مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي: «كان الكثيرون وخاصة الأصدقاء منهم ينادونه بعربي أو تركي، وهذه حقيقة، وكان هذا تعبيراً ودياً وحميمياً، أما نسيب فلم يكن يحب هذه التسمية فيرفضها منزعجاً، وأحياناً يغضب منها فيجيب:
– تركية هي أمك،
– لكن يا نسيب ..
– نادني بما تريد، إلا تركي، أنا برازيلي، ويضرب بيده على صدره الكثيف الشعر، ويضيف ابن سوري والحمد لله.
– عربي، تركي، سوري، كله الشيء نفسه
– الشيء نفسه يا صاحب القرون! أنت جاهل، لا تعرف لا التاريخ ولا الجغرافيا
– مهلاً يا نسيب، لا تغضب لم أقصد إهانتك».
هكذا تقول إحدى الشخصيات الرئيسية في رواية خورخي آمادو «غابرييلاً قرنفل وقرفة»، كتجسيد لحالة الغضب الذي كان يستشيط بها المغتربون العرب عند نعتهم بـ»التركي».
وصمة المُحتل
هكذا كان هؤلاء المغتربون العرب الأوائل ينزعجون من لقب «التركي» الذي كان يلحق بهم جزافاً. كان هؤلاء يتنقلون امتداداً من الأمازون على متن مراكب تجارية إلى كل أنحاء أمريكا اللاتينية، بالفعل كان يطلق عليهم لقب «تُوركُو» ــ أي التركي ــ وكانوا دوماً يعترضون على هذه التسمية، إذ حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانوا يصلون إلى المهجر حاملين جوازات سفر صادرة عن الإمبراطورية العثمانية، وهي في حالة انحلال آنذاك، فلم يرغبوا في أن يُطلق عليهم اسم الذين كانوا يتسلطون على بلادهم.
العرب وأدب أمريكا اللاتينية
فى المقال السابق من هذه الدراسة الذي يحمل عنوان «مبدعون عرب على خريطة أدب أمريكا اللاتينية» (أنظر «القدس العربي» عدد 8939 الجمعة 8 أيلول/ سبتمبر 2017) أشرنا إلى أن هؤلاء الوافدين العرب الذين تقاطروا على القارة الجديدة في تواريخ متفاوتة قد استقدموا معهم عاداتهم وتقاليدَهم وثقافتَهم، آدابَهم وحسهم الشعري الرقيق، وبالتالي كان تأثيرهم في المجتمع الجديد بليغاً في مختلف هذه المجالات. وهكذا عاش وما زال يعيش في هذا الصقع النائي من العالم عدد غفير من الكتاب والروائيين والشعراء العرب المهاجرين، الذين اشتهروا بعطاءاتهم المميزة، وإبداعاتهم وإسهاماتهم الغنية والمتنوعة، وأوضحنا كيف قدّم لنا هذا الأدب أسماءَ معروفة ولامعة في عالم الإبداع، منها، الشاعر القروي إلياس فرحات، شفيق معلوف، حسني رشيد غراب، يوسف فاخوري، فيليب لطف الله، موسى حداد وهيب إسكندر عودة، الأخَوَان إلياس وزكي قنصل، نسيب عريضة، عبد المسيح حداد، ولويس فياض، وغيرها من الأسماء الكثيرة التي لا حصر لها، فضلاً عن أسماء أخرى طبقت شهرتها الآفاق مثل جبران خليل جبران، وإيليا أبي ماضي، وسواهما. كما أوضحنا دور الصحافة في هذا القبيل، حيث صدرت أول صحيفة في أمريكا اللاتينية عام 1892 وهي «كوكب أمريكا»، لنجيب إبراهيم عربيلي، وتوالت بعد ذلك الجرائد والمجلات في الصدور حتى كاد يصل عددها إلى 400 دورية، منها: «الهدى»، لنعوم مكرزل، و«البيان» لسليمان بدور، و«السائح» لعبد المسيح حداد، و«الفنون» لنسيب عريضة، و«السمير» لإيليا أبي ماضي، و«الغربال» لليوسف مسالم (صدرت عام 1922 وما زالت تصدر إلى يومنا هذا في المكسيك)، فضلاً عن دور «العصبة الأندلسية» في الجنوب، و»الرابطة القلمية» في الشمال.
وعليه فإن الوجود العربي وتأثيره في أدب امريكا اللاتينية أمر لا يمكن نكرانه أو تجاهله، بل إن هناك في الوقت الراهن كتاباً مرموقين في أمريكا اللاتينية ينحدرون من أصول عربية، والتأثير العربي بالتالي واضح وجلي في إبداعهم، وأدبهم وإنتاجهم، حتى إن أصبح يُكتب اليوم بلغة غير اللغة العربية. وليس من السهولة واليُسر تصنيف جرد شامل أو قائمة شاملة ومتكاملة لهؤلاء الكتاب في مختلف بلدان أمريكا اللاتينية اليوم، نظراً للعديد من الاعتبارات، وقد أورد الشاعر والباحث التشيلي سيرخيو ماثياس أسماء بعض هؤلاء الكتاب ضمن دراسة له ذات صلة بالموضوع، الذي نحن بصدده، وتتوزع هذه الأسماء على مختلف بلدان أمريكا اللاتينية المعروفة في الوقت الراهن، ونقدم للقارئ في ما يلي نماذجَ من هؤلاء الكتاب والشعراء.
لويس فياض.. وألف
ليلة وليلة (كولومبيا)
هذا الكاتب من أصل عربي وُلد في بوغوتا عام 1945، وتحفل أعماله الروائية والقصصية بكل ما هو عربي، وحسب التقليد السائد عند أدباء وشعراء أمريكا اللاتينية فإنه عندما يريد التحدث عن «العربي» فإنه يستعمل مصطلح «التركي». ويعالج فياض في كتاباته مسألة الهجرة العربية بالذات إلى مختلف البلاد الأمريكية، وكثيراً ما يتعرض إلى كِتابٍ كان له وقع بليغ على الكثير من كتاب أمريكا اللاتينية سواء الذين ينحدرون من أصل عربي أو لا، وهو كتاب «ألف ليلة وليلة»، ولم يفلت من هذا التأثير حتى عراب الرواية الأمريكية اللاتينية غابرييل غارسيا ماركيز، كما يتعرض لويس فياض كذلك في العديد من كتاباته إلى أزمة الشرق الأوسط، وإلى محنة الفلسطينيين على وجه الخصوص.
والتر غريب.. إعجاب بالأندلس ومآثرها (تشيلي)
كاتب من أصل فلسطيني، وينغمس هو الآخر في كتاب «ألف ليلة وليلة»، وفي أعمال جبران خليل جبران، كان مديراً للمعهد التشيلي- العربي، وهو مؤسس نادي القصة بسانتياغو دي تشيلي، بل أصبح في ما بعد مديراً لجمعية الكتاب التشيليين. من أعماله الناجحة «حفل المعوقين». زار إسبانيا ولم يسترعِ انتباهَه شيء فيها، حسبما صرح لمواطنه الشاعر التشيلي سيرخيو ماثياس سوى الأندلس، إذ كانت رحلته لها بالنسبة له إحياءً للعهد والمجد الزاهرين العربيين في هذه الديار، ولقد أعجب إعجاباً كبيراً بقصر الحمراء في غرناطة، وببرج الذهب، وبصومعة الخيرالدا في إشبيلية (توأمة صومعتيْ حسان في الرباط، والكتبية في مراكش، كما كان إعجابه بمسجد قرطبة الأعظم لا حد له، فضلاً عن آثار وقصور ومعالم عربية أخرى.
هرنان تراك والحنين
إلى صوت الأذان (فنزويلا)
الكاتب هرنان تراك من أصل لبناني، وُلد في كولومبيا عام 1926 إلا أنه عاش باستمرار في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وهو يتعاطى الشعر، وله دراسات أدبية مهمة في مختلف حقول المعرفة والإبداع والإنسانيات، من أعماله الشعرية «ساعة سريرية» (1964)، و»أقربائي» ( 1968)، وله كذلك «قصة وكاتب»، وزمن الصمت» ( 1968)، توفي هرنان تراك في كراكاس عام 1977. يتحدث تراك في كتابه «أقربائي» عن أجداده وأصله العربي، وكيف أنه كان بين والده ووالدته جسر بناؤه غير متين، إنه يتذكر في كتاباته صوت الأذان، وبائعات الفل والياسمين، والعديد من الذكريات الجميلة التي حملها أجداده معهم إلى مهجرهم الجديد.
ماتياس رافيدي
وأحلام قابيل (التشيلي)
ومن الكتاب التشيليين البارزين كذلك من أصل عربي الباحث ماتياس رافيدي، من أعماله في هذا المجال بالذات كتابه «كُتاب تشيليون من أصل عربي»، وقد قسم كتابَه إلى أجيال من الكتاب التشيليين الذين ينحدرون من أصل عربي، وعرف بكل جيل على حدة، انطلاقاً من الكتاب الذين وُلدوا في التاريخ المتراوح بين 1890 و1904 والذي يُعرف بجيل 1920 إلى جيل الكتاب المولودين بين 1950 و1964.
ومن الأسماء التي ساقها الباحث رافيدي في هذا الكتاب القيم: بندكتو شوقي، يوسف عويل حنا، موريس موسى، إدريس سبيلا، روبرتو سراح، محفوظ ماسيس، وفريد هيد ناصر، وقد ترجم المؤلف في هذا الكتاب لما يربو على الثلاثين كاتباً تشيلياً من أصل عربي، وقد عالج هؤلاء الكتاب مختلف فنون القول من شعر ونثر، ومن بين هذه المجموعة برزت أسماء لامعة منها محفوظ ماسيس، المولود عام 1916 في تشيلي وهو من أصل فلسطيني، ونجد في أعماله إشارات كثيرة إلى أصله العربي، حيث تتكرر أسماء الأهرام، والجِمال، والفراعنة، والصحارى إلخ. ومن أهم كتبه «أحلام قابيل»، و»النجوم الباهتة»، حيث يدافع فيه عن حق شعبه في الحياة الكريمة في فلسطين خاصة في كتابه «بكاء اللاجئ».
جورج عيسى والتعلق بالماضي المجيد (الأرجنتين)
هذا الشاعر المولود عام 1946 هو من أصل عربي كذلك وفي كتابه «أعمال عبده» نجده يتعرض للتأثيرات العربية التي وصلت إلى هذا البلد، وهو شديد التعلق بماضيه العربي، وأجداده والتغني والزهو والافتخار بهم وبأمجادهم، وتحفل أعماله الشعرية بالخصوص بالأساطير القديمة المتوارثة، وشعره مزيج من العاطفة والأسطورة والتاريخ.
ماركو جميل وهيامه
بمراكش الحمراء (غواتيمالا)
كاتب له أعمال قصصية رائعة منها قصته «ساحر التاريخ» حيث يتحدث في هذه القصة عن مدينة مراكش الحمراء المغربية بالخصوص .. «حيث الزمن يوجد في استراحة، وطيور النورس لا تتوقف عن التحليق عالياً كما تطير عصافير الدوري في مدريد، هذه النوارس تمر بتؤدة، وهدوء، وتأن وتبدو وكأنها مراكب شراعية ناصعة البياض تنساب في الفضاء ترى من أعماق المياه». وهكذا يسترسل الكاتب ماركو جميل في وصف هذه المدينة المغربية التاريخية الساحرة، التي أصبحت جل معالمها المعمارية بما فيها ساحتها الكبرى الشهيرة (جامع الفنا) تراثاً إنسانياً للعالم أجمع، والتي تحتل حيزاً مهماً في رقعة الأدب العالمي .
مبدعون في ميادين متنوعة
بالإضافة إلى أسماء الكتاب الآنفة الذكر نجد العديد من الأسماء الأخرى التي تتوزع على الخريطة الأمريكية بعضها يتعاطى الكتابة الأدبية والتأليف، وبعضها الآخر يميل لقرض الشعر، كما أن هناك من اتجه إلى مجالات إبداعية أخرى تشكيلية، وفنية، وتمثيلية إلخ.
من هذه الأسماء نذكر من المكسيك علي شوماسيرو، وهو من بلد نجاريت المكسيكية، وله إسهامات كبيرة في هذا المجال، وكان يحظى بتقدير من طرف الكتاب والنقاد، كما أن هناك ناقداً سينمائياً ممتازاً يُدعى نايف يحيى وهو من أصل فلسطيني، ويعد من أكبر نقاد الفن السابع في المكسيك، وهناك كذلك الرسامة التشكيلية، والكاتبة الراحلة إكرام أنطاكي، ومن أشهر كتبها «الثقافة الثالثة»، وهي سورية الأصل، وهناك الممثلة الشهيرة سلمى حايك وهي فنانة مكسيكية من أصل لبناني تألقت بشكل لافت في فن التمثيل المسرحي والسينمائي، وهناك كاتب مسرحي من أصل لبناني هو طوني طرابلسي، وقد أحرزت مسرحية له قدمت على خشبة مكسيكو سيتي لعدة سنوات نجاحاً باهراً وهي بعنوان: «الطيران»، وتعالج مسألة الهجرة العربية إلى المكسيك. وهناك الكاتب إسكندر حداد وهو من أصل لبناني أيضاً ويحتل مكانة مرموقة في التشكيل المكسيكي المعاصر.
المغتربون العرب والصحافة
وهناك كتاب وصحافيون عرب آخرون اشتغلوا بالصحافة وأصدروا مجلات عربية إسبانية مزدوجة اللغة مثل يوسف مسالم، جان بشارة، يوسف عابد زواني، يوسف شدراوي، ميشيل دوميت جميل، ميجيل نادر، أنور حبور، ريحان عزار وفيكتور ساكيس. ومن المشتغلين بالصحافة كذلك نجد أسماء مثل طرابلسي قائم، ومراد روبلس، لطائف البيطار، أنطونيو نكاد، ونيكولاس أبو سمرا وأنخيل وسليم فرح، وهؤلاء الكتاب لم يكونوا يتمركزون في العاصمة المكسيكية وحسب، بل إنهم كانوا موزعين على مختلف المدن المكسيكية الأخرى، وفي الأرجنتين نجد كتاباً آخرين من أصل عربي مثل مسعود خورخي، لليانا محراقي وهي (شاعرة) مجيدة، وخورخي عزيز، وهو روائي من أصل لبناني، ومن أعماله «الأزهار المسروقة من حديقة كيلمس» وقد عين سفيراً لبلاده لدى اليونسكو في باريس، ومن الرسامات التشكيلية نجد نعيمة أجودي، ومن كتاب البرازيل المنحدرين من أصل عربي منصور شاتيلا، وهو كاتب معروف ومترجم أعمال جبران خليل جبران إلى اللغة البرتغالية ، بالإضافة إلى جميل منصور حداد وسيد علي أدريانو، وآخرين.