الرباط ـ «القدس العربي» : تشهد الساحة الفنية المغربية حاليا ضجة كبيرة، بسبب اختيار فيلم جديد للمخرج والمنتج نبيل عيوش للمشاركة في الدور التمهيدي لجائزة «الأوسكار» الأمريكية لأفضل أجنبي. ويعود سبب الضجة إلى اتهام اللجنة التي أشرفت على عملية الانتقاء بالزبونية والشللية وتغليب العلاقة الشخصية، وكذلك إلى كون الفيلم لم يُعرض بعد في القاعات السينمائية، مثلما تنص على ذلك قوانين المسابقة العالمية المذكورة.
وذكر مصدر إعلامي أن وزير الثقافة والاتصال (الإعلام) المغربي، محمد الأعرج، سيفتح تحقيقا في الموضوع الذي أثار غضب واحتجاج العديد من السينمائيين المغاربة وأجهزتهم المختصة، ومن ضمنها «الغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام». كما كتب نقاد مقالات يسخرون فيها من الطريقة التي تم بها ترشيح الفيلم المذكور. وكان المركز السينمائي المغربي أعلن، نهاية الأسبوع الماضي، عن اختيار فيلم «غزية» لمخرجه نبيل عيوش، لتمثيل السينما المغربية في تصفيات جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي. وأشرفت على الاختيار لجنة ترأسها الكاتب والتشكيلي ماحي بينبين، وتشكلت من المخرجة زكية الطاهري والممثلة والمخرجة سامية أقريو والموزعة السينمائية ومستغلة القاعات منية العيادي والموزعة السينمائية سهام الفايدي والناقد السينمائي عمر بلخمار، بالإضافة إلى خديجة فضي ممثلة المركز السينمائي المغربي.
ويتوقع أن يثير الفيلم الجديد، عند بدء عرضه في القاعات السينمائية مطلع العام المقبل، جدالا مشابها للفيلم السابق للمخرج نفسه «الزين اللي فيك» الذي تضمن مشاهد وصفت بالصادمة لطابعها الجنسي، حيث أفاد موقع إخباري أن فيلم «غزية» ممنوع على أقل من 16 سنة لما يتضمنه من مشاهد جريئة، وذكر المخرج عيوش أن الفيلم يتطرق لموضوع الظلم الاجتماعي في المغرب، ويتناول قصصا وقعت بين سكان الأحياء اليهودية الغنية والفقيرة في الدار البيضاء.
وأصدر المكتب التنفيذي للغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام في المغرب بيانا جاء فيه: «أشرقت شمس المركز السينمائي المغربي مجددا على فضيحة أخرى من سلسلة الفضائح التي أفرزها التسيير الإداري التسلطي الانفرادي غير الديمقراطي والذي يخرق بشكل سافر القانون المنظم للقطاع السينمائي. وتتمثل الفضيحة في الطريقة الغريبة وغير القانونية التي عينت بها لجنة اختيار الفيلم الذي يمثل المغرب في جوائز الأوسكار الأمريكية.» وفسّر البيان ذلك الخرق بالقول إنه «تم اختيار أفراد غير منتمين لأية غرفة أو هيئة مهنية، في حين ينص القانون بوضوح على ضرورة إشراك الغرف والهيئات المهنية. كما تم اختيار أشخاص، وبنيّة مبيتة، لهم علاقات عمل مباشرة مع منتج الفيلم الذي تم اختياره، رغم عدم استجابته لشرط العرض الرسمي في القاعات السينمائية.»
وأضاف البيان أنه «تعميقا للكارثة، تم تقديم شهادة منحتها عضو في اللجنة، تقول زورا إن الفيلم تم عرضه لمدة أسبوع في إحدى القاعات السينمائية بمراكش، في حين يعلم الجميع أن الفيلم المعني لم يقدم له إلى حد الآن أي عرض عمومي في المغرب.
ولذلك، فالغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام تحتج مجددا على الاستمرار في سياسة إقصاء الغرف والهيئات المهنية، وتطالب باتباع سياسة تشاركية، كما هو منصوص عليه في القوانين المنظمة للقطاع، سياسة تعتمد الشفافية والديمقراطية والحكم الجيد، كما تطالب وزير الثقافة والاتصال بإجراء تحقيق حول الخروق التي تشوب تسيير المركز السينمائي المغربي منذ ثلاث سنوات والتعقيدات الإدارية المجحفة التي جعلت الإنتاج السينمائي الوطني يتراجع بشكل ملحوظ، بحسب البيان.
تحايل و«فهلوة»
وتحت عنوان «علي بابا وعصابة الأوسكار»، روى الإعلامي جمال الخنوسي (مدير موقع إحاطة») تفاصيل «سرقة» نبيل عيوش ترشيحه لأشهر جائزة سينمائية في العالم، حيث استهل الكاتب مقاله قائلا: «هي حكاية فهلوة وتحايل، وقائعها تشبه أفلام المافيا والعصابات أو مسلسلات دسائس السياسيين الخسيسة، كما هي حكاية مصغرة تعكس ما يحدث على مستوى أكبر من فساد وعلاقات مشبوهة وشللية. شبكات تنسج خيوط المؤامرات والمصالح المشتركة، هدفها فتح الأبواب وتعبيد الطريق والربح الذاتي السريع والفائدة اللحظية، والسطو على كل شيء دون وجه حق».
وكشف الإعلامي المذكور عن وجود ما أسماه بـ«المؤامرة» التي تمثلت في اختيار أعضاء لجنة تربطهم علاقات إنسانية مالية أو مصالحية مع مهندس المؤامرة والمستفيد الرئيسي منها، المنتج والمخرج نبيل عيوش.
وفصّل القول في ذلك قائلا إن رئيس اللجنة ماحي بنبين تربطه وعيوش علاقة وثيقة جدا، إذ يشتركان في المجمع الثقافي «نجوم سيدي مومن» في الدار البيضاء، كما أن فيلم عيوش «يا خيل الله» مقتبس من رواية للكاتب ماحي بنبين، وابنة رئيس اللجنة (دنيا) تلعب دورا في فيلم «غزية» المرشح للأوسكار.
أما المخرجة والممثلة سامية أقريو (عضو اللجنة) فقدمت المسلسل التلفزيوني «سر المرجان» من إنتاج شركة يملكها نبيل عيوش خلال موسمين، كما أنتج نفس المنتج والمخرج كبسولة «نجمة وقمر» لسامية أقريو.
يضاف إلى ذلك أن الممثلة والمخرجة زكية الطاهري (وهي الأخرى عضو اللجنة) سبق لها أن أخرجت سلسلة «دور بها آلشيباني» التي أنتجها نبيل عيوش عبر شركته العملاقة.
وأوضح الإعلامي المغربي أن فيلم «غزية» لم يُعرض في مدينة مراكش لمدة أسبوع، خلافا لشهادة إثبات أدلت بها منية العيادي، مالكة قاعة سينمائية في مراكش وهي في الوقت نفسه عضو لجنة الانتقاء. وتحدى المعنية بالأمر أن تقدم دليلا ماديا ملموسا على ذلك الادعاء.
وخرج الخنوسي بخلاصة مفادها أن «العملية كلها تحايل كبير على القانون وعلى المغاربة وعلى أكاديمية الأوسكار… فهلوة الهدف منها تلميع صورة نبيل عيوش الذاتية في الخارج فحسب، لأن الجميع يعلم أن الفيلم المغربي ليست له حظوظ في الأوسكار حيث تلعب لوبيات الشركات الكبرى والموزعين دورا كبيرا… هذا التلميع لا يحتاجه المخرج المذكور في الداخل، لأن لا أحد يجادل في كونه من أهم المخرجين المغاربة، لكن هذا لا يعني فرش البساط الأحمر أمام التحايل واستباحة كل شيء في البلد للأقوى والأكثر نفوذا، والمراهنة على جهل الناس وعلى تواطؤ المسؤولين وعلى رأسهم مدير المركز السينمائي المغربي».
«غزية» عيوش الذي لا يمثلني!
هكذا اختار الإعلامي والناقد السينمائي بلال مرميد، مقدم برامج في قناة وإذاعة «ميدي1»، أن يدلي بدلوه في الموضوع، حيث صاغ مقالا مما ورد فيه: «هل فعلا نحتاج في بلدنا إلى تكوين لجنة لاختيار الفيلم الذي يمثلنا في الدور التمهيدي للأوسكار؟ لماذا نحتفظ بالعادات السيئة و نلفظ تلك الجيدة؟ و هل نحسن اختيار من يختارون الفيلم الذي يمثلنا، أم أننا نمنح الفرصة لأي كان لكي يقوم بأي شيء بطريقة تبعث على الريبة؟ لجنة انتقاء يرأسها التشكيلي و الروائي و الفنان ماحي بينبين، الذي سبق واشتغل نبيل عيوش على روايته «نجوم سيدي مومن» ليخرج شريطه «يا خيل الله»، و تضم في عضويتها أناسا أحترمهم كأشخاص لكن أول عابر سبيل سينتبه إلى قربهم من نبيل عيوش. حتى ولو كانت صدفة، فالصدف في هذا المجال مرفوضة ولا مكان لها».
وتابع مرميد قائلا: «هل تعلمون بأن الفيلم الذي سيمثلكم لم يشاهده لحد الآن مهنيون ولا عارفون بالميدان؟ وهل تعلمون بأن العروض التقنية المغلفة بطابع تجاري في إحدى قاعات مراكش التي توجد المشرفة عليها ضمن اللجنة، لا تمنح الشرعية الأخلاقية على الأقل لاعتبار الأمر سليماً؟ هل تعلمون أن فرنسا التي تستحق صناعتها السينمائية تكوين لجنة للاختيار عقدت جلسة أولى تم خلال انتقاء ثلاثة أفلام عرضت لأول مرة في «كان» وسيتم الحسم بكل شفافية ووضوح في جلسة ثانية؟ ثم هل تعلمون أنه لجنتهم تقودها رئيسة لجنة التسبيق على المداخيل عندهم وتضم في عضويتها «تييري فخيمو» العقل المدبر في مهرجان «كان» و«جون پول سالومي» ورئيس أكاديمية السيزار، ثم الكبير «سيرج توبيانا»؟ هل تعلمون بأننا هنا لا نقارن، بل ننبه إلى أن من يختار طريق اللجان يجب أن يكون عارفاً بمن لديه الأحقية ليكون حاضراً في هذه اللجان؟».
وتوالت التساؤلات: «هل تعلمون أنه في مصر، ولو أن حالهم ليس أفضل بكثير من حالنا، لجنتهم تضم علي بدرخان وطارق الشناوي وعمر عبد العزيز وسعيد شيمي؟ هل تعلمون بأنه كان بالإمكان اختيار شريط نبيل عيوش الذي لم يشاهده المعنيون في البلد الذي سيمثله، دون الدخول في كل هاته المتاهات التي تخلق التوتر وتزرع الشك؟ وهل تعلمون أن الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون ليست هي «الفيفا»، وستقبل بدون حرج اقتراح المركز السينمائي ما دام الأمر يتعلق بدور تمهيدي؟ الأكاديمية هناك لا وقت لها لكي تضيعه في متابعة فصول تكويننا للجان عجيبة، وكثيرة هي البلدان التي يلجأ القائمون على سينماها لانتقاء شريط دون تكوين لجان شكلية.
وخاطب الناقد السينمائي المخرجَ نبيل عيوش قائلا: «أحترم أفلامك، وفي المرة المقبلة رجاء اختر شريطك بنفسك ليمثلك ويمثل البقية ما داموا يتقنون الصمت. شخصياً، بالطريقة التي تم بها الأمر، فأنت لا تمثلني، بل فرضك القرار غير السليم للمركز السينمائي عليّ وعلى غيري.» واعتبر أنه صار لهذه المؤسسة العمومية هدف واحد هو «تصفية السينما».
رأي المؤسسة
أما المدير العام للمركز السينمائي المغربي، صارم الفاسي الفهري، فنفى وجود أي مشكل مع اللجنة التي اختارت الفيلم المشار إليه، ما دام فيلم «غزية» لم يكن الفيلم الوحيد الذي عرض أمام اللجنة، حيث جرى التصويت على عشرة أفلام قبل أن يقع الاختيار على «غزية».
وجوابا على سؤال طرحه عليه موقع إلكتروني حول وجود أشخاص في اللجنة ذوي صلة بالمخرج المذكور، قال المسؤول المعني بالأمر إنه إذا كنا سنراعي في تشكيل اللجان من هو الصديق ومن هو العدو فإننا لن نصل إلى أية نتيجة.
ضجة في المغرب حول ترشيح فيلم لجائزة «الأوسكار» بسبب اتهامات بالتحايل و«الفهلوة»
الطاهر الطويل