برلين ـ «القدس العربي» ـ علاء جمعة: كشفت نتائج استطلاع رأي حديث استمرار تراجع شعبية الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ومعه مرشحه لمنصب المستشارية مارتن شولتس، قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية الألمانية. فيما يأتي حزب «البديل» اليميني الشعبوي ثالثا.
وفي استطلاع جديد كشف برنامج «بوليتباروميتر/المعيار السياسي» الذي تبثه القناة الثانية في التلفزيون الألماني أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي تراجع بنسبة 1،5 ٪ عن نتائج الأسبوع الماضي، حيث حصل على 21،5 ٪ من أصوات المشاركين في الاستطلاع.
أما حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشارة أنغيلا ميركل فقد بقي بلا تغيير عند نسبة 36 ٪. وفي المقابل، تراجع اليسار بنصف نقطة حيث حقق 8،5 ٪ وبقي كل من الخضر والحزب الديمقراطي الحر عند نسبة 8٪ و10٪ على التوالي بلا تغيير.
وقبيل إجراء الانتخابات التشريعية، تختتم المستشارة الألمانية حملتها الانتخابية مع الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري الذي يشكل مع حزبها ما يعرف باسم «التحالف المسيحي». وتجدر الإشارة إلى أن الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي البافاري اتفقا على إدارة حملة انتخابية مشتركة لصالح ترشيح ميركل لفترة رابعة بعدما سويا خلافهما حول سياسة اللجوء قبل بضعة أشهر.
وحسب استطلاعات الرأي، فإن التحالف المسيحي متقدم بفارق كبير منذ شهور على الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك الحالي في الائتلاف الحاكم. ولم يتضح بعد ما إذا كان الحزبان سيتوصلان إلى صيغة توافقية بشأن سياسة اللجوء في ائتلاف حاكم محتمل عقب الانتخابات. تجدر الإشارة إلى أن ميركل ترفض مطلب الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري بوضع حد أقصى لعدد اللاجئين الذين تستقبلهم ألمانيا سنويا.
الاختلافات بين ميركل وشولتس
تعتبر المستشارة ميركل أن عبارتها الشهيرة التي أطلقتها في بداية تدفق اللاجئين على ألمانيا خلال صيف عام 2015 «سنتمكن من فعل ذلك» ما تزال سارية المفعول حتى يومنا هذا، وأن العمل على استقبال وإدماج اللاجئين ـ خاصة السوريين منهم ـ في المجتمع وسوق العمل الألمانيين يسير بخطى ثابتة نحو الأمام، وإن كانت هناك بعض الاستثناءات المرعبة، مثل الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها ألمانيا، التي تزيد من إصرار ميركل على هذه الجملة ومبدأ إدماج اللاجئين.
أما بالنسبة لمرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مارتن شولتس، فإن رأيه في قضية اللاجئين لا يحيد كثيراً عن رأي ميركل، وإن كان شولتس يميل أكثر إلى الحل الأوروبي، والذي يتمثل في إعادة توزيع وتوطين اللاجئين بشكل عادل على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي احتجت عليه رسمياً كل من المجر وسلوفاكيا. أما بالنسبة لمقترح حد أقصى للاجئين، فيرفضه شولتس رفضاً قاطعاً. ويبقى الفارق بين شولتس وميركل في هذا الملف الشائك في ألمانيا ـ وأوروبا أيضاً ـ هو طريقة التعامل مع اللاجئين. فبينما تسعى ميركل إلى تقوية العلاقات مع الدول التي يمرّ عبرها اللاجئون والمهاجرون إلى الاتحاد الأوروبي، مثل ليبيا ومصر والمغرب، بحيث يتم تشجيع هذه الدول على إنشاء مراكز للتعامل مع اللاجئين والمهاجرين ومكافحة التهريب، يدعو شولتس إلى تضامن أوروبي أكبر في هذه القضية وتوزيع الأعباء بشكل متساو على الدول الأعضاء، بالإضافة إلى النظر في حالة كل طالب لجوء بشكل منفرد.
وفيما يتعلق بموضوع إعادة بعض طالبي اللجوء إلى دول صنفت بالآمنة، من بينها دول مغاربية وأكثرها إثارة للجدل أفغانستان، تعتبر ميركل أن من رُفضت طلبات لجوئهم في ألمانيا ولكن دولهم ما تزال مصنفة على أنها غير آمنة يجب أن تكون هناك إمكانية لإدماجهم في المجتمع ودعمهم بدورات لتعلم اللغة وتحسين فرصهم في سوق العمل.
بالإضافة إلى ذلك، سعت ميركل لتوقيع اتفاقات مع دول أفريقية وعربية للمشاركة في تحمل عبء المهاجرين واللاجئين، على غرار الاتفاق الذي عقدته مع تركيا لتبادل اللاجئين السوريين. ومن بين تلك الدول مصر، التي زارتها في آذار/مارس الماضي واجتمعت مع رئيسها عبد الفتاح السيسي.
الإسلام والمسلمون في ألمانيا
باتت قضية الإسلام في ألمانيا ترتبط بشكل وثيق مع قضية اللاجئين، الذي يعتنق أغلبهم الإسلام. كما أن الإسلام أحد أكبر القضايا التي تعتمد عليها أحزاب وحركات يمينية متطرفة، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، لصيد أصوات الناخبين الألمان الممتعضين من تدفق اللاجئين والخائفين من اعتداءات إرهابية.
في هذا الصدد، يتفق كل من ميركل وشولتس على أن «الإسلام جزء من ألمانيا» وذلك في ظل عيش نحو أربعة ملايين مسلم في ألمانيا منذ فترة طويلة. ولكن شولتس انتقد أيضاً من أسماهم بـ«أئمة الكراهية» الذين يشجعون على التطرف الديني والانسلاخ عن المجتمع الألماني وقيمه بحجة عدم توافقها مع الإسلام. بيد أنه لم ينس الإثناء على «المسلمين العاديين» الذين يعيشون حياتهم في المجتمع دون أن يسمع بهم أحد ويقومون بواجباتهم الدينية والمجتمعية على أكمل وجه.
خبرة شولتس السياسية
يُعرف عن مارتن شولتس التحدث بوضوح والتعبير عن المواقف السياسية بصراحة، وقد تعود على ذلك خلال مسيرته البرلمانية الأوروبية. فقد تحدث عن سياسة روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين بالقول إن «ما تفعله روسيا، غير مقبول أبدا. ويقف خلف تصرفات روسيا العدوانية رؤية اجتماعية ورؤية للعالم لا تتوافق مع فلسفتنا الأوروبية التي تقوم على الاحترام المتبادل والانفتاح». ويقول عن الاتحاد الأوروبي الذي ينظر إليه كطفل مدلل لديه «الاتحاد الأوروبي في حالة بائسة. فالقوى النابذة والمتطرفة تفوز في الانتخابات واستطلاعات الرأي. فحين نشكك الآن بالمشروع الأوروبي، فإننا نقامر بمستقبل الأجيال القادمة».
واشتهر شولتس في العالم، حين تحدث أمام البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بالألمانية في شباط/ فبراير 2014 وانتقد في كلمته سياسة إسرائيل الاستيطانية بكل وضوح، ما دفع العديد من النواب إلى الاحتجاج ومغادرة قاعة الكنيست.
هناك من يقول إن وضوح شولتس وصراحته ربما تكون سبب شعبيته الكبيرة في حزبه الاشتراكي. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة أنه ذو شعبية ومحبوب لدى الألمان مثل ميركل ويتفوق على رئيس حزبه، زيغمار غابرييل. وخلال انتخابات البرلمان الأوروبي، حقق للحزب الاشتراكي في ألمانيا نتيجة جيدة بحصوله على 27،3 في المئة من الأصوات وهي نتيجة أفضل من التي حققها الحزب بقيادة بير شتاينيروك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2013 في مواجهة المستشارة أنغيلا ميركل.
الأحزاب المشاركة
يشترك نحو ثلاثين حزباً في الانتخابات النيابية في ألمانيا في الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2017. أبرز هذه الأحزاب هي الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ألمانيا والاتحاد المسيحي الاجتماعي. ويؤلف الحزبان في البرلمان الألماني كتلة نيابية موحدة. ولا ينافس حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ولاية بافاريا، فيما لا يدخل حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي الانتخابات في ولاية ألمانية أخرى.
هنالك أيضا كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وتحالف 90/ الخضر، الحزب الديمقراطي الحر، وحزب البديل من أجل ألمانيا. وحزب البديل جديد جدا في ألمانيا. أسس عام 2013 وخسر فرصة الدخول بنسبة ضئيلة في انتخابات عام 2013. لكنه تمكن من الدخول إلى 12 برلمانا في الولايات الست عشرة، والدخول إلى البرلمان الأوروبي أيضا.
أسس الحزب في البداية من قبل أكاديميين متشككين في سياسة اليورو خاصة بعد تقديم الاتحاد الأوروبي مظلة إنقاذ لليونان بعد الأزمة المالية التي عصفت بها. وشهد الحزب صراعا داخله انتهى لصالح الجناح اليميني فيه عام 2015. رئيسة الحزب فراوكه بتري، انتهجت أجندة قومية، معادية للإسلام وحقق نتائج طيبة في جمع أصوات ناخبين خاصة خلال أزمة اللاجئين التي عصفت في ألمانيا عامي 2015 و 2016. والحزب الشعبوي هو الوحيد في ألمانيا الذي رحب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب بمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويريد الحزب إغلاق الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومراقبة صارمة للهويات والجوازات في الحدود الألمانية، وبناء مخيمات لجوء خارج ألمانيا، لمنع وصول المهاجرين واللاجئين إلى ألمانيا. ويريد الحزب أيضا تسفير اللاجئين المرفوضة طلبات لجوئهم بسرعة، وتشجيع الأجانب العاملين في ألمانيا على العودة إلى بلادهم الأصلية. ويؤكد الحزب الشعبوي على مفهوم الثقافة الألمانية الرائدة ويرفض أن يكون الإسلام جزءا من المجتمع الألماني، ويشكك في أن التغيرات المناخية سببها الإنسان، ولهذا يريد أن تتراجع ألمانيا عن سياستها في البحث عن بدائل للطاقة غير مضرة في البيئة.
تأثير ضعيف للأجانب على الانتخابات
تتمثل إشكالية في أن نحو نصف مجموع الناس الذين يعيشون منذ زمن طويل في ألمانيا ولهم أصول أجنبية لا يحملون الجنسية الألمانية. ويقول خبير الشؤون السياسية لوكاس غيزه إن ذلك يعود لنموذج قانون التجنس المتحجر في ألمانيا في
وهناك 37 عضوا فقط في البرلمان الألماني لهم أصول أجنبية من مجموع 631. ومقارنة مع ثمانية بلدان أوروبية فإن ألمانيا تحتل مكانة متوسطة في التمثيل السياسي. والمقام الأول تشغله بريطانيا ثم تأتي هولندا وفي آخر الذيل نجد إيطاليا وإسبانيا.
وتراهن أحزاب اليمين مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، على نيل أصوات الألمان من أصول روسية الذين قدموا بعد انهيار جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وفي الانتخابات المحلية حقق حزب البديل من أجل ألمانيا نجاحا في المناطق التي يسكنها الروس من أصل ألماني. كما أن أحزاب الاتحاد المسيحي انتبهت لهذه الفئة من الناخبين واستقبلت المستشارة أنغيلا ميركل لأول مرة مجموعة من الروس من أصل ألماني في المستشارية. وحتى أثناء الحملة الانتخابية في ولاية رينانيا الشمالية ووستفاليا خاطب مرشح الحزب المسيحي الديمقراطي هذه الفئة عبر صحيفة روسية. وتعد أحزاب الاتحاد المسيحي هذه الفئة من الناخبين بالحصول على مستوى تقاعدي أعلى.
علاء جمعة