منذ الانقلاب الذي قام به اللواء عبد الفتاح السيسي على سلطة محمد مرسي والإخوان المسلمين في مصر بتاريخ 3 تموز/يوليو الماضي، ومعبر/شريان غزة الوحيد الذي يربطها مع العالم الخارجي مغلق أو شبه مغلق. فقد انخفضت ساعات فتح المعبر بنسبة 75′ قياسا بالأشهر السابقة للانقلاب. فـُـتح المعبر يوم السبت الماضي (24/8) مدة أربع ساعات، تمكن 345 شخصا عالقين داخل القطاع من عبور الأراضي المصرية معظمهم من المرضى وذوي الجنسيات الأجنبية وحملة الإقامات الرسمية المصرية. كما تمكن 619 شخصا من عبور القطاع كانوا مكدسين على الجهة الأخرى من المعبر لعدة أيام. الحكومة العسكرية في القاهرة لم تغلق المعبر فحسب، بل قامت بهدم مئات الأنفاق التي تحولت بفضل سياسات الرئيس المخلوع والمعاد تأهيله مبارك، إلى وسيلة بديلة لا مناص عنها لاستيراد البضائع المصرية من مواد غذائية ومحروقات وبضائع ومعدات بناء. وحسب المركز القانوني لحرية الحركة الإسرائيلي (غيشاوأي مسلك) المعني بمراقبة حرية الحركة من وإلى قطاع غزة، فقد ارتفع عدد العابرين للمعبر في السنة اليتيمة التي حكم فيها مرسي إلى 40000 شهريا من معدل 15000 أيام الرئيس المخلوع والمعاد تأهيله مبارك. إن إغلاق المعبر انتهاك لحقوق الإنسان لمليون وستمئة وخمسين ألف فلسطيني مكومين في أكبر سجن إنساني على وجه الكرة الأرضية. وإن هذا الإغلاق لا يمكن إلا أن يلعب دور فك الكماشة الآخر، ليطبق ونظيره الإسرائيلي على قطاع غزة، في أكبر جريمة عقاب جماعي تشترك فيها دولتان، مهما قدمت قيادة السيسي أو مرسي أو مبارك (لا فرق) من مبررات غير مقبولة، كالأمن القومي وتدخلات حماس وتسلل عناصر متطرفة إلى سيناء، واختباء عناصر هاربة من سيناء داخل القطاع عن طريق الأنفاق. لا قانون دولي ولا قانون إنساني ولا قانون إلهي ولا عرف ولا أخلاق تسمح لأي قيادة مصرية، مهما ادعت من وطنية، بأن تمارس عملية حصار جماعي لسكان قطاع غزة جميعهم، بغض النظر عن مواقف حماس وسياسة حماس وقيادة حماس وشرعية حماس وإمارة حماس. فلا رئة يتنفس منها القطاع إلا مصر ولا شريان للحياة لشعب القطاع إلا عبر مصر.
بعد قرار انسحاب إسرائيل الانفرادي والشكلي من قطاع غزة عام 2005، تم التوصل إلى اتفاق في شهر تشرين الثاني /نوفمبر لإدارة معبر رفح، الذي بني حسب المواصفات الدولية كمعبر دولي يربط بين دولتين. وقد تم الاتفاق على أن يدار ثنائيا من قبل السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تركيب كاميرات بث ترسل للجانب الإسرائيلي صورا عمن يدخل أو يخرج من المعبر، ومن حق إسرائيل أن تقبل أو ترفض أو تعترض أو تمنع دخول من هو على قوائم المطلوبين، أو يشكل خطرا على أمنها. وقد تم الافتتاح يوم 26 نوفمبر 2005 بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعمر سليمان عن الجانب المصري. ومما جاء في كلمة سليمان: إن هذا الممر’ سيجعل الطريق مفتوحة نحو مصر والعالم أجمع، ويجعل الحدود الفلسطينية المصرية حدوداً جامعة لا مانعة، ويجعل من تواصل الأهل على جانبي الحدود حدثاً يومياً’. أما محمد دحلان، مسؤول الأمن الفلسطيني ووزير الشؤون المدنية آنذاك، فقد ألقى كلمة في الاحتفال وكأنه محرر غزة قائلا ‘إن هذا الإنجاز هو نتاج طبيعي للدعم الصادق من إخواننا في الأردن ومصر وكل الدول العربية’. هذا الاتفاق الغريب وغير المتوازن لم يصمد أمام التطورات، لأن ما بني على باطل فهو باطل. فقد تجاوزته الأحداث منذ زمن طويل وتحول الاتفاق إلى حبر على ورق بعد أن خسرت حركة فتح انتخابات 2006 وانتقلت السلطة، نظريا، بطريقة سلمية وحضارية إلى حركة حماس التي لم يسمح لها أن تحكم فعلا ولو ليوم واحد، وبدأ الإعداد لإسقاطها منذ اليوم الأول لنجاحها. إسرائيل من جهتها لم تلتزم بالاتفاقية من اللحظة التي تم أسر الجندي جلعاد شاليط في 25 حزيران/يونيو 2006، حيث أغلق المعبر بشكل شبه دائم. كما داست إسرائيل بدباباتها القطاع مرة وراء مرة في عملية الرصاص المسكوب 2008/2009، وعملية عامود السحاب 2012، ومئات الغارات والهجمات وغيرها. بعد استيلاء حركة حماس على قطاع غزة في يونيو 2007 خضع القطاع لعملية محكمة من الحصار البري والبحري والجوي. من جهته قام نظام مبارك بتشديد الحصار على القطاع، وبنى الأسلاك الشائكة والترسانات المسلحة فوق الأرض وتحت الأرض. ولم يبق أمام الشعب الفلسطيني في القطاع إلا اختراق المعبر بكافة الطرق حتى ولو بالقوة. وقد نفذ ناشطون فلسطينيون عملية الاختراق لأول مرة في 22 كانون الثاني /يناير 2008، إلا أن الأمن المصري أطلق النار عليهم فاضطروا للعودة للقطاع، فقامت حركة حماس في نفس الليلة بتفجير 15 عبوة ناسفة في الجدار لتفتح ثغرة طولها 200 متر. وفي صباح اليوم التالي اخترق ما يزيد عن 300000 غزي الجانب المصري كسرا للحصار الخانق ولشراء احتياجاتهم، لكنهم تصرفوا بطريقة حضارية فعادوا إلى القطاع ولم يخلوا بنظام ولم يعتدوا على أحد ولم يأخذوا شئيا من دون دفع ثمنه نقدا، رغم تهديدات أحمد أبو الغيط، وزير خارجية نظام مبارك المخلوع والمعاد تأهيله، بتكسير أرجلهم.
كان الاختراق بمثابة رسالة: إما أن تبقوا المعبر مفتوحا أو لا تلومونا إذا تصرفنا بطرق ملتوية. وبالفعل بدأت بعدها عمليات فتح الأنفاق، التي وصل عددها إلى ما يزيد عن 1200 نفق. وكلما هدمت إسرائيل أو قوات الأمن المصرية نفقا أو نفقين قام الناشطون بفتح عشرة أنفاق أو أكثر، ثم ما لبثت أن تشابكت مصالح الجماعات الفلسطينية والمصرية المستفيدة من تجارة الأنفاق حتى بدأت القوات المصرية من جهتها تغض الطرف عن الأنفاق، وكذلك حركة حماس لأن الأنفاق أصبحت مصدر دخل للجانبين المصري والفلسطيني. وبقيت الأمور هكذا كأنها لعبة شد الحبل، يفتح المعبر ويغلق حسب مزاج القيادة المصرية والأحداث على الأرض والضغوط الدولية التي تمارس عليها من أكثر من جهة.
بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 تنفس القطاع الصعداء، خاصة بعد تعيين نبيل العربي وزيرا للخارجية، الذي كان من أوائل تصريحاته ‘فتح المعبر بشكل دائم’. وقد يكون هذا التصريح هو الذي رمى به من الخارجية إلى الجامعة العربية ليتحول إلى أمين عام فاشل أسوة بسلفه عمرو موسى، لقد ظل المعبر مفتوحا إلى حد كبير ابتداء من 28 أيار/مايو 2011 إلى انقلاب اللواء السيسي، إلا عندما قتل الجنود الستة عشر في رمضان 2012، حيث أغلق لعدة أيام فقط.
معنى إغلاق المعبر
نقاط الحدود بين الدول لا تغلق حتى في حالة الحرب، من حق أي دولة أن تتشدد فيمن يمرعبر أراضيها ومطاراتها، ومن حقها أن تتحقق من هويات كل العابرين، ومن حقها أن تفتش الأمتعة والأجساد والسيارات، ومن حقها أن تعتقل كل من هو مطلوب، ومن حقها أن تمنع مرور من هو خطر على أمنها، ومن حقها أن تحقق مع من تشك فيه، ومن حقها أن تطلب قوائم بالعابرين للحدود سلفا، كما تفعل الدول الأخرى مع قوائم المسافرين بالطائرات، لكن ليس من حقها لا قانونيا ولا أخلاقيا أن تخضع المعبر لاعتبارات السياسة والمزاج والمزايدة وشيطنة الآخر والبحث عن كبش فداء تعلق عليه حنقها.
ليس معقولا ولا مقبولا أن يغلق المعبر بناء على مزاج القيادة المصرية وموقفها ممن يحكم غزة. ليس منطقيا كلما أصيب جندي مصري أو قتل مسلح أو متطرف أو حدثت مواجهة بين الأمن والجيش والمتطرفين المصريين تقفل البوابة على أهل غزة ليصبحوا جميعا ‘رهناء المحبسين’ الإسرائيلي والمصري، مع الاعتذار من أبي العلاء المعري. ليس منطقيا أن يأتي المتضامنون مع المحاصرين في غزة من كل أقطار الدنيا وتستقبلهم قوات الأمن المصري بالهراوات والتوبيخ والطرد والاعتقال والحجز. ليس مقبولا أن يؤخذ سكان غزة كلهم بجريرة حماس ويدفعون ثمن موقفها من تأييد مرسي، الذي وصل إلى السلطة بالانتخاب، مثلما وصلت حركة حماس بالانتخاب. الانقلاب على مرسي نجح لكن انقلابا شبيها على حركة حماس لم ينجح، علما أن التحضير له بدأ منذ اليوم الأول لفوزها عام 2006. ومن يريد الاطــلاع على التفـــاصيل فليـــطالع مقــال مجلة ‘فانيتي فير’ الأمريكية عدد نيسان/ أبريل 2008 تحت عنوان ‘ قنبلة غزة’.
إن شيطنة حماس واعتبار الاتصال بها جريمة يعاقب عليها القانون مقصود منها شيطنة كل الشعب الفلسطيني، وبالتالي تبرير الحصار على قطاع غزة إلى أن يحين وقت معركة تصفية حماس بنفس الطريقة التي صفيت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر. فحماس الآن معزولة ومحاصرة – فقدت قاعدتها في سورية – وفقدت علاقاتها مع إيران – وفترت علاقاتها مع قطر، وتحاصر من قبل القيادة العسكرية المصرية، وشعبيتها داخل القطاع تتآكل والسلطة الفلسطينية جاهزة الآن للتحرك بعد تشكيل حركة ‘تمرد’ – لاحظ التشابه في الأسماء مع حركة تمرد المصرية – التي تستعد لإخراج مظاهرة حاشدة في أوائل نوفمبر- فإما أن تواجهها حماس بالقوة وبالتالي تحرق ما تبقى لديها من أوراق، أو تشعل تلك الحركة القطاع ضد حركة حماس، وبالتالي ينتهي وجود أي معارضة جادة للهيمنة الإسرائيلية، وهذا هو سر الصراع في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة حيث بدأ بتدمير العراق، مرورا بسورية وصولا إلى مصر، كي تستسلم المنطقة كليا وتنفرد إسرائيل بكل أسباب القوة.
نتمنى عليك يا سيادة اللواء، وأنت تحاول أن تذكرنا بخالد الذكر جمال عبد الناصر أن تعلن على رؤوس الأشهاد أن المعبر سيبقى مفتوحا باستمرار من أجل الشعب المحاصر في غزة، وليس بالضرورة من أجل عيون حماس.. وهذا الموقف المبدئي والقانوني والخلقي والوطني ليس له علاقة بحماس ولا بالموقف من حماس، بل بالآلاف من أبناء القطاع من طلاب ومرضى وزوار ومتضامنين أجانب ومصريات متزوجات من فلسطينيين ومصريين متزوجين من فلسطينيات وأولادهم وبناتهم وتجار وحجاج ومعتمرين. فهلا تلامس هذه الدعوة فيكم نخوة الشرف العسكري والحس الوطني العالي الذي نعرفه ونجله في أبناء الجيش المصري البطل؟
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك