من أعالي الـ 94 سنة من حياته، أوري أفنيري متفائلا تجاه مستقبل إسرائيل (18/9، «هآرتس»). «متفائل كحالة نفسانية»، حسب تعبيره. يجدر فحص ادعاءاته بجدية. لأنه إذا كان الحق إلى جانبه، فإن أقواله تتضمن بشرى حقيقية. السؤال هو هل من الصحيح تسمية حالته النفسانية «تفاؤلا» أو أنه يفضل تسميتها بمنقطع عن الواقع، غارقٍ في الأخطاء، يحيك أوهاما يتمسك بها. أحيانا التفاؤل هو نوع من خديعة الذات.
أفنيري يعظ ضدَّ اليأس الذي يتمسك ببعض أصدقائه الذين اقتنعوا بأنه «ليس بالإمكان تغيير إسرائيل من الداخل»، ويؤيدون بناءً على ذلك الـ بي.دي.اس. ليس نجاعة نشاطات الـ بي.دي.اس تشغلني الآن، بل صلاحية وجهة نظره حول الوضع في إسرائيل. «إسرائيل هي دولتنا» يصرخ أفنيري، «نحن مسؤولون عنها. أنا واحد من الآلاف القليلين الذين دافعوا عنها في ساحة المعركة يوم ولادتها». أنا لست كذلك. ولدت في منتصف حرب الأيام الستة، بالضبط عندما بدأ الاحتلال. منذ خمسين سنة وأنا أعيش هنا ولست أعرف إسرائيل أخرى. لم أسفك دمي من أجل الدفاع عنها، ولكنني أعطيتها ثلاث سنوات غالية من شبابي، ومن اللحظة التي تسرحت فيها من الجيش لم أسكن في يوم ما في أي مكان آخر. دائما دفعت هنا الضرائب، وهنا أنا أربّي أولادي. أيضا أنا مسؤول عن إسرائيل.
«أنا اؤمن بالسلام»، يقول أفنيري. «السلام بين إسرائيل وفلسطين، معناه أن دولة إسرائيل ستعيش إلى جانب دولة فلسطين. أيضا أنا آمنت بالسلام هذا. حتى قبل عدة سنوات، آمنت به. استيقظت في «الجرف الصامد».
عيوني انفتحت وفهمت، أن الإيمان بإمكانية هذا السلام وهم خطير، ينبع من عدم القدرة على رؤية ما يحدث في المجتمع الإسرائيلي. إيمان أفنيري يشابه الإيمان الديني، والإيمان بالمعجزات. لقد كفّت عن أن تكون منطقية. هذا السلام هو لا يساوي شيئا. سلام سيأتي من مكان ما. سيأتي من العدم، الصياد الذي ينقذ ليلى من الذئب.
لقد غاب عن عيني أفنيري رؤية الواقع كما هو. رؤيته ليست مستنيرة. «أنا أومن أن معظم الإسرائيليين كانوا يرغبون بالسلام لو أنهم آمنوا أن السلام ممكن»، هكذا كتب. المأساة هي أن هذا صحيح.
معظم الإسرائيليين يرفعون أرجلهم من المناطق ومن المستوطنات. وليسوا محتاجين لها في حياتهم. ولكن كما كان رد أوروبا على البلاء الفظيع للحرب العالمية الأولى كان الفاشية، هكذا فإن رد إسرائيل للبلاء الفظيع على موجات الإرهاب والصواريخ هي فاشية آخذة في التزايد، بطابع ديني: وطنية متطرفة، تهويد، تحريض ضد «اليسار الخائن»، توق لوحدة قوية على حساب الديمقراطية، إسكات النقد.
أفنيري يدعو للنضال من أجل شكل الدولة، من أجل أن تشبه الدولة التي حارب من أجلها في 1948. هذا يمس القلب. ولكن إسرائيل منذ فترة طويلة ليست على شكله، بل بشكل اليهود الذين يؤمنون أنهم يقفون في مركز الكون الذي خلقه الله من أجلهم، وليس بالإمكان تغييرها من الداخل، لأن الرواية التي يطرحها اليسار تفسر لدى معظم الجمهور كاستسلام مخزٍ ومهين. كل اتفاق سلام واقعي يقيم دولتين ـ ويتضمن تنازلات كبيرة من قبل إسرائيل عن سيادتها في القدس، بما في ذلك جبل الهيكل ـ يراه الجمهور الإسرائيلي مثل فرساي. «ليس هناك ما نيأس منه سوى الفشل نفسه. هكذا يجمل أفنيري. ولكن بنظرة يقظة ـ لم يعد بالإمكان أن نبيع للجمهور الإسرائيلي السلام بصيغة أفنيري. هذه السفينة أبحرت. ولن تعود.
أفنيري يتوقع أن بدولة ثنائية القومية ـ «شعبين وطنيين جدا» على حد تعبيره، في دولة واحدة ـ «الحياة ستكون جهنم». بهذا هو بالتحديد على حق. يحدث كارثة. هو على ظهر التايتنك. أمامه الجبل الجليدي وهو ما زال متفائلا.
هآرتس 24/9/2017