بغداد ـ «القدس العربي» من مصطفى العبيدي: الاثنين 25 ايلول /سبتمبر، ستكون الحكمة الكردية على المحك في تحديد مسار مستقبل إقليم كردستان عن الوطن الأم العراق، كما ستظهر القيادة الكردية قدرتها على الوقوف بوجه تسونامي معارضة الاستفتاء على الاستقلال محليا ودوليا، وسط مؤشرات على توجه القيادة الكردية نحو المضي بالاستفتاء كونه، بالنسبة لها، خطوة لا مفر منها، ووسيلة لتحقيق هدفها وهو الاستقلال عن العراق وإقامة الدولة الكردية.
وفي حراك متسارع في مسار ذو اتجاهين متعاكسين، تصر القيادة الكردية على إجراء الاستفتاء على الاستقلال في موعده ورفض كافة المبادرات والوساطات، مبتعدا عن معارضة محلية وإقليمية ودولية، حسمت موقفها برفض الاستفتاء خشية انفلات الأمور.
وفي أقوى موقف رافض للاستفتاء، أبدى مجلس الأمن الدولي بالإجماع، الخميس الماضي، معارضته للاستفتاء على الاستقلال الذي يعتزم إقليم كردستان العراق تنظيمه يوم غد الاثنين، محذرا من أن هذه الخطوة الأحادية من شأنها أن تزعزع الاستقرار، ومجددا تمسكه بـ«سيادة العراق ووحدته وسلامة أراضيه» وذلك بالتزامن مع إعلان العراق وإيران وتركيا أنها ستتخذ إجراءات ضد إقليم كردستان العراق، في حال إذا ما مضى قدما في إجراء الاستفتاء على الاستقلال، عندما أكد وزراء خارجية الدول الثلاث من نيويورك، عدم دستورية استفتاء كردستان، محذرين من نشوب صـراعــات في المنطقة من الصعب احتوائها.
وفي الاتجاه المقابل، وفي اليوم نفسه أيضا كرر المجلس الأعلى للاستفتاء في الإقليم إن الاستفتاء سيجرى في موعده المقرر، مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً مع بغداد، وإرسال وفد مفاوض للمجلس الأعلى للاستفتاء إلى بغداد يوم السبت، في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الحكومة حيدر العبادي رفضه لإجراء الاستفتاء الآن ومستقبلا لأنه مخالف للدستور، قاطعا بذلك أي أمل بقبول بغداد للاستفتاء أو نتائجه، مع تلويحه بخيار القوة عندما قال: «سنفرض الأمن في الإقليم إذا جرى عنف خلال الاستفتاء، وان ترسيم الحدود من طرف واحد سيفتح باب الدماء على مصراعيه». ويتفق المراقبون على ان بارزاني أصبح في موقف محرج لا يحسد عليه، فهو لعب دورا أساسيا في تحشيد الشارع الكردي وراء شعار الاستفتاء وتحقيق حلم الدولة الكردية، وأعلن انتهاء الشراكة بين بغداد والإقليم وعدم الانصياع لسلطة بغداد أو البرلمان الاتحادي أو المحكمة العليا الذين رفضوا الاستفتاء، إلا انه قوبل بعاصفة من المعارضة الداخلية والخارجية التي يبدو انه لم يتوقعها بهذا الشكل والحجم وخاصة من أقرب حلفائه ( أمريكا وأوروبا ) وبعد اتفاق بغداد وتركيا وإيران على إجراءات رادعة ضد الاستفتاء، وهي التهديدات التي لا يمكن لحكومة الإقليم ان تتجاهلها أبدا. وحتى بالنسبة للأوضاع الداخلية في الإقليم، فان الحراك المعارض لتوقيت الاستفتاء الذي يقوده حزبان رئيسيان هما حركة التغيير والجماعة الإسلامية ومنظمات المجتمع المدني، لا يزال فاعلا في الشارع الكردي وخاصة في السليمانية ويهدد نتائج الاستفتاء، حيث عبر مطلعون في السليمانية عن نية أهلها مقاطعة الاستفتاء أو الإجابة بلا، وذلك لسوء أوضاع الناس الاقتصادية والمشاكل بين أربيل والسليمانية، إضافة إلى الخشية من العواقب.
وضمن السياق، يبدو ان كلا الطرفين العربي والكردي، اتفقا على اهمال مبادرة الحوار التي دعا إليها رئيس الجمهورية فؤاد معصوم نظرا لتعقيدات الأزمة، حيث قوبلت بانتقادات لاذعة من الأطراف السياسية والدينية في بغداد والنجف الشيعية منها والسنية، الذين اعتبروها مخالفة للدستور ومتأخرة، بينما جاء اعلان مجلس الاستفتاء الأعلى في الإقليم، تمسكه بموعد إجراء الاستفتاء، بعد يوم من لقاء بارزاني ومعصوم في السليمانية، بمثابة طلقة الرحمة على تلك المبادرة.
وأقر الكاتب الكردي كاميران قرداغي ان الإصرار على الاستفتاء، قد نسف التحالف القديم بين الشيعة والكرد في العراق الذي يمتد إلى سنوات المعارضة ضد نظام صدام حسين والذي بنيت عليه العملية السياسية في عراق ما بعد 2003 مع اعترافه بأن «هذا التحالف هو في الأساس تطابق مصالح وليس تحالفا تاريخيا».
وفي إجراء لا يمكن إغفال مراميه، أعلنت القوات العراقية، قبل أيام من موعد الاستفتاء، عن فتح ثلاث جبهات في آن واحد لخوض معارك ضد تنظيم «الدولة» في الحويجة والشرقاط وغرب الأنبار، لطرده من أهم المناطق التي ما زال يتواجد فيها. وهذا التحرك العسكري الواسع أرادت منه حكومة بغداد إيصال رسالة باستعداد قواتها لخوض المعارك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه. وعززت هذا المفهوم القوات العراقية، التي لم تطلب مشاركة البيشمركه في معركة تحرير الحويجة غرب كركوك رغم قربها من الإقليم، وهي لفتة ليست عابرة بالتأكيد.
والسؤال المهم المطروح الآن، هو هل لدى القيادة الكردية إذا أصرت على إجراء الاستفتاء وتجاهلت الرفض الواسع الذي قوبل به محليا وإقليميا ودوليا، خريطة طريق لمرحلة ما بعد الاستفتاء، وما فيها من تحديات ومخاطر ليس على الأوضاع الاقتصادية في الإقليم الذي يعاني أساسا من أزمة اقتصادية، بل وعلى مواجهة التصعيد المتوقع للأوضاع الأمنية والعسكرية في المنطقة؟
وأخيرا فإن أمام القيادة الكردية فرصة قد لا تتكرر في الاستفادة من التعاطف الدولي واستعداد بغداد لحل المشاكل بضمانات دولية، لكي تعيد موقفها من الاستفتاء من خلال التأجيل أو القبول ببدائل معقولة، بدل الإصرار على عملية قد تسبب لشعب الإقليم والعراق، تداعيات وتعقيدات سياسية واقتصادية وأمنية لا يعرف أحد مداها، ستعمق الأوضاع السيئة والأزمات المزمنة في العراق.