«طفولة إيفان» لأندريه تاركوفسكي: حكاية طفل روسي شارك في الحرب ضد النازيين

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: هو الفيلم الأوّل لتاركوفسكي، أنجزه وهو بعمر 29، وكان بداية نموذجية لسيرته الفيلمية، وهو نفسه قال إنّ في هذا الفيلم سيرى إن كان سيكمل حياته كمخرج أم لا. أنهى دراسته في المعهد السينمائي في روسيا، وكان جاهزاً لتلقّي فيلمٍ توقّف مخرجه الأساسي عن إنجازه، أخذه تاركوفسكي وبدأه من جديد فكان «طفولة إيفان» الذي استحقّ عنه جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا الدولي عام 1962.
كان الفيلم فاتحة لتاركوفسكي ومقدّمة لأفلامه اللاحقة، وإن كان في مضمونه فيلماً سوفييتياً نموذجياً: الحرب مع النازية والانتصار عليها، تصوير حياة الجنود السوفييت ومقاومة مدنٍّي هو هنا طفل، لكن الفيلم احتوى على إشارات لما سيخرجه تاركوفسكي لاحقاً: الجداريات تذكّر بـ»أندريه روبليف»، صور الحرب بـ «المرآة»، الأجواء السوداوية بـ «ستوكر»، التقطّع في السرد بـ «نوستالجيا». وطالما أنّه تلقى السيناريو (المأخوذ عن قصة لفلاديمير بوغوملوف)، ولم يختره أو يشارك أساساً في كتابته، كما في باقي أفلامه، فقد تركّز حضوره، كمخرج، في الصّور: الشاعرية التي سيُعرف بها والتي صوّر بها ظروف الحرب، ولعلّه فيلم الحرب الأكثر شاعرية ورهافة، إضافة إلى لقطات جمالية اعتمدت على زوايا التصوير والتقطيع، تركّزت أكثر في الأحلام التي تأتي لإيفان الطفل، ما يعطي المخرجَ مساحة أكبر للخيال، بخلاف الواقع السوداوي والقاتم للحرب آنذاك. وهو لذلك يختلف عن باقي أفلامه من حيث السرد، ففيه حكاية واضحة تبدأ وتتطوّر وتنتهي.
هي حكاية إيفان، 12 عاماً، يختار أن يعمل كمستطلع للجيش الأحمر السوفييتي في الأراضي التي احتلها النازيون الألمان، يتعامل مع أحد الضباط، بسرّية. نرى من البداية صرامة في كلامه وسلوكه لا يناسبان عمره، إلا أنّنا كلّما تعرّفنا على حياته السابقة للاحتلال الألماني عرفنا أسباب هذه الفجوة بين عمره وشخصيته، فقد قتل الألمان والدته وصديقته. خلال الفيلم يطلب إيفان بأن يتم إرساله في مهمات أخرى، يرفض الضابط طالباً منه العودة إلى مكانه الطبيعي كطفل، يصرّ إيفان، إلى أن يرسلوه أخيراً في مهمة على الضّفة الأخرى دون أن يعود. سيتم تحرير البلد من النازيين وسيعرف الضابط، والمشاهدون، لمَ لم يعد إيفان.
في الفيلم خطّان متوازيان: الواقع وهو زمن الأحداث، حيث الحرب العالمية الثانية وظروفها، وحيث القتامة، وجه إيفان ملطّخ ومعظم وقته غاضب أو حزين. والأحلام والخيالات التي تأتي لإيفان، إذ ندخل إلى عالم سابق للحرب، حيث يمضي وقتاً فرحاً مع والدته ويلعبان بالماء، ومع صديقة له كذلك يأكلان من التفاح الذي يجلسون عليه وقد ملأ ظهر شاحنة، نرى الطفل ضاحكاً، بوجه مشرق وشعر لامع.
للفيلم صفات تاركوفسكيّة أقل من غيره، كونه أوّلها، إلا أنّه كباقي الأفلام، لا يخلو من الماء، صوتاً وصورة، بل الماء حاضرٌ، كما في باقي أفلامه، بأكثر من شكل، مستنقع ونهر وشتاء، وكذلك في استخدامات منزلية، مع تركيز دائم على أصواتها، على أصوات تفاعلها مع ما حولها أو فيها. وتصوير الماء في أفلام تاركوفسكي هي مانح أساسي للشعرية فيها، أيّ واحد من أفلامه يمكن أن يكون مثالاً جيداً لذلك، بما فيها «طفولة إيفان».
في الفيلم مَشاهد لا يمكن إلا أن تعلق في ذهن المُشاهد، منها مشهد القبلة بين الضابط والممرضة، وهو يحملها لينقلها من طرف لآخر، ومنها مشهد بديع هو تصوير إيفان ووالدته من تحت سطح ماء البئر، وهما يمدّان أيديهما للمسه كأنّهما يلمسان عدسة الكاميرا المغطّسة في الماء، أو صورته خلف الزجاج المكسور أو بين الخراب، عدا عن حركات الكاميرا متقدّمة أو متراجعة (الترافيلينغ)، والمونتاج وزوايا التصوير وتكثيف العتمة في أماكن والإضاءة في غيرها.
الفيلم، «Ivan’s Childhood»، هو رابع الأفلام التي أعيد ترميمها في فرنسا وتُعرض حالياً في الصالات وقمنا بمراجعتها هنا، بعد «سولاريس» و «ستوكر» و «أندريه روبليف»، على أن ننهي الخمسة قريباً بفيلم «المرآة». قد يكون أفضل ما يمكن أن يُقال عن الفيلم هو الإشارة إلى أن المخرج السويدي إنغمار بيرغمان، حين قال بأنّ تاركوفسكي أعظم مخرج في زماننا، كان يشير إلى هذا الفيلم بالتحديد، كما أن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر خصّه بنصٍّ طويل.

«طفولة إيفان» لأندريه تاركوفسكي: حكاية طفل روسي شارك في الحرب ضد النازيين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية