بطبيعة الاحوال، كل خطوة يقوم بها العدو ـ السياسي أو العسكري ـ تثير اهتماما لدى الجمهور الاسرائيلي. هكذا ايضا الخطوة الاخيرة لحماس، التي أعلنت عن استعدادها لحل اللجنة الادارية في قطاع غزة، والتي اعتبرت بمثابة حكومة ضيقة. من خلف القرار ـ ضغط شديد من مصر للوصول إلى ترتيب في الساحة السياسية الفلسطينية بعد أكثر من عقد على الازمة.
الحقيقة هي أنه لا يوجد ما يدعو إلى التأثر بقرار حماس. فحل اللجنة يترافق والدعوة إلى إجراء انتخابات عامة، ولكن حتى هذه ليست خبرا صاخبا. فقد أعربت الحركة في الماضي عن استعدادها لإجراء الانتخابات، انطلاقا من تقديرها بأن بوسعها أن تأخذ هذه المرة ايضا كل الصندوق، مثلما فعلت في كانون الثاني 2006.
يحتمل أن تكون محقة، وليس صدفة أن أبو مازن يمتنع عن التوجه إلى انتخابات جديدة، يمكنها أن تكشف عن اخفاقه المدوي في تنفيذ اصلاح سياسي في صفوف منظمته ـ فتح.
يخدم القرار في نهاية الاسبوع حماس في الساحة الداخلية والإقليمية. فالموافقة على حل اللجنة هي تعبير عن الرغبة في الحصول على مساعدة مصر واتحاد الامارات ـ بوساطة محمد دحلان، من كبار مسؤولي فتح في القطاع ـ لدعم حماس سياسيا واقتصاديا. واضح أن العبء المتواصل المتمثل بالحرص على مصلحة السكان وغياب الاموال النقدية في الصندوق، يستدعي من الحركة تقديم تنازل تكتيكي بين الحين والآخر، ولا يوجد أي عيب في ذلك: فالنبي محمد هو الآخر تصرف على هذا النحو. وفي ضيق الازمنة وعلى خلفية الضائقة الاقتصادية والنقدية المتواصلة (مصيبة انسانية منعت فقط بسبب سياسة اسرائيلية تستهدف منع القاء المسؤولية عليها في حالة مثل هذه الازمة)، قرر اسماعيل هنية هذه المرة بأن المنفعة المتوقعة للحركة كنتيجة لحل اللجنة الادارية تفوق الضرر. وبالفعل، فان أموال المساعدات التي مصدرها الدولة الصغيرة في الخليج الفارسي تشق طريقها إلى القطاع منذ الآن.
في الساحة الداخلية يرفع قرار حماس العقوبات التي فرضها أبو مازن، والتي تضمنت تقليص توريد الكهرباء إلى القطاع واقالة الموظفين. ولكن فضلا عن ذلك، فانه اشارة إلى النية الطيبة للشروع في جولة اخرى هدفها حل الأزمة السياسية في الساحة الفلسطينية. ولا يزال، من هنا حتى ترتيب العلاقات بين الطرفين، الطريق طويل في ضوء المواقف القطبية للعرابين الفلسطينيين.
في نظرة أوسع، لا يوجد هنا تغيير استراتيجي. فحماس لا تتنازل بصفتها هذه عن برنامجها السياسي ورؤياها بالنسبة لمستقبل فلسطين. والخطوة الاخيرة هي ذات معنى سياسي تكتيكي ليس إلا. ففي شهر أيار الماضي فقط اعلنت حماس عن أنها مستعدة لدولة فلسطينية في خطوط 1967، ولكن في البيان نفسه اوضحت ايضا أنها لن تتنازل عن أي شبر من فلسطين. مشوشون؟ قطعا لا. هنا ايضا هذا تنازل سياسي أو، إن شئتم، نسخة عن نظرية المراحل لـ م.ت.ف بصيغة اسلامية خاصة بها. وهنا ايضا يتيح الفقه ذلك، وإن كان لأن النبي نفسه تصرف بشكل مشابه في بداية عهد الإسلام.
كل هذا لا يغير موقف حماس تجاه اسرائيل، وهي تواصل اعتبارها العدو الذي سلب الارض الوقف لفلسطين. ومع ذلك، ورغم الموقف الايديولوجي المتصلب هذا، عرفت حماس في الماضي كيف تتفاوض مع الصهاينة من خلال الوسطاء. وهكذا سيكون لاحقا ايضا. في اوقات الضائقة،
اسرائيل اليوم ـ 18/9/2017
غادي حتمان