بعد التحولات التي مروا بها عربياً وعراقياً: مثقفون عراقيون رهينو سجون الأيديولوجيا وعقدة الاستعلاء على الجماهير

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: منذ الحرب العالمية الثانية وحتى آخر حرب اندلعت في العالم عموماً، وبلداننا العربية على وجه الخصوص، كان التساؤل الذي غالباً ما يتكرر في كل مرة: ما الذي على المثقف فعله تجاه التحولات التي تطرأ على مجتمعه.. هذا التساؤل وغيره يؤكد عليه القراء والمعنيون بالشأن الثقافي والاجتماعي، كلما انهارت قيم اجتماعية وبرزت قيم أخرى، ومن ثم فإن النماذج التي برزت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي في باريس وأمريكا وغيرهما تتراءى أمام المنادين بمساهمة المثقف في التحولات الاجتماعية، وربما كانت صور سارتر وسيمون دي بوفوار، حين قادا تظاهرت باريس في الستينيات، ومن بعدهما ميشيل فوكو وغيرهم، حاضرة دائماً في ذهن المتلقي العربي. ولنطرح التساؤل نفسه مرة أخرى: هل للمثقف دور في التغيير الاجتماعي عبر التاريخ؟ وإذا كان هذا حقيقي، فأين دور المثقف العراقي في مجتمعه؟

المثقف سومرياً

المتخصص في الآثار والتنقيب، عبد الأمير الحمداني، يؤكد أنه كان للمثقف والمتعلم في المجتمع الرافديني مكانةً مرموقة، فقد كان يلعب دوراً رئيساً، سواءً في توعية المجتمع وإشاعة روح التسامح والمحبة بين الناس، أو في الحد من سلطة المعبد في التدخل بالحياة اليومية للناس. هذه الأخيرة كانت مهمة اضطلع بها كتبة المدن القديمة في تحجيم سطوة الكهنة، وفي فصل المعبد وكهنته عن إدارة الشؤون المدنية للمجتمع. فالمثقف كان عنواناً بارزاً للبلد، وكانت هناك مجالس تضم النخبة من الكتبة والمثقفين يشرعون ويضعون المناهج ويدونون الحكمة والأدب والمعارف، بل يتطوعون في تعليم الناس وتوعيتهم بحيث ينسب لهم أنهم عنوان البلد ومصدر حكمته. فمُعلم الموسيقى في أور- مثلاً- يوضع في مرتبة عظيمة وتقدم له الهدايا. يرد في قصيدة سومرية ما يؤكد على دور المثقف والكاتب في المجتمع:
نيسابا، أنتِ الكاتبة- نيسابا، أنتِ الحكيمة،
نيسابا، أنتِ عشيقة الحكمة، نيسابا، أنتِ ربيبة الذكاء،
مثل زملائهم في أور ونيبور، كان كَتبةَ أوروك يتنافسون حول المعرفة.
شُهرة مدينتي وشُهرة وطني هي شُهرتكم (كتبة أوروك)، عِلْمُ مدينتي وحكمة وطني هي شُهرتكم.
رفعَ الأب ابنه وتحولَ إلى واحدٍ قادرٍ! سين، جعلهُ إنليل الواحد القادر!
وبإرادة أيا وقف، وبإعلان حكمة آبسو عُينَ كاتباً لأور.

نهوض شعبي

يشير الكاتب والمحامي طارق الإبريسم إلى أن بعض الأبحاث تركز على أن الانتشار الثقافي يشكل أساس عملية التغيير الاجتماعي، ويرى اتجاه آخر أن الصراع الثقافي والتناقض الاجتماعي الناجم عنه هو العامل الفاعل في عملية التغيير المجتمعي.. في أوروبا ارتبط دور المثقفين بالحداثة والعلمية والتنوير وحرية الأفكار وظهور الطباعة والجامعات وأفكار الثورة الفرنسية بالمساواة ولوائح حقوق الإنسان المدنية والسياسية وحرية المعتقد والعلمانية والتعددية. وقد بين ذلك جيرار ليكرك في كتابه «سوسيولوجيا المثقفين»، في ظل المنعطفات المحايثة لنهاية عصر الإقطاع وبزوغ الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية اقتصادية، مؤكداً وجود المثقف بوصفة ذلك الفاعل الاجتماعي، العارف، المتمرد، المتشكك، الرائي، الناقد المتسائل، النخبوي وترك أثراً كبيراً في أذهان الناس وفي التحولات الاجتماعية والسياسية. في حين كانت المعضلة الرئيسة حسب ماكس فايبر هي (فك السحر عن العالم)، وفي العالم العربي ظهرت شريحة الانتلجنسيا في خضم الصراع التحرري ضد الاستعمار، مستلهمةً فكر التنوير الغربي، إلا أنه بعد هزيمة يونيو/حزيران 67 وبروز المقاومة الفلسطينية سادت أفكار وإرهاصات فكرية ثورية تعبوية أدت إلى نتائج سلبية أهمها، مهادنة الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية تحت شعار (كل شيء من أجل المعركة)، فعانى المثقفون من اختلال معادلة السياسي والثقافي والاجتماعي.
أما في العراق- بحسب الإبريسم- فقد لعب المثقفون دوراً مهماً في تشكيل الوعي الوطني والسياسي والتحولات الاجتماعية عبر الأدب والفن والمسرح والصحافة والإنتاج الفكري والأكاديمي، وارتبطت الثقافة بالسياسة وتورط المثقفون بالفعل السياسي وآثاره وتعقيداته، فضلاً عن عسف السلطات وسجن بعضهم وتشرد البعض الآخر وبروز أدب السجون.. ونتيجةً للحروب والتعسف ومحاولات السلطة في عهد البعث لدمج المثقف في الواجهة الإعلامية للنظام، فقد اضطر الكثير من المثقفين للهجرة، غير أنه بعد تغيير النظام عن طريق التحالف الدولي تغيب المثقفون بشكل لافت، وشاعت مظاهر الطائفية السياسية والفشل والفساد وأنحى البعض بذلك على دور المثقفين باللائمة، وجرى تبخيس دورهم في الشأن العام، لأسباب معروفة تتعلق بظاهرة العنف وانتشار السلاح والمجموعات المسلحة وفلسفة الحكم القائم على الطائفية والمحاصصة. ويكمل الإبريسم كلامه قائلاً: منذ يوليو/تموز 2015 برزت ظاهرة النهوض الشعبي الاحتجاجي على مظاهر الفساد والفشل، وشارك المثقفون بفاعلية في الحراك الشعبي مستعيدين وظيفتهم العضوية مدافعين عن المدنية.. لهذا نجد أن دور المثقف النخبوي السابق يختلف عن دوره الجديد بوصفه فاعلاً اجتماعياً يسهم في طرح الأفكار والرؤى والحوارات، وساهمت في ذلك وسائل الاتصال الحديثة بشكل لافت.

عطش روحي

في حين يرى الناقد حسن مجاد أننا أولاً، وقبل أن نقعَ في فخاخ الأثر، علينا أن نشكك بقيمة الدور، شكاً يدمي أصابع اليقين وهي تلتمس جمر الحقيقة بوهم فادح، فهل لنا من برهان أكثر دموية من السقوط التاريخي للمثقف العراقي وتصدع الفكر التنويري وتآكله، ليس الآن فحسب، بل منذ نهاية الحقبة الجمهورية الأولى صعوداً نحو فبراير/شباط الأسود ووصولاً إلى جمهورية ما بعد خيمة صفوان بهزائمها الوجودية وسطوتها الكابوسية في حياة الناس والمجتمع. مبيناً أن الخسوف المخيف لحركة التنوير بمؤسساتها التربوية والتعليمية والأكاديمية والنقابية مبكراً، جعل المثقف العراقي يقعُ في لحظة غيبوبة الوعي الاجتماعي لحركة التاريخ، وفهم متغيرات الواقع سياسياً وحضارياً. وإن أردنا أن نفكك ـ بهذه اللهجة الفوكوية ـ بنية اللاوعي الاجتماعي للمثقف العراقي، فإننا سنكتشف أن عطب الدور والفاعلية مرهون بنمط التفكير الثقافي وسلوكه وأنساقه، تلك التي ترجع إلى: أولاً: اللاعقلانية في المعرفة ومصادرها والسقوط في دائرة الطائفي– العشائري، وثانيا: العزلة الطوباوية عن العالم، بدءاً من المتاهة اللغوية في الخطاب الثقافي ووصولاً إلى الزيف النرسيسي المعبأ بالشعور العدمي للواقع والوجود، وثالثاً: الشعور المرضي بأنه فتاحُ فأل الحقيقة، مفسرها وكاشف أسرارها، من دون أن يدرك ـ ولو للحظة فاجعة– بهشاشتها وزيفها، وأن لا دور له في رقعة الشطرنج حتى في متعة المشاهدة.
إن هذه البنى الكلية في نمط التفكير الثقافي التي لها أسبابها وعاملها التكويني، من الانهماك بالحروب الدموية على مدار عقود خلت، والتربص بالخوف السلطوي بأجهزتها الوحشية والبوليسية، قد منعت وحجبت لحظة التفكير وإعادة النظر نقداً وتمحيصاً لمجمل نشاطنا الثقافي والفكري خلال حقبتي (الديكتاتورية الثورية) و(الإسلاموية الأصولية)، ولم نفد من حالة الانكسار الروحي للشعب وهو يخرج من عصر الجوع في الحقبة الأولى نحو العطش الروحي والصوفي في الحقبة الثانية!

المستشار

وحسب الكاتب قيس ناصر، يُقال إن الأفكار هي التي تحكم العالم، فبدون رؤية لا يمكن تقديم حلول للمشاكل المُعاشة. تاريخياً، ظهر جلياً اشتغال المثقف مع رجالات السلطة، ففي تاريخ الفكر الغربي هناك تمثيل للقول السابق، فقد ظهر المثقفون (فلاسفة، ادباء، رجال دين الخ) الذين كانوا يُعلمون الأمراء الصغار ويُعرفونهم القيادة، والقائمة متنوعة تضم أرسطو الذي عمل مع الإسكندر المقدوني، وسينيكا الذي علم نيرون. وتوماس هوبز الذي علم أمير ويلز (تشارلز الثاني)، كما استخدم ميكافيللي خبراته في حكومة فلورنسا لتأليف كتب عملت كأدوات عملية لأجيال عديدة من السياسيين المتطلعين، إذ يعد كتاب «الأمير» أشهر مثال لهذه النوعية من الكتابة وأسوأها سمعة، وقد توجت هذه الاشتغالات مع تلامذة ليو شتراوس وعلاقتهم بالسلطة في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما في العالم الإسلامي، فيبدو أن هناك إشكالية في العلاقة بين المثقف والسلطة من خلال عمل المعتزلة مع السلطة، التي بدورها فرضت عقيدة المعتزلة زمن المحنة، مروراً بالعلاقة الملتبسة للفارابي وابن سينا مع السلطة، فضلاً عن محنة ابن رشد، والقائمة تطول. تلك الإشكالية، لم يستطع المثقف العربي الراهن تجاوزها، فبقي دوره في التغيير السياسي والاجتماعي ملتبساً، إذ عمل البعض على نقد السلطة وجعل من ذلك هدفه الأساس، والبعض الآخر اشتغل ضمنها ونظر لها. ويمكن إيجاز القول بأن الصورة المتشكلة عن المثقف العربي الراهن تتمثل بانشغاله بالإجابة عن سؤال من يحكم؟ وتركه للإجابة وقبل ذلك تركه لإثارة سؤال كيف نحكم؟
ويضيف ناصر: راهناً، تقف الدولة العراقية بكل تشكيلاتها: الإنسان، المجتمع، السلطة، والأرض على مفترق طرق. ووفق ما هو كائن هل يمكن تحقيق الإصلاح؟ وما دور المثقف في الإصلاح؟ وقبل معرفة دور المثقف، ينبغي الاشتغال على تشخيص القوى الاجتماعية الفاعلة بكل أشكالها الدينية، القبلية، والاقتصادية، التي لا يمتلك المثقف العراقي دوراً فيها، رغم أن البعض من المثقفين قد تخلى عن هويته واشتغل ناشطاً مدنياً، وهذا الأخير أنتج شكلاً جديداً من أشكال القوى الاجتماعية، فبالنتيجة يمكن القول إن هوية المثقف التي يؤمن بها الباحث لا تتعدى كونه مستشاراً في أحسن الأحوال؛ سواءً كان مع السلطة أو مع القوى الاجتماعية الفاعلة.

أفكار ميتة

من جانبٍ آخر، يقول جاسم السدر، أنه منذ فجر التاريخ وعلى اختلاف المجتمعات في شتى أرجاء المعمورة في جهاتها الأربع، وحيثما اتجهنا سنجد المثقف حاضراً وشاهداً وفاعلاً مؤثراً في مجتمعه، يحدثنا المتبحرون في تاريخ الحضارات، والمسافرون في أزقة عماراتها، إنهم أدركوا ومن الوهلة الأولى أن خلف الصروح فلسفة أسهمت في تشييدها، وأن وراء الاستقرار ثقافة جعلت منه أحد معطيات واقع المجتمعات، منذ أفلاطون وتلميذه أرسطو الذين كان لهما أكبر الأثر في مجتمع أثينا القديمة، عبر ما طرحاه من فلسفات وأفكار ورؤى غيرت وجه ذلك العالم القديم، مروراً بما اصطلح عليه بالأدباء، الاسم الذي أطلق في الأزمان البعيدة على شريحة المثقفين، الذين توهجت بأفكارهم العواصم القديمة كابن المقفع والجاحظ في البصرة وبغداد، وابن رشد في الأندلس وغيرهم من هذه الشريحة التواقة إلى تغيير مجتمعاتهم، رغم المحن والعوائق التي اعترضتهم، سواءً أكانت سلطات مستبدة أم جماهير متمترسة بأفكارها الميتة، وحيثما ازدهرت حضارة كان للمثقف حضوره الفاعل، وما بزغت شمس نهضة إلا وكان للمثقف أثره الواضح في عملية ولادتها. فهو صانع أفكارها بجدارة وباني أطر ثقافتها بما عرف عنه من رصانة وعمق واستشراف، وما كان للتغيرات الاجتماعية والتحولات الثقافية أن ترى النور فضلاً عن أن تتجسد في واقع المجتمعات لولا رحيق أفكاره ووهج رؤاه التي أحدثت في شرايين مجتمعه حراكاً، بحثا عن التغيير نحو حلمها الذي غذاه بعصارة أفكاره.. ويرى السدر أن مفردة المثقف حينما تطلق تعني المشتغل على بناء ذاته الفكرية، متميزاً عن بقية معاصريه المتعلمين الذين اكتفوا بالمعلومات والمعرفة من بيئاتها المعروفة، المثقف حسب رؤية هشام شرابي في كتابه «مقدمات لدراسة المجتمع العربي» اجتمعت فيه صفتان أساسيتان: أولاهما الوعي الاجتماعي الذي يمكنه من رؤية مجتمعه وقضاياه من زاوية شاملة يحللها على مستوى نظري متماسك، وثانيتهما الدور الاجتماعي الذي يؤهله وعيه وكفايته الفكرية في التأثير على راهنيات واقعه وتحفيز قوى مجتمعه لتحقيق آمالها وطموحاتها.
أما المثقف اليوم فهو رهين محابسه المختلفة من أيديولوجيات متخشبة وعقدة الاستعلاء على الجماهير وأسر القراءات الضبابية وأغلال اليأس والإحباط، التي عوقته عن النهوض بدوره التغييري بعد ارتباكات مجهضة وتجارب مرة في واقع اجتماعي معقد وبحر متلاطم لجماهير أضناها التيه في صحارى الاستبداد وتعاقب الإدارات التي لم تنظر للمثقف من زاوية ما يختزنه من كفايات فكرية بإمكانها أن تسهم بفاعلية في ترشيد عملية التغيير الاجتماعي المؤجلة.. أما عملية التغيير الاجتماعي التي من المؤمل أن يخوض غمارها المثقف، فهي تتطلب منه أن يدفع استحقاقاتها أولا عبر إعادة اكتشاف ذاته الفكرية وبناء وعيه وذاكرته ومتبنياته الثقافية وإخضاعها لمشرحة التحليل والنقد عبر عمليات جراحية جريئة، وهنا سيصبح جزءاً من الحل ومؤهلاً بجدارة للمساهمة الفاعلة في التغيير الاجتماعي المأمول.

بعد التحولات التي مروا بها عربياً وعراقياً: مثقفون عراقيون رهينو سجون الأيديولوجيا وعقدة الاستعلاء على الجماهير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية