اللقاء الضاحك بين السيسي ونتنياهو: إحياء للسلام أم محاربة للإرهاب

حجم الخط
24

لا سبب لدينا للتشكيك في الديباجة الرسمية التي أصدرتها السلطات المصرية حول اللقاء الذي جرى أمس بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أن «اللقاء شهد بحث سبل إحياء عملية السلام، وإنشاء دولة فلسطينية، مع توفير الضمانات اللازمة بما يسهم في إنجاح عملية التسوية بين الجانبين».
… لولا أن خروقاً طفيفة تضعف من مصداقيّة هذه الديباجة، ومن ذلك، على سبيل المثال، تعقيب نتنياهو الذي تحدث عن «تقديره لدور مصر الهام في الشرق الأوسط وجهودها في مكافحة الإرهاب وإرساء دعائم الاستقرار والسلام في المنطقة».
معروف طبعاً أن للقاهرة نفوذاً واسعاً على الفلسطينيين، وأن تأثيرها الجغرافي والسياسي، كان وما يزال، يلعب دوراً حيويّاً في القضية الفلسطينية، فهي جارتهم الممسكة بشريان الحياة لقطاع غزّة وسكّانه، وهي التي تسمح لأهاليه أو تمنعهم من السفر إلى الخارج، كما أنها، أيضاً، جزء من محور سياسيّ مؤثّر يضم السعودية والإمارات والبحرين، وكذلك الأردن، الذي هو القطب الثاني الأكبر في المعادلة الفلسطينية، وعليه فلا يستطيع الفلسطينيون، من أي اتجاه سياسي كانوا، تجاهل هذا الأثر الخطير للقاهرة على شؤونهم.
لكنّ هذا كلّه لا يغيّر شيئاً من حقيقة كبيرة أخرى لا تقلّ أهميّة وخطورة، وهي أن حركة الشعب الفلسطيني الوطنية، التي تبلورت ضمن أجنحتها السياسية والعسكرية المعروفة حاليّاً، شقّت طريقها المليء بالتضحيات الهائلة، بمواجهات مع محاولات الأنظمة العربية للسيطرة على قرارها، أو حتى للقضاء المبرم عليها، وأن سياقها الحاليّ الذي حوّلها، بشكل أو بآخر، إلى جزء من المنظومة العربية هو أحد إنجازات تلك المواجهات وهو أمر لا يمكن التنازل عنه، مهما عظمت الضغوط واشتدّت على الفلسطينيين.
لا يمكن، لا للفلسطينيين، ولا للمصريين أنفسهم، اعتبار لقاء السيسي العلنيّ بنتنياهو (والذي يأتي بعد لقاءين سرّيين، في مدينتي العقبة والقاهرة في أيلول/سبتمبر وحزيران/يونيو 2016) شأناً دبلوماسياً خالصاً، فهو يكسر تقليداً مصريّاً وعربيّاً في العلاقة مع تل أبيب، ويتوخّى، عمليّاً، تحويله لا إلى شيء عاديّ، بل إلى حادثة تستحق المديح، ما دام اللقاء الذي دام 90 دقيقة، كان مخصصاً، على ذمة الراوي المصري، لبحث إنشاء دولة فلسطينية، أو، على ذمة الراوي الإسرائيلي، لـ«مكافحة الإرهاب»، فالقارئ، والمشاهد لفيديو اللقاء، لا يحتاج لحكمة لقمان أو حدّة بصر زرقاء اليمامة، ليدرك، أو يرى، حقيقة ما جرى والمقصود منه.
مفيد هنا أن نستعيد تصريحين شهيرين للسيسي، يقول في الأول: «لا نسمح بأن تشكل أرضنا قاعدة تهديد لجيراننا أو (تكون) منطقة خلفية لهجمات ضد إسرائيل»، ويقول في الثاني: «حيتحقق سلام أكثر دفئا لو قدرنا نحلّ مشكلة أشقائنا الفلسطينيين».
يشير السيسي في التصريح الأول إلى الإسرائيليين بكونهم «جيراننا»، ويؤكد أنه لن يسمح للفلسطينيين بأن يدافعوا عن أنفسهم ضد عدوان إسرائيل عليهم، أما في التصريح الثاني فيحلم بسلام «أكثر دفئا» مع إسرائيل حين «تحلّ مشكلة أشقائنا الفلسطينيين».
على عكس الصورة التي نشرها نتنياهو للقائه مع «جاره» الرئيس المصري وهو يقهقه وتبدو عليه علامات السرور الشديد، لا نرى، للأسف، صوراً ضاحكة للسيسي مع «أشقائه» الفلسطينيين، بل نرى تجهّماً وبروداً، ولكنّه بالتأكيد، أفضل من الفظاظة والقسوة التي نتخيّلها حين يلتقي بعض قادة «الأشقاء» الفلسطينيين في «حماس» بقادة أجهزة الأمن المصريين، أو حين يُخطف فلسطينيون داخل الأراضي المصرية، أو حين يواجه الفلسطينيون المرضى أو المضطرون للسفر فظاظة الحواجز الأمنية والعسكرية التي تقفل الطريق في وجوههم.
الصورة أحيانا، كما يقال، أبلغ بكثير من الكلمات.

اللقاء الضاحك بين السيسي ونتنياهو: إحياء للسلام أم محاربة للإرهاب

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية