الحدث المصري والاستبداد المزمن

حجم الخط
0

ما حدث بمصر ـ الاصطدام بين الإخوان المسلمين والحكومة المصرية الجديدة – يشكل صدمة لكل عشاق الديمقراطية والتغيير في العالم العربي، ربما أكثر بكثير من المشهد السوري الأزموي الراهن، ذلك أن الثورة السورية رغم انتكاستها، إلا أن التحولات التي طرأت عليها باتت حالة مكشوفة ومراوحة في المكان، كاستجابة إلى عدم امتلاك قدرة الحسم العسكري للطرفين، وغياب إرادة دولية بالتسوية السياسية، إلا أن الصدمة المصرية كانت مضاعفة لمتابعي الثورات العربية وعشاقها، من جمهور عريض عانى ما عانى من الأنظمة الاستبدادية الكثير، ويتوق لرؤية بلد عربي كبير كمصر (أم الدنيا) وهو يتحول ديمقراطيا ككل بلدان العالم التي ادركتها رياح الديمقراطية، لكن يبدو أن الرغبات والأحلام تصطدم بواقع صلب عصي على التغيير، بممانعات أيديولوجية مغلقة صماء لا حيوية ولا ديناميكة فيها، فالاخوان رفضوا كل المبادرات السلمية، رغم أن هذا الرفض كان ينبئ بحدوث اصطدام مع الجيش، الذي أعلن انه سيقوم بفض الاعتصامات ولو بالقوة بعد أن منح تفويضا شعبيا كاسحا، والسلطة رأت أن تمضي في قرارها بفض الاعتصام، اذن المؤشرات كانت تقول ان الاصطدام حاصل لا محالة، والسؤال الكبير المؤلم أليس الربيع العربي كان حالة شعبية – غير مسيسة بالمعنى الحزبي ـ عارمة ضد الاستبداد، ونجح في إزالة عروش عديدة؟ لماذا استعجل الإخوان وركبوا الموجة وسيسوها ووظفوها لصالحهم وتجاهلوا من قدم حياته لها وهم الشباب، ألم يدرك الاخوان عاقبة ممارساتهم؟ اذن هناك عقم أو فيروس أيديولوجي استبدادي مزمن في تلافيف وخلايا البنية الفكرية العربية، سواء كان حامل هذا الفيروس منتميا لعقيدة دينية أو قومية أو مذهبية، وهنا يحصل الصدام ويحصل العنف، أو ما يمكن تسميته بـ’صراع الاستبداديات’، لأن الايديولوجيا العربية لم تطعم بالمعرفة المنفتحة على الذات والآخر، وإنما لقنت بشكل ببغائي أحادي على الأنانية والنرجسية الحزبية، والتماهي بالزعاماتية والمقدس الذي يجب ألا يمس من أحد، وان حصل هذا المس من أي كان فعند ذلك الطامة الكبرى والمعركة حامية الوطيس، وهذا ما حصل ويحصل في مصر كما في سورية، كل بشكل مختلف وبمضمون مؤتلف، أي أن العسكر أيضا يتماهى بقائد أوحد وعقيدة ايديولوجية أو مذهبية، يتماهى بها ولا ينفصم الا كاملا جسدا وروحا، في علاقة تماه لاصقة عجيبة، لا يمكن استيعابها الا بالنظر اليها على أنها استقالت عقليا لصالح التماهي القدسوي، وهنا مكمن الخطورة على التحولات الديمقراطية العربية، التي يبدو أن الاستبداد المزمن قد جلب للعالم العربي ليس مشكلة واحدة هي الاستبداد، بل حزمة من المشكلات المترافقة بصورة ترابطية عميقة الجذور والأصول .

‘ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية