الذين رفعوا شعار «الإسلام هوالحل»، رفعوه في زمن حديث ومعاصر، في سياق سياسي أكثر مما هو ديني. بمعنى آخر أكثر وضوحا، أن الحركات الإسلامية رفعت هذا الشعار في مواجهة السلطة العربية التي احتكمت إلى الاستبداد كنظام حكم إقصائي ليس للإسلاميين فقط، بل أيضا لكافة التيارات المعارضة، ما يحيل كل نشاط الإسلاميين إلى نشاط سياسي حتى إن التمسوا الدين غطاء لنضالهم المناهض والمعارض للسلطة.
ففي المطاف الأخير والتحليل النهائي، كان ولا يزال مسعى الحركات والتيارات الإسلامية، على اختلاف حديتها وغلوها هو السعي إلى السلطة عبر الدين الذي اخْتُزِل إلى شعار «الإسلام هو الحل»، من دون تحديد واضح تقتضيه السياسة الحديثة التي تَشْتَغل على النظام الديمقراطي المكرس للآليات والانتخابات والتجديد الدوري للمؤسسات الحاكمة، ما يحوّل شعار «الإسلام هو الحل» إلى شعار طوباوي، يكتنفه الوهم وينطوي على الاستحالة وعدم الإمكان. ولعّل طوباوية هذا الشعار هو غياب فادح وواضح للبعد الإنساني والعالمي لرسالة الإسلام في العصر الراهن، فأصحابه يحيلون الحل إلى أنظمة اجتماعية ودينية لما قبل الدولة الحديثة، فهو تيار قومي ضيق جدّا، قبلي عشائري، غير قابل للتطبيق في سياق راهن تاريخي يتسم بالعولمة والمصير الإنساني الواحد وبالتعدد والاختلاف كأصل الأشياء.
إن شعار «الإسلام هو الحل»، لا يقدم حقيقة أي حل لأنه لا يتصور الدين كرسالة للناس كافة والإنسانية جمعاء، بل يعود به القهقرى إلى أزمنة عربية وإسلامية قد خلت ولم تعد تصلح لأي إصلاح أو تجديد، بل صارت تنتمي إلى التاريخ الذي يشتغل عليه الباحثون في علوم الإنسان والمجتمع كمجالات للتخصص وليس للتشريع للمجتمعات الوطنية أو المجتمع الإنساني برمته. وهكذا، فقد بقي «الإسلام هو الحل» شعارا منذ أن رُفع، ولم يتخطَّ اللَّوائح السياسية والهتافات الجماهيرية التي انساقت وراءه، ولم تشفع له أيضا الكتابات الدينية والسياسية التي حرصت على توضيحه والدعوة إليه، ضدا من السلطة الحاكمة وليس تحليلا واكتشافا في الدين الإسلامي، لأن الإحالة إلى نصوص القرآن الكريم أو الحديث النبوي لا يقدّم أي شيء في غياب القدرة على الفعل، أولا، لأن القرآن الكريم رسالة ووحي للناس جميعا وإلى العالمين، ولأن ثانيا، السُّنة النبوية هي سنَّة الرسول الكريم صلىَّ الله عليه وسلم، التي لازمته كنبي ورسول مبعوث من عند الله، الأمر الذي لم يعد متوفرا اليوم، بعد انقطاع الرسل والأنبياء.
يقدم حاملو شعار «الإسلام هو الحل» أن الإسلام هو حل لكل شيء، من دون أن يقدّموا البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدل على ذلك، ويمكن أن تحوز على توافق ورضا الأطراف الفاعلة في حياة المجتمع والدولة. كل ما قدموه إلى اليوم هو الإحالة إلى عصر السلف وإلى نصوص القرآن والسنة، مع التفاوت في التشديد والتزمت والتأصيل. تقديم الشعار على أساس أنه حل لكل شيء هو في المنطلق شعار زائف لأن كل شيء ليس نظاما، خاصة أننا نعيش في عصر أكثر سِمَاته التعدد والاختلاف والتباين والتنوّع في المجالات والتخصصات والفضاءات والميادين، التي تحتاج إلى تَعَقّل كل حالة على حدة وفي علاقاتها بالآخر، في ما صار يعرف بالعلاقات البينية والاعتماد المتبادل بين المجالات والتخصصات، وهذا ما يتطلب التفكير في القضايا من آخر ما وصلت إليه الإنسانية والاستناد إلى آخر إنجازات الحضارات المتطوّرة والمتقدمة، الأمر الذي لم يتوفر بعد في جغرافية العالم العربي الذي يُرْفع فيها شعار «الإسلام هو الحل».
نحن نتحدّث عن هذا التيار الإسلامي، على سبيل الافتراض، أو أنه موجود فعلا، وأن هناك من يطرح «الإسلام هو الحل»، لأنه يطرح خارج الدولة ومؤسساتها، والغالب أن النظام الاستبدادي ترك الوضع الجماهيري يتغذى على الأمل الديني الذي لا يوصل إلى السلطة، وانفرد هو بزمام الحكم لا يريد أن يفرط فيه إطلاقا. وفي هذا السياق، تبلوّر الخطاب الإسلامي المناهض لنظام الحكم، ومنه أخذ هذا الخطاب الاحتجاجي صفة ومحتوى «الإسلام السياسي». فقد كانت الديمقراطية هي الغائب الكبير في خضم الصراع بين الإسلام السياسي والسلطة السياسية، ومن طبيعة هذا الغياب أنه يعدم كل شيء ولا يترك أي رصيد يذكر، سواء جهة المعارضة أو جهة نظام الحكم.
الشاهد القوي على أن «الإسلام هو الحل» هو شعار لم يرتب لما بعده، ولم يراكم أية تجربة، أن التيارات الإسلامية أو القوى الإسلامية التي وصلت إلى الحكم في بعض بلدان الربيع العربي تخلت عن ترديده. مما يعني في المطاف الأخير أن لحظة الديكتاتورية العربية أجبرت الجميع على توظيف كل ما في جعبتهم، بما في ذلك الدين، وكان الدين أفضل ما يمكن أن يوظف ويعبئ الجماهير ضد السلطة، لأن الخطاب الإسلامي خطاب في الدنيا وفي الآخرة أيضا. الإسلام دين لا يمكن المطالبة به في وجه النظام وفي وجه المجتمع، لأنه حالة ملازمة للأفراد، فهو عقيدتهم التي تنتظر دائما الوضوح والترقية في دولة متطورة تساوق وتجايل تاريخها الحقيقي. أفراد المجتمع يعيشون دينهم ليس ضدّا على نظام الحكم، كما تم ذلك في تجربة الإسلام السياسي، بل كما بلّغه الله إلى أنبيائه ورسله، على ما جاء ذلك في القرآن الكريم، أي إلى الناس كافة وفي الأمصار كافة.
من هنا، فان شعار «الإسلام هو الحل» يتحلّل ويتميَّع في محلول النظام الديمقراطي الذي يضمن حرية التفكير والتعبير والمستوى العلمي الرفيع الذي يفكر وينفَّذ الحقائق كما هي وليس الشعارات والأوهام، التي لا تستند إلى معادل موضوعي لها في أرض الواقع. ففي نظام ديمقراطي، يجري التركيز والتوكيد على الحقائق الاقتصادية التي تعتمد لغة الأرقام والوقوف على التفاصيل والحقائق القابلة للتوكيد أو التفنيد، وتدفع من ثم إلى الاطمئنان والثقة إلى من يملك الحكمة الاقتصادية ومن ثم، استحقاقه لإدارة الشأن العام. الجوهر، أن في رسالة الإسلام إلى الناس كافة أو على ما صار يعرف اليوم بالإنسانية جمعاء، أن دين الإسلام لم يكن برنامجا للوصول إلى السلطة، بل عقيدة افترضت منذ البداية، الحرية والقناعة الشخصية بعد ما صارت هذه العقيدة توحي فعلا بالسكينة والاطمئنان والسلامة. وبتعبير آخر، أن دين الإسلام لا يمكن أن يضيق أفقه وفضاؤه في نطاق حزب سياسي أو تيار ديني يروم الانخراط في اللعبة السياسية لا تليق به لا من حيث الوسائل والآليات (الدعوة الدينية والوعظ والإرشاد ليس هو الإعلام والحملات الانتخابية)، ولا من حيث الطبيعة (الدين ليس سياسة، والسياسة ليست دينا). وعليه، وفي هذا السياق، أي سياق ضرورة إبعاد شعار «الإسلام هو الحل « عن السياسة لأن الإيمان والتصديق والعقيدة كلّها صارت تأبى الإكراه والضَّغط والعُنْوة، في هذا الزمن العالمي الرقمي الفائق.
كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو