نظام «المسكن الأول» هل يحل أزمة العقارات في تونس؟

حجم الخط
0

 تونس ـ «القدس العربي»: يشهد سوق العقارات في تونس نهضة عمرانية غير مسبوقة مع ارتفاع مضطرد في الأسعار، الأمر الذي يجعل شرائح وفئات عديدة غير قادرة على اقتناء مسكن. وحسب التقرير الأخير الصادر عن وزارة التجهيز والإسكان فإن 20 في المئة من التونسيين غير قادرين على امتلاك مسكن في حين ان هناك حوالي 500 ألف مسكن شاغر.
وجاء قرار الحكومة التونسية الصادر مع بداية شهر شباط /فبراير الماضي ببعث برنامج «المسكن الأول» ليفتح آفاقا جديدة لفائدة العائلات حتى تتمكن من امتلاك مسكن. ولئن جاء هذا القرار متأخرا إلا انه اعتبر خطوة مهمة من شأنها ان تمهد الطريق لحلحلة أحدى أهم المعضلات التي تواجه المواطن، وهي توفير ما يسمى «التمويل الذاتي» الذي يعتبر شرطا أساسيا للحصول على قرض سكني .

حق دستوري

يقول المدير العام للشركة الوطنيّة العقاريّة للبلاد التونسية فتحي بن عصمان لـ «القدس العربي» ان حق السكن من حقوق الإنسان الأساسيّة ووسيلة لحفظ كرامته واستقراره في المجتمع حسب ما تم التنصيص عليه في الدستور التونسي .وفي هذا السياق يوضح ان الدولة توفر العديد من الآليات والتشريعات الخاصة بقطاع السكن خاصة للفئات محدودة الدخل والطبقة الوسطى، ومنها البرنامج الخصوصي للسكن الاجتماعي الذي تم إقراره منذ سنة 2012 ويتضمن محورين الأول يتمثل في إزالة المساكن البدائية (10 آلاف مسكن) وتعويضها بمساكن جديدة، ويتمثل المحور الثاني في إنجاز 20 ألف وحدة سكنية يتم تسويقها بأسعار رمزية لفائدة ضعاف الحال.
وأشار إلى ان الشركة تأسست سنة 1957 وتعمل على تعديل سوق البعث العقاري والاستجابة لأكثر ما يمكن من الطلبات على المساكن ذات الأسعار المدروسة والتي تكون في متناول الطبقات الاجتماعية متوسطة الدخل، ولذلك فهي تنجز مساكن من الصنف الاجتماعي بنسبة تفوق في بعض الأحيان 50 في المئة من مجموع المساكن المنجزة لديها.
وأكد ان الشركة ساهمت بصفة كبيرة في تغيير المشهد العمراني للبلاد وذلك من خلال خلق أحياء سكنيّة حيث بلغ عدد المساكن التي أنجزتها الشركة منذ قيامها ما يقارب 266 ألف مسكن. وحسب تقرير المعهد الوطني للإحصاء فإن عائلة من ثمانية أشخاص تقطن في مسكن من مساكن الشركة.

غلاء الأسعار

وعن أسباب ارتفاع أسعار المقاولات والبناء يضيف: «يرتبط قطاع السكن كباقي القطاعات بالظرف الاقتصادي والمناخ الاجتماعي الذي تعيشه البلاد بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 ومن أسباب ارتفاع الأسعار ندرة الأراضي العقارية وارتفاع أسعارها وهو ما يمثل أحد أبرز المعوقات التي تواجهها الشركة. وباعتبار أن المشاريع السكنية التي توفرها مخصصة بدرجة أولى للفئات المتوسطة فإننا نواجه إشكالية كبيرة في شراء أراض مهيأة وبأسعار مقبولة.»
 وتابع بالقول: «يمكن تفسير الارتفاع في أسعار المساكن أيضا بارتفاع كلفة البناء، حيث تضاعفت أسعار المواد في تونس بعد الثورة أكثر من 3 مرات كما ارتفع أجر اليد العاملة خلال السنوات الأخيرة فمثلا تقدر تكلفة الأجرة اليومية لليد العاملة بـ 80 دينارا، وهو ما جعل كلفة المتر المربع الواحد الجاهز تتجاوز حاليّا 900 دينار علما أنها لم تكن تتعدى 400 دينار خلال سنة 2011 أي ما يعادل 200 دولار.
وعن الدور الذي تقوم به الشركة في توفير السكن بأسعار تفاضليّة قال: «تحرص الشركة الوطنيّة العقارية على توفير مساكن بأسعار مدروسة وموجهة للفئات الاجتماعية المتوسطة وعلى لعب الدور الذي أسست من أجله والمتمثل في تعديل سوق البعث العقاري.
وتعمل دائما على أن تكون المساكن التي تنجزها بأسعار مدروسة تراعي المقدرة الشرائية للمواطن وتلبي رغباته».
واعتمدت الشركة على نمط البناء الجماعي العمودي في إنجاز الأحياء السكنية وذلك تماشيا مع سياسة الدولة في التصرف في الموارد العقاريّة بشكل مستديم مع مراعاة كافة معايير الجودة في إنجازها. وتعتمد كذلك الشركة طريقة المعادلة في تحديد أثمان المساكن خاصة الاجتماعية منها لأنها تعتبر هيكلا لتعديل سوق البعث العقاري ومرجعا للقطاع.

المسكن الأول

يمثل برنامج «المسكن الأول» حافزا مهمّا لدفع نشاط الشركة الوطنية العقارية باعتبارها باعثا عقاريّا عموميّا ومتنفّسا للحريف الذي يبحث عن أنسب الحلول لتوفير مسكن. أما بخصوص الشروط التي يوفرها البرنامج فهي تتمثل عموما في تكفل الدّولة بتوفير التمويل الذاتي الذي كان يتحمله المواطن والمقدر بـ 20 في المئة من ثمن المسكن، علاوة على باقي المبلغ الذي توفره عادة البنوك التي باتت توفر هذا التمويل الذاتي أيضا أو المقدمة التي تسدّد بعد 5 سنوات إمهال وعلى امتداد 7 سنوات بنسبة فائض تقدر بـ2 في المئة، وهذه الامتيازات تطبق على المساكن التي لا يفوق سعرها 200 ألف دينار ويتكون المسكن وجوبا من غرفتين وقاعة استقبال على الأقل. وتنتفع من هذا البرنامج العائلات التي يتراوح دخلها الشهري بين 4.5 و 10 أضعاف الأجر الأدنى المهني المضمون على أن يكون أحد الزوجين أجيرا ولا مسكن للزوجين، أي أنها تتوجه إلى الطبقة الوسطى عماد الاقتصاد التونسي.
وتعنى بهذا البرنامج جميع مؤسسات البعث العقاري التي تنشط في القطاعين العمومي والخاص المصادق عليها من قبل وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابيّة. وهناك مطالبات ان تدخل في هذا البرنامج أيضا المساكن المنجزة من أشخاص عاديين وليس فقط تلك المنجزة من قبل باعثين عقاريين.

فرص جديدة

وأكد مدير القروض في بنك الإسكان عبد الناصر عبد الغني لـ «القدس العربي» ان المسكن الأول جاء ليعالج أزمة كان يعاني منها الحريف وتتعلق بتوفير التمويل الذاتي والمقدر بـ 20 في المئة من ثمن المسكن للحصول على تمويل بنكي، فتم إقرار هذا الأمر الحكومي عدد 161 لسنة 2017 لتمكين العائلات التونسية التي تتوفر فيها شروط المسكن الأول من الحصول على عقار وأهمها أن يتراوح دخلها العائلي بين 4.5 و 10 مرات الأجر الأدنى المهني المضمون على ان يكون أحد الشريكين أجيرا في القطاع العام والخاص وأن لا يمتلك الزوجان مسكنا آخر، وأن لا يتجاوز ثمن المسكن مبلغ 200 ألف دينار ( أي حوالي 100 ألف دولار) والمتكون على الأقل من غرفتين وقاعة استقبال. واعتبر ان هذا القرار من شأنه ان يعالج مشكلة لشريحة واسعة من التونسيين وهو أول قرار يتوجه للطبقة الوسطى موضحا ان كل القرارات السابقة كانت تتجه في الأساس لصالح الفئات محدودة الدخل والفقيرة في إطار المسكن الاجتماعي، لذلك فان برنامج المسكن الأول اعطى الفرصة لبعض الفئات التي تستجيب لشروط الحصول على مسكن.
فيما يتعلق بأزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات قال «في الواقع الملموس نلاحظ ارتفاعا مهولا في تكلفة وأسعار العقارات بشكل عام السبب الرئيسي يرجع إلى ندرة الأراضي الصالحة للبناء في تونس الكبرى أي العاصمة وضواحيها .فهناك تركز سكاني كبير أي حوالي ربع السكان 2.5 مليون ساكن في مساحة محددة في ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الأراضي الصالحة للبناء، إضافة إلى تضخم وارتفاع أسعار مواد البناء وازدياد تكلفة اليد العاملة المختصة وانخفاض سعر الدينار التونسي بالمقارنة مع الدولار وبعض المواد التي يقع توريدها من الخارج» .
أما السبب الثاني فيتمثل في توجه الباعثين العقاريين لبناء المساكن الفاخرة جدا والتي لا تتماشى مع امكانيات المواطن التونسي». وأضاف «حاليا هناك عدة عقارات موجودة في مناطق راقية في تونس مثل البحيرة والمرسى وقمرت وسكرة بأسعار باهظة جدا وليست بمتناول الأجير التونسي خاصة وأن بعض مواد البناء يتم توريدها من الخارج».

دور البنك الوطني

ينخرط بنك الإسكان في إعطاء القروض بجميع أنواعها وخاصة السكنية، هنا يوضح مدير القروض للأشخاص في بنك الإسكان ان البنك كان سابقا يسمى الصندوق القومي للادخار السكني وجرى تأسيسه سنة 1974 ويعتبر من أقدم مؤسسات التمويل في تونس والوحيد الذي كان يمول المساكن قبل ان يقع تحويله سنة 1989 إلى بنك شمولي. وكان السكن في السابق يعطى للمدخرين فقط. وأوضح ان منظومة الادخار السكني مكنت قرابة 70 ألف عائلة على الحصول على مسكن وهذا ما جعل حوالي 80 في المئة من السكان من المالكين.
بالنسبة للوضع الحالي ومع التغيرات الديموغرافية التي تشهدها البلاد قال : «هناك مفارقات، فمن ناحية هناك حوالي 20 في المئة من  السكان غير قادرين على امتلاك مسكن وفي المقابل يوجد قرابة 460 ألف مسكن شاغر، حسب الإحصائيات الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء . «
ويضيف:» ان بنك الإسكان يعتبر متدخلا فاعلا ويأخذ بعين الاعتبار ويراعي الناحية الاجتماعية لإسداء قروض بنسب ميسرة وفي الوقت نفسه هو مطالب بالحفاظ على التوازنات المالية للبنك». ويوضح انه تم تمويل أكثر من 100 مسكن في إطار برنامج المسكن الأول خلال الأربعة أشهر الأخيرة وهذا النظام يلقى، حسب عبد الغني، إقبالا وقرابة 50 في المئة من الموافقات على قروض المسكن الأول صدرت من بنك الإسكان . مع العلم أن البنك المركزي التونسي فتح حسابا خاصا لتمكين البنوك المتدخلة في هذا البرنامج من سحب التمويل الذاتي .
وبين محدثنا ان هناك تحسنا في حجم القروض السكنية بالنسبة لبنك الإسكان فيما يتعلق بسنة 2017 وذلك بالمقارنة مع السنوات الماضية وذلك نتيجة السياسة الجديدة المتمثلة في دعم تموقع البنك في الخريطة المصرفية ومواصلة تطوير النشاط التجاري وذلك بإثراء وتنويع المنتوجات البنكية وتمثيلية أفضل للبنك عبر فتح فروع جديدة وتحسين الفروع القديمة وإعطاء أهمية كبرى لتحسين جودة الخدمات. وهنا يؤكد ان هذا البنك يعتبر رياديا في إعطاء القروض السكنية ويحاول ان يحافظ على مكانته كأول متدخل في تمويل السكن في البلاد. وقد قدم مؤخرا جملة تسهيلات ومنها تخفيض في نسب الفوائد على القروض السكنية ليستفيد منها الحرفاء وتنتهي في هذا الشهر على حد قوله .
ومع ازدياد كاهل المتطلبات الحياتية للمواطن، تبقى المؤسسات الوطنية سواء المالية أو البنكية أو العقارية هي القشة الأخيرة التي يتمسك بها التونسي من أجل الهروب من رياح التغيرات والأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة، وهذا ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم منصبا على كيفية حماية هذه المؤسسات من «الخوصصة» والوقوف أمام إملاءات وشروط صندوق النقد الدولي الذي يدفع الحكومات التونسية المتعاقبة للتوجه نحو «خوصصة» المؤسسات الوطنية الحكومية في إطار «تحرير الاقتصاد» بكل ما يحمله هذا من اشكالات وتحديات في بلد عرف على مدى تاريخه الحديث بأهمية القطاع العام وبالتدخل اللافت للدولة في المسائل الاجتماعية التي تهم معيشة المواطن التونسي.

نظام «المسكن الأول» هل يحل أزمة العقارات في تونس؟
مع ارتفاع أسعارها
روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية