مؤخرا نشر اكاديميان فلسطينيان بارزان حسين الآغا واحمد سميح الخالدي مقالا ممتعا، كنوع من لائحة اتهام ذاتية شديدة، يدعي أن نهاية الحركة الوطنية الفلسطينية قد اقتربت. أقوال الاثنين، واللذين عملا في الماضي كمستشارين لياسر عرفات ومحمود عباس، تعبر عن حالة نفسية ورأي عام مهم يسود لدى الفلسطينيين. قبل اسبوعين من ذلك نشرت «النيوزويك» مقالا بعنوان «كيف انتصرت اسرائيل في الحرب وهزمت الحلم الفلسطيني». تبريراته مشابهة لتلك التي يطرحونها.
يدعي الآغا والخالدي أن غياب عرفات ومعارضة عباس في «الكفاح المسلح» قادتا إلى فقدان الحركة الوطنية الفلسطينية للايديولوجيا التي استندت عليها. وفقدت حقها في الوجود. لقد كان للفلسطينيين حقا انجازات في نضالهم ضد اسرائيل، ولكنها لم يكن لها أهمية عملية. منظمة التحرير لم تنجح في التحول إلى حزب سلطة حقيقي، وقد كف عبر السنين عن التمثيل الحقيقي للفلسطينيين وحتى من الممكن ان تفقد مكانتها كـ»ممثل شرعي ووحيد» للشعب الفلسطيني.
النتيجة هي «ان حركة التحرير الفلسطينية… جلبت القليل جدا من التحرير، وبقيت مقيدة داخل عملية سياسية لم تعط أي نتائج». ذروة الحركة الفلسطينية كما يقول الآغا والخالدي، كانت في اتفاقات اوسلو، ولكن هذه كانت دلالة ايضا على بداية الهبوط، وباختصار على الفلسطينيين التكيف مع واقع إقليمي وعالمي أكثر راحة بالنسبة لهم.
الاسباب التي يعددونها للاضمحلال السياسي عديدة: غياب جيل يواصل الطريق لزعماء ذوي مستوى عالٍ ويحظون بمكانة لدى الجمهور وقادرين على صنع السلام، فقدان الثقة بالمفاوضات مع اسرائيل، التصلب في المواقف الاسرائيلية، فشل المبادرات الدبلوماسية الفلسطينية، تدهور مكانة عباس بسبب استمراره في المفاوضات «العقيمة»، معارضته المستمرة لاستخدام العنف، التنسيق الامني، تحول سلطته إلى سلطة فردية.
ولكن الآغا والخالدي لا يتطرقان لمسؤولية عرفات وعباس في إفشال مبادرات السلام الدراماتيكية لايهود باراك وبيل كلينتون وايهود اولمرت. كما أنهما لا يعترفان بان مقاربة الكل او لا شيء ـ وهي المقاربة الاساسية للفلسطينيين منذ بداية ايام الصراع، كانت ضدهم ـ أي ان الفلسطينيين نفسهم يتحملون بالأساس وزر تدهور حركتهم القومية وفقدان الفرصة لإقامة دولة. هنالك كما يبدو حدودا لما يمكن قوله علنا.
ظاهريا، كان علينا ان نفرح. في السنة السبعين لاستقلالنا، وبعد أكثر من مئة سنة من الصراع المرير، «انتصرنا»، واذا لم يغرق رئيس الحكومة قبل ذلك في بحر الفساد، يستطيع ان يصرخ فرحا طوال طريقه نحو صندوق الانتخابات. شعار الانتخابات واضح: هُزم الفلسطينيون ـ واثناء فترة ولايتي.
الحقيقة، كما هو مفهوم، أكثر قسوة. مصير الحركة الوطنية اليهودية مرتبط بحبلها السري بمستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية. إذا هُزم الفلسطينيون حقا، «الانتصار» سيبقينا بالرغم عنا مع حل دولة واحدة، ثنائية القومية، سنعرض للخطر مستقبل المشروع الصهيوني. انه من النادر ان يمكن التاريخ لرؤية ملخص للحلقات القادمة، ولكن الواقع الثنائي القومية تحول منذ فترة من كابوس مستقبلي ممكن إلى واقع مرير، مع الإرهاب الذي أصبح جزءاً من حياتنا ـ والخوف الدائم لجهاز الامن من اندلاع موجة عنف جديدة ـ ومع التوجهات الديمغرافية ومع العنف في الخطاب الجماهيري، أصبحنا اليوم – نتحدث ليس عن أي مستقبل بعيد وغامض، نتاج خيال يساريين انهزاميين ـ اكثر من 40 في المئة من سكان اسرائيل والضفة معا ليسوا يهودا. الحركة الصهيونية لم تعرف يوما بالضبط مفهوم «الدولة القومية للشعب اليهودي»، بالتأكيد ليس بنسب، ولكن دولة أقل من 60 في المئة من سكانها هم يهود، لن تظل كذلك لفترة طويلة. لولا الانفصال عن غزة لكنا نتحدث من فترة عن أغلبية عربية.
بالرغم من تطرق وزيادة قوة اليمين، فان الاستطلاعات تظهر ان معظم الشعب يعارض بشدة حل دولة واحدة ثنائية القومية. بناء على ذلك، يجب تحويل الخطاب الجماهيري من الشأن الفلسطيني إلى النضال من أجل انقاذ المشروع الصهيوني، والذي سيتركز في الحفاظ على حل الدولتين، إلى حين تخلق الظروف المناسبة لتطبيقه. إن احتمالات التوصل إلى اتفاق دائم في السنوات القريبة قليلة جدا، بغض النظر عن مواقف إسرائيل ولكن هنالك العديد من الخطوات التي يمكن اتخاذها اليوم، ومن ضمنها نقل مناطق اخرى من منطقة ج إلى المسؤولية الفلسطينية، هكذا يتم ايجاد منطقة حكم ذاتي حقيقي، خطوات لبناء الثقة والمجتمع الفلسطيني، مثل منح تصاريح بناء في قلقيلية وأماكن أخرى، وفوق كل ذلك ـ وقف الاستيطان خارج الكتل ومنح حوافز للمستوطنين للبدء في «العودة إلى البيت».
اليمين المتطرف في الحكومة يمنع كل ذلك اليوم، ولكن ستكون لدينا حكومات اخرى، ستقوم بطرح مبادرات سلام اختراقية. الظروف تزداد صعوبة مع مرور السنين، ولكن البديل هو دولة ثنائية القومية ونهاية الحركة الوطنية اليهودية. يمكن ان نأمل انه في نهاية الامر، وفي المستقبل القريب ستنتصر الظروف والعقل السوي على المسيحانية. الإعلان عن موت الحركة الوطنية الفلسطينية ما زال مبكرا. علينا أن نأمل جدا ان يكون الأمر كذلك، وهذا من مصلحتنا. على كل الأحوال من الضروري تأمين الا تتحول الموسيقى الجنائزية الفلسطينية إلى اللحن الحزين الاخير للبجع الصهيوني.
هآرتس ـ 18/9/2017