الشمال بالحد الأدنى وهو ما قد ينتج عنه مستقبلاً تنسيقاً كبيراً بين العراق وتركيا يمكن أن يتطور لتعاون ما في هذا الإطار.
ويبدو أن تركيا بدأت بالفعل في تحرك ملف التركمان في كركوك، حيث أطلق أتراك وتركمان وسم «كركوك إلنا أنا تركي» وذلك في ترويج لفكرة ميول تركمان كركوك إلى الولاء لتركيا.
وبينما لا توجد إحصائيات رسمية تتحدث عن أرقام التركمان في كركوك والعراق بشكل عام، تقول مصادر تركية إن أعدادهم في كركوك لوحدها تتراوح بين 800 ألف ومليون نسمة، وهو لم تؤكده مصادر مستقلة.
ويمتلك الجيش التركي قاعدة عسكرية في معسكر بعشيقة شمالي العراق حيث يتواجد هناك مئات الجنود وعشرات الدبابات والمدرعات العسكرية، كما يحتفظ الجيش بتعزيزات كبيرة على الحدود بين تركيا وشمالي العراق، وتقول مصادر غير رسمية إن الجيش التركي يتمركز في نقاط أخرى غير معلن عنها داخل الأراضي العراقي شمالاً.
مستشار الرئيس التركي يالتشين طوبجو اعتبر في تصريحات قبل أشهر أن «كركوك هي قضية وطنية لتركيا لا يمكن غض الطرف عنها»، مضيفاً: «كركوك لها وضع خاص لدى تركيا.. للتركمان، والعرب، والأكراد حق في كركوك» وهدد بالقول: «من يتجاهل التركمان في كركوك سنحول حياته إلى جحيم».
التدخل العسكري لـ»حماية التركمان»
مع كل تصاعد للأزمة بين تركيا والعراق ولا سيما فيما يتعلق بالتركمان تسارع وسائل الإعلام التركية إلى إبراز اتفاقية تاريخية موقعة بين تركيا والانتداب البريطاني في العراق عقب الحرب العالمية الأولى، تتيح ـ بحسبهم ـ للجيش التركي التدخل لحماية التركمان في العراق، في مشهد يوحي بتسويق الغطاء القانوني للتدخل العسكري الذي يجري التلويح فيه من آن لآخر.
وتعتبر الموصل وكركوك من آخر المناطق التي تخلت عنها تركيا، حيث نشبت عقب الحرب العالمية الأولى أزمة دبلوماسية حادة بين المملكة العراقية والجمهورية التركية حول مصير ولاية الموصل التي كانت حتى ذلك الوقت جزءاً من الدولة العثمانية، وعقب حرب الاستقلال اعتبرت الجمهورية التركية الحديثة الموصل وكركوك واحدة من القضايا المحددة في الميثاق الوطني، وقال مصطفى كمال أتاتورك في اجتماع مجلس الأمة عام 1920: «حدود أمتنا، من الإسكندرون جنوباً، وفي الجنوب الشرقي تضم الموصل، السليمانية وكركوك».
لكن بريطانيا التي احتلت العراق عقب الحرب تمكنت ـ بصفتها ممثل العراق كونها قوة انتداب ـ من طرح القضية في الساحة الدولية، وتوسيع نطاق ذلك وصولاً إلى جعلها مشكلة حدود بين تركيا والعراق، وعقب مناوشات سياسية وتهديدات عسكرية تم التوقيع على معاهدة أنقرة في العام 1926.
ونصت الاتفاقية على أن تتبع ولاية الموصل للعراق ويكون خط بروكسل هو الخط الفاصل الذي يتفق عليه العراق وتركيا، كما نصت على أن يعطي العراق 10٪ من عائدات نفط الموصل لتركيا لمدة 25 سنة، حيث شاركت تركيا العراق في نفطه حتى عام 1954 وتوقف الدفع تماما بعد ثورة 1958 ومجيء عبد الكريم قاسم للحكم، كما تقول تركيا إن الاتفاقية ضمنت حق أنقرة في التدخل العسكري في الموصل ومناطق في شمال العراق من أجل «حماية التركمان».
أردوغان: كركوك كانت لنا
والعام الماضي ومع تصاعد الخلافات بين تركيا وبغداد حول معسكر بعشيقة ورغبة تركيا في المشاركة بمعملية تحرير الموصل وتحذيرها من مخاطر «تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان»، فتحت وسائل الإعلام التركية ملف وثائق الملكية «الطابو» التي تعود لفترة الحكم العثماني لمدينة حلب في سوريا، ومدينتي الموصل وكركوك في العراق.
وقال الإعلام التركي آنذاك إن الأرشيف الرسمي في تركيا يحتفظ بأكثر من 77 ألف و63 وثيقة تسجيل أملاك أصلية «طابو» تعود لفترة الحكم العثماني في مدينتي الموصل وكركوك العراقيتين. وحسب التقرير، تعود هذه الوثائق «الطابو» لفترة الحكم العثماني الذي كان سائداً في المدينتين الواقعتين شمال العراق، وتمتد ما بين عامي 1847-1917 ويتم الاحتفاظ فيها حاليا بدائرة الأرشيف التابعة لمديرية «الطابو» في وزارة البيئة والتخطيط العمراني في العاصمة التركية أنقرة.
وفي تصريحات لافت ردود فعل متباينة، قال أردوغان وقتها: «يجب فهم أن كركوك كانت لنا، وأن الموصل كانت لنا.. لماذا هذا الكلام لا يعجبهم؟ أنا فقط قدمت درسا في التاريخ، يجب فهم هذا»، ولاحقاً طالب أردوغان بتعديل اتفاقية 24 تموز/يوليو الموقعة في مدينة لوزان السويسرية في عام 1923، التي على أثرها تمت تسوية حدود تركيا القائمة حالياً.